لوسط البلد في قلبي مَقامٌ لا يشبهه مَقام، ولعشقها في جدانـي طقسٌ أسبوعي لا يتبدل؛ هناك بين مقاهيها التراثية وأزقتها التي تفيض برائحة الزمن الجميل، تُولَد فصول رواياتي وتُصاغ كلماتي. بالأمس، الأربعاء التاسع من سبتمبر، كانت وجهتي أثيرةً ومتميزة؛ حيث قادتني الخُطى للظعن في أرجاء منطقة “الشيخ معروف”، ذلك الفضاء الخديوي العريق الممتد كبرزخٍ يربط بين ميدان التحرير وبولاق أبو العلا وشارع شامبليون.
تستوقفُك المنطقة بشموخ طابعها المعماري الخديوي، وبنَبضها الحيوي الراهن كمركزٍ لتجارة قطع غيار السيارات، لكن السحر الحقيقي يكمن في البُعد التاريخي للحي الذي يحمل اسم الشيخ “معروف”؛ أحد شيوخ الطرق الصوفية الأجلاء، الذي يُنسب إليه الضريح والمسجد القائمان هناك.
وفي جولتي بين جنبات الحي، التقيتُ بالأستاذ حسين أحمد، ابن المنطقة وأستاذ اللغة العربية ذي الأصول الأسوانية الكريمة، فاقتبسنا من حديثه شذراتٍ من ذاكرة المكان؛ إذ أشار إلى أن تشييد ضريح الشيخ معروف يعود إلى عام 1911م، وظل مزاراً وأثراً يمنح المكان روحانيته الخاصة. ومما يسترعي الانتباه في تاريخ هذا المسجد وتطويره تلك اللفتة الكريمة من الحلواني الحاج أحمد العبد -رحمه الله، مؤسس محلات العبد الشهيرة- الذي أولى المسجد عناية خاصة، فقام ببنائه وتوسعيته على نفقته ليصبح بصمة خيرية جامعة لأهل الحي وزائريه.
تتعدد روايات المؤرخين حول شخصية “الشيخ معروف” الذي سميت المنطقة باسمه؛ فثمة من يرجّح أنه العارف بالله الشيخ معروف الكرخي (أحد أعلام التصوف الصغار أو من سمي على اسمه تبركاً)، بينما تُشير مدونات تاريخ القاهرة الحديث إلى أنه أحد أولياء الله الصالحين الذين سكنوا هذه المنطقة المتتاخمة لبولاق وجزيرة بدران قديماً قبل التخطيط الخديوي. ومع الطفرة العمرانية التي شهدتها القاهرة في عهد الخديوي إسماعيل وتخطيط حي الإسماعيلية (وسط البلد حالياً)، احتفظت المنطقة باسم هذا الشيخ الجليل، ليظل ضريحه الشريف شاهداً على التحول الحضاري من القاهرة المملوكية والأثيرة إلى القاهرة الخديوية الحديثة.
إن التجوّل في مثل هذه الأحياء ليس مجرد نزهة، بل هو استحضارٌ لهوية مصر المتجددة، حيث تلتقي روحانيات الصوفية بأصالة الصعيد في وجوه أهلها، وتتآلف المآذن القديمة مع صخب الحياة الحديثة.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
