في غرفة قياس السمع نبني الصمت بناءً؛ جدرانٌ عازلة، وبابٌ ثقيل، وهواءٌ ساكن لا يحمل أي إشارة. ومع ذلك فإن أكثر ما يلفت انتباه من يجلس داخلها لأول مرة ليس الراحة، بل الانزعاج. يبدأ الإنسان في سماع دقات قلبه، وصفير أذنه، وحركة تنفّسه؛ إذ يتضح أن الصمت المطلق ليس سكينةً، وإنما غياب كل ما كان يشغلنا عن أنفسنا. وأن الدماغ لا يتعلّم التمييز بين الكلمة والضجيج إلا إذا وُضع في مواجهة الضجيج نفسه.
وهذا — في تقديري — وصفٌ دقيق للعمل العام.
نحن في قياس السمع لا نسأل: ما أعلى صوتٍ يحتمله المريض؟ بل نسأل: ما أخفض صوتٍ يستطيع التقاطه؟ تلك هي العتبة، وذلك هو المقياس الحقيقي. وعلى النحو ذاته تُقاس المؤسسات؛ لا بأعلى إنجازٍ تُعلنه في مؤتمر، بل بأدقّ إشارةٍ تلتقطها قبل أن تصير أزمة: شكوى متكررة في مستشفى طرفي، رقمٌ يميل ميلًا طفيفًا في تقرير شهري، صمتٌ غير معتاد من فريقٍ كان كثير الملاحظات. والتقاط الإشارة الخافتة عملٌ شاقٌّ بطبيعته؛ يحتاج انتباهًا متصلًا، ومراجعةً لا تتوقف، واستعدادًا نفسيًّا لأن نكتشف أننا كنا مخطئين.
ثم إن في السمع ظاهرةً اسمها التكيّف؛ فالصوت الثابت المستمر يتراجع إدراكنا له حتى يكاد يختفي. من يسكن بجوار سكة حديد لا يسمع القطار بعد شهور، لا لأن القطار صمت، بل لأن دماغه قرر أن ما لا يتغيّر لا يستحق الانتباه. والمؤسسات تفعل ذلك تمامًا: تتعايش مع خللٍ مزمن حتى يصير جزءًا من أثاث المكان، ويُقال عنه “هكذا هي الأمور”، وهي الجملة التي تسبق كل تدهورٍ كبير.
لذلك فإن الراحة، وإن كانت إغراءً مشروعًا للفرد، فهي داخل المؤسسات علامةٌ تستدعي القلق. المكتب الذي لا تصله شكوى، والاجتماع الذي ينتهي بلا خلاف، والخطة التي تمرّ بلا مراجعة، كلها مساحات هادئة أكثر مما ينبغي. والهدوء هنا ليس دليل إتقان في الغالب، بل دليل أن أحدًا لم يعد يرفع صوته، أو أننا خفّضنا حساسيتنا حتى لا نسمع ما يزعجنا. وفي الحالتين تكون قد خسرنا أثمن ما نملك: القدرة على معرفة حالنا على حقيقته.
. أن تقول الحقيقة كما هي لا كما يُحبّ الناس أن يسمعوها هو عملٌ غير مريح على الإطلاق، لكنه العمل الوحيد الذي يبني رصيدًا من الثقة لا ينفد عند أول أزمة. أما الطمأنة السهلة فهي قرضٌ قصير الأجل بفائدة باهظة، تُسدَّد كاملةً في أول اختبارٍ حقيقي.
ولستُ هنا أُمجّد الإنهاك، ولا أدعو إلى الاحتفاء بالتعب لذاته. فثمة فرقٌ جوهري بين عملٍ صعبٍ يبني وعملٍ مُستنزِفٍ يهدم؛ الأول يترك أثرًا، والثاني يترك رمادًا. والمشقّة التي أعنيها : مشقّة الاختيار الصحيح حين يكون الخطأ أسهل، ومشقّة الإصلاح من الجذر حين يكون الترميم السطحي أسرع وأجمل في الصورة، ومشقّة أن تراجع قرارًا وقّعتَه بنفسك.
والصحة العامة على وجه الخصوص مهنةٌ لا تعرف الراحة، لأن نتائجها مؤجَّلة وأخطاءها فورية. من يعمل فيها يزرع في أرضٍ لن يجلس هو في ظلّها؛ فبرنامج التطعيم الذي يُدار اليوم بإتقان يظهر أثره بعد عشرين عامًا في أمراضٍ لم تحدث، وسياسة الوقاية الناجحة لا تُنتج مشهدًا مصوّرًا ولا لحظة احتفال. نحن نُقاس بأزماتٍ لم تقع، وهو أصعب ما يمكن أن يُنسب إلى أحد، وأقلّ ما يُشكر عليه.
لكن هذا بالضبط هو مصدر المعنى. العمل الذي لا يكلّف شيئًا لا يُنتج شيئًا يستحق أن يُروى. والراحة التامة في موقعٍ عام إما أنها إتقانٌ نادر بلغ غايته، وإما — وهو الأرجح — أن سقف الطموح قد هبط حتى صار في مستوى القدرة، فبدا كل شيء ممكنًا وهادئًا ومُنجزًا.
فإن وجدتَ عملك مريحًا تمامًا فاسأل نفسك سؤالًا واحدًا، وكن قاسيًا في الإجابة: هل بلغتُ هذا الحدّ من الإتقان، أم أنني كففتُ عن سماع ما لا أحبّ سماعه؟
إن نبض الصحة، كأي نبض، لا يُقاس في لحظة السكون، بل عند المجهود.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة