د. عبد الله المغازي يكتب ..التعليم بين الواقع والمأمول.. ملحمة وطنية لحماية الجبهة الداخلية

إن غرس الوعي وبناء الإنسان هما العماد الأساسي الذي تقوم عليه حضارات الأمم ونهضتها، فمن محاريب العلم وفصول الدراسة يخرج صُنّاع القرار وحماة المستقبل. وحين نتأمل الواقع التعليمي الراهن، نجد أنفسنا أمام معركة وطنية كبرى تستوجب منا شجاعة الاعتراف بالخلل، وقبل ذلك شجاعة البحث عن حلول خارج الصناديق البيروقراطية المغلقة التي طالما عطلت مسيرة التطوير. إن التعليم القويم هو أقوى حصن يقوي الجبهة الداخلية للمجتمع المصري، ودرعها المتين في مواجهة كافة التحديات والتهديدات؛ فوعي المواطن وانتماؤه لا ينشآن عن شعارات براقة تذرها الرياح، بل يُزرعان طفولةً وشباباً على مقاعد الدراسة، حيث تُبنى الشخصية السوية القادرة على التفكير النقدي والإبداع.

غير أن التعليم قبل الجامعي يعاني اليوم من ضغوط هائلة أثقلت كاهل الأسر وأرهقت عقول الطلاب، بدءاً من كثافة المناهج وحشوها بمعلومات تُحفظ لتنسى، وصولاً إلى غياب البوصلة الحقيقية التي تربط التعليم ببهجة الحياة وسكينتها. وحين نتناول هذه الأزمة، لزاماً علينا أن ندرك أن التعليم منظومة متكاملة متناغمة لا يمكن بحال من الأحوال فقد أو إهمال عنصر منها؛ فالمعلم، والطالب، والمدرسة، والمنهج أوتار عود واحد إن اختل وتر منها انفرط العقد بأسره. إن التركيز الأحادي على المنهج وشكل اليوم الدراسي وحدهما، مع إهمال باقي أركان المنظومة، لن يثمر سوى حرث في البحر؛ فعماد التعليم الحق هو المعلم الكفء، تماماً كما أن عماد الصحة هو الطبيب الماهر، وهكذا يجب أن نفعل لتقويم البنيان بأسره.

ومن هنا يبرز الدرس البليغ من التجربة الفنلندية الرائدة، التي أثبتت للعالم أجمع أن التفوق الحقيقي لا يأتي بإرهاب الأجيال بالامتحانات المستمرة وساعات الاستذكار المضنية، بل بمنح الأطفال والنشء الوقت الكافي للاستمتاع بطفولتهم، وممارسة اللعب، والأنشطة الرياضية والفنية التي تبني أبدانهم وتنعش أرواحهم. إن الطفل السعيد نفسياً وببدن معافى هو وحده القادر على الاستيعاب والابتكار، لا ذاك المكلوم بأثقال الحشو والتلقين.

ولتحقيق هذه النقلة النوعية، فإن التطوير المنشود لا يمكن أن يتحول إلى واقع ملموس باعتماد كلي على جهود الدولة وحدها في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، بل يحتاج إلى ملحمة وطنية حقيقية تفتح الأبواب واسعة أمام المجتمع المدني، ورجال الأعمال، والمؤسسات الوطنية للاضطلاع بدورهم الأصيل في الشراكة التنموية، وجعل دعم التعليم قضية مجتمعية عليا. إن تبني المجتمع المدني لتطوير المدارس والمعلمين ليس ترفاً فكرياً، بل هو استثمار استراتيجي مباشر في الأمن القومي المصري وصلابة جبهته الداخلية.

يمكننا هنا أن نطرح حلولاً مبتكرة عملية، أبرزها تدشين “صناديق مجتمعية محلية” تدار بشفافية تامة داخل كل إدارة تعليمية، تخصص مواردها لرفع كفاءة البنية التحتية للمدارس، وتوفير بيئة جاذبة ومحفزة للتعلم تليق بكرامة الطالب المصري. إلى جانب ذلك، يجب أن تمتد هذه الشراكة المدنية لتشكل حاضنات متطورة لتدريب المعلمين ورفع كفاءتهم المهنية والمادية، عبر برامج رعاية متكاملة تتبناها المؤسسات الكبرى، تقدم حوافز استثنائية للمتميزين في القرى والنجوع والمناطق النائية، لضمان استقطاب أفضل الكفاءات وحمايتهم من ضغوط الحياة اليومية التي تعيق إبداعهم؛ فالمعلم الذي يشعر بأن مجتمعه يقف خلفه ويدعم رسالته هو وحده القادر على صناعة المعجزة وبث الروح في عقول الأجيال.

كما يمكن للمجتمع المدني أن يلعب دوراً محورياً في دعم الأنشطة اللامنهجية، من خلال إنشاء الملاعب، والمسارح، والمكتبات التفاعلية التي تمنح الطلاب متنفساً حقيقياً يوازن بين التحصيل العلمي وبناء الشخصية، متجاوزين بذلك فكرة “وزارة التربية والتعليم” وحدها كمسؤول وحيد عن هذا الحمل الثقيل.

إننا بحاجة ماسة اليوم إلى استعادة الروح الوطنية التي تجمع بين حرص الدولة وإخلاص المجتمع، لنصنع معاً منظومة تعليمية تُعلي من قيم الانتماء والوعي، وتحرس الجبهة الداخلية، وتقدم للأجيال وطناً يليق بطموحاتهم على أرض صلبة من العلم والأخلاق والحرية.

Check Also

ابدأ بنفسك: اكتسب مهارات العمل التشاركي د. عصام محمد عبد القادر

يتوجب عليك قبل الخوض في غمار المشاريع الجماعية إعداد نفسك وجدانيًا ومهاريًا لفقه متطلبات التعاون …

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *