تسعى مصر لجذب تمويلات من مانحين أجانب لدعم جهود الحفاظ على الشعاب المرجانية، فيما لم تتضح بعد أوجه إنفاق الرسوم التي تجمعها الدولة منذ عقود لحماية الشعاب المرجانية. إذ أسست مصر في يونيو الصندوق المصري للشعاب المرجانية، وهو أداة للتمويل المختلط تعتمد على المانحين وتهدف إلى جذب 45 مليون دولار من المؤسسات والمستثمرين من القطاع الخاص، إلى جانب 5 ملايين دولار كتمويل تأسيسي من مبادرة البحر الأحمر المصرية. وتفرض الدولة منذ سنوات رسوم دخول على الغواصين في محمياتها البحرية، على أن تُخصص إيراداتها صراحة لجهود الحفاظ على البيئة، إلا أن أوجه إنفاق هذه الأموال ما زالت غير واضحة.
— التمويل المختلط: يجمع هذا النوع من التمويل بين الأموال العامة أو الخيرية ورأس المال الخاص في هيكل واحد؛ إذ تتحمل الأموال العامة المخاطر المبكرة أو تغطي الأعمال التي لا تدر عوائد، لجذب وتحفيز استثمارات القطاع الخاص في مشروعات التنمية المستدامة.
وعاء عام وأهداف خاصة:
بلغت رسوم دخول المحميات الطبيعية نحو 222 مليون جنيه و2.2 مليون دولار خلال العام المالي 2023/2022 وحده، حسبما أظهر تقرير (بي دي إف) عن مبادرة تمويل التنوع البيولوجي (بيوفين) التابعة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2023، علما بأن هذه الأموال تُورد إلى صندوق حماية البيئة التابع لجهاز شؤون البيئة المصري، أي أن المحميات ليس لديها أي سيطرة مباشرة على إيراداتها، حسبما ورد في التقرير. ويشمل هذا الرقم شبكة المحميات الطبيعية في مصر بأكملها، دون تقديم تصنيف تحليلي يخص محميات البحر الأحمر على حدة.
وعاءان وهدفان مختلفان
يعتمد هيكل الصندوق المصري للشعاب المرجانية على أداتين لكل منهما هدف مختلف؛ إذ يجمع الصندوق بين أداة للمنح مخصصة لجهود الحفاظ على البيئة ورأس المال التحفيزي لتقليل مخاطر الاستثمارات المبكرة، وأداة أخرى للاستثمار تستهدف الأعمال التجارية المجدية المرتبطة بالشعاب المرجانية والتي تسعى لتحقيق عوائد، وفقا للصندوق العالمي للشعاب المرجانية.
يكتسب هذا التمييز أهمية خاصة عند حساب الأموال؛ فالدولار المخصص للاستثمار الذي ينبغي أن يدر عائدا، يختلف دوره عن الدولار المُقدم كمنحة لحماية البيئة. ولذلك، فإن تقييم الصندوق لا يقف عند حد رأس المال المستهدف وحسب، بل يمتد لمعرفة التقسيم بين هاتين الأداتين لتحديد الأنشطة التي يمكن للصندوق دعمها فعليا.
وهنا يجب حماية مسار الحوكمة بضمانات واضحة خاصة به، حسبما ذكرت نهى شاكر، الرئيسة التنفيذية للمركز الدولي لتمويل المناخ وإحدى المشاركات في رسم الملامح الأولى لمبادرة البحر الأحمر. وتلخص نهى لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية هذه الضمانات في ضرورة وجود “مجلس إدارة بأغلبية من خارج الحكومة، ورئيس مستقل، ومقار منفصلة عن الوزارات، ونظام أساسي يضيق الخناق على أوجه الإنفاق لمنع حياد الصندوق عن مساره”. وتبرز أهمية هذا الهيكل التنظيمي في الشق الاستثماري بالأخص، لا سيما وأن الصندوق بصدد تمويل أعمال لا يقتصر نشاطها على حماية الشعاب المرجانية.
ما نعرفه عن “الأعمال الداعمة لحماية لشعاب المرجانية”
لا تقتصر خطط برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للصندوق الاستثماري على الشعاب المرجانية فقط وإنما تشمل مجالات أوسع، مثل السياحة البيئية المجتمعية، وإعادة تدوير النفايات العضوية، والاستزراع السمكي، وإنشاء حاضنة أعمال، وتحسين مراقبة الشعاب المرجانية، وتطوير مراسي السفن للحد من الأضرار التي تسببها المراكب السياحية، وفقا للصندوق العالمي للشعاب المرجانية.
ولعل شركات إدارة المخلفات خير مثال على كيفية عمل هذا النموذج؛ فالعملاء يدفعون مقابل الخدمة مما يحقق إيرادات تجارية، في حين يؤدي تحسين التعامل مع المخلفات إلى الحد من التلوث الذي يهدد الشعاب. وهكذا، يمول المستثمرون أعمالا تساعد في حماية البيئة، فتستفيد الشعاب المرجانية بشكل غير مباشر بدلا من أن تدر عوائد مباشرة.
غير أن العثور على أعمال تجارية جديرة بالدعم يشكل تحديا في حد ذاته؛ إذ يحتاج الصندوق إلى مجموعة قوية من الشركات القادرة على جذب التمويل وتحقيق فوائد بيئية ملموسة. وتهدف حاضنة الأعمال المقترحة إلى المساعدة في إعداد هذه المجموعة، بما في ذلك مساعدة الشركات الحالية على تغيير ممارساتها، بحسب تقرير الصندوق العالمي للشعاب المرجانية.
وتقول نهى إن حاضنة الأعمال مطالبة بإثبات الجدوى التجارية، مضيفة أن “الدفعة الأولى من الشركات عليها تقديم أدلة واقعية وقابلة للقياس – سواء في صورة إيرادات فعلية، أو عوائد بيئية تنعكس مباشرة على الشعاب المرجانية – لعرضها لاحقا على المستثمرين الخارجيين”. وترى نهى ضرورة اختبار هذه المشروعات أولا عبر أدوات تمويلية محدودة، مثل المنح المستردة واتفاقيات تقاسم الإيرادات، قبل الإقدام على ضخ استثمارات كبرى.
تكلفة خارج تغطية نماذج الأعمال
تستهدف مقترحات نهى خلق مصادر جديدة للإيرادات؛ فأعمال الحماية البيئية بطبيعتها لا تجتذب عملاء يدفعون مقابلها، ولهذا تحديدا يجب أن تعتمد على المساءلة والشفافية في الإنفاق العام، وليس على شهية المستثمرين الساعين للربح. فمراقبة الشعاب المرجانية والحفاظ عليها يعود بالنفع على الوجهة السياحية بأكملها، وتطبيق قواعد المحميات الطبيعية بصرامة يحمي أعمالا وشركات تجني الأرباح دون أن تسهم مباشرة في تحمل أي من تكاليف هذه الحماية.
الأولوية لنظام المراقبة قبل ضخ استثمارات كبرى:
تشير نهى إلى “ضرورة إرساء نظام المراقبة بالتوازي مع تأسيس الصندوق، وليس لاحقا”، وتوصي بوضع مؤشرات بيئية أساسية وتفعيل آليات التتبع المالي قبل الشروع في ضخ رؤوس أموال ضخمة، مع اشتراط أن تُثبت الشركات المستفيدة من التمويل تحقيق منافع ملموسة وقابلة للقياس لصالح الشعاب المرجانية.
كما تواجه المحميات الطبيعية في جنوب سيناء فجوات حقيقية؛ تتمثل في محدودية القدرة البحثية، ونقص الموظفين المتخصصين في الإدارة البحرية والساحلية، وغياب المراقبة المستمرة للشعاب المرجانية، وفق ما قاله كريم فاروق درويش، مدرس البيئة البحرية بجامعة الأزهر، لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية. ويضيف درويش: “تتطلب عمليات المراقبة، والعمل الميداني، وتطبيق القوانين، والمعدات، والصيانة، والإدارة اليومية تمويلا مستمرا”.
وهذا يفتح الباب للتساؤل حول آليات تخصيص الأموال بالتوازي مع مساعي جمعها؛ صحيح أن التقرير الذي نشرته مبادرة تمويل التنوع البيولوجي لا يزعم أن حصيلة الرسوم الحالية يمكنها تغطية كل احتياجات حماية البيئة، أو أن إعادة توجيهها إلى الصندوق المصري للشعاب المرجانية ستضمن تحسين الوضع، لكنه يوضح ضرورة مناقشة كيفية إسهام الإيرادات الحالية في دعم جهود الحماية، جنبا إلى جنب مع حجم رأس المال الجديد الذي يمكن جمعه. ويقول درويش إن “الصندوق الجديد ينبغي أن يكمل التمويل المباشر للمحميات الطبيعية لا أن يحل محله”.
مدفوعات القطاع السياحي قد توفر إيرادات متكررة:
تقترح نهى ميكنة تحصيل رسوم الغوص وتوجيهها مباشرة إلى الصندوق، إلى جانب مساهمات من الفنادق وشركات السياحة المنتفعة من ازدهار الشعاب المرجانية. ومع ذلك، لا يحل أي من هذه المقترحات الأزمة الهيكلية الأعمق؛ والمتمثلة في كيفية ربط كل نوع من التمويل بالنشاط الذي يلائمه.
عائد للشعاب المرجانية
يتميز الصندوق المصري للشعاب المرجانية في الربط بين احتياجين تمويليين مختلفين؛ فبإمكان رأس المال الخاص دعم الشركات الناجحة التي تقلل الضغوط البيئية، في حين يمكن للمنح تمويل جهود الحماية التي تعود بالنفع على نطاق أوسع. ويفترض لنجاح أحدهما أن يعزز الآخر، لكن هذا الارتباط يحتاج إلى تخطيط وتمويل وقياس.
وبالنسبة لقطاع السياحة، تتعلق هذه المسألة بالحفاظ على الأصول؛ فحالة الشعاب المرجانية بالغة الأهمية للوجهة السياحية التي بُنيت حولها. ورغم أن تمويل الشركات الأكثر التزاما بالمعايير البيئية مفيد، فإن الحفاظ على النظام البيئي الذي تستمد منه قيمتها يتطلب خطة إنفاق مستمرة.
ولايعد دمج رسوم الزائرين في الصندوق المصري للشعاب المرجانية هو الخيار الوحيد؛ إذ يمكن أن تبقى الرسوم ضمن المنظومة الحالية كما هي على أن يمول الصندوق أنشطة جديدة كليا، أو توريد جزء منها إلى الصندوق مباشرة. وفي كلتا الحالتين، لا بد من وجود جهة واضحة مسؤولة عن تحديد أوجه الإنفاق. فمصر تجمع بالفعل رسوما سنوية بقيمة 222 مليون جنيه و2.2 مليون دولار مقابل دخول المحميات. لذا، لن يحمل هدف الصندوق البالغ 45 مليون دولار معنى حقيقيا إلا إذا عرفنا أي وعاء مالي يمول أي نشاط.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة