يمثل نص مسرحية “تيرانتوس” المكون من فصل واحد للدكتور كمال يونس ، أملاً تجريبيا واعداً في المسرح السياسي العربي المعاصر ، حيث يستدعي البناء الفكري للمسرح الدائري والعبثي ليطرح معضلة إنسانية وسياسية أزلية ، هل الطغاة هم من يصنعون العبودية ، أم أن الجماهير هي التي تحترف صناعة مستبديها ؟
يتسم هذا التأليف المسرحي بلغة مكثفة ودلالات إخراجية ونصوصية ذكية ، تنجح في تحويل النص من مجرد حوار درامي تقليدي إلى “مانيفستو” نقد سياسي واجتماعي يتسامى عن حدود الزمان والمكان .
فيما يلي أبرز الجوانب الإيجابية والمميزة التي أثرت هذا النص وجعلت منه عملاً درامياً لافتاً .
أولًا : شعرية اللامكان واللازمان ودلالة التمثال .
تتجلى أولى نقاط القوة في الإعداد المسرحي في اختيار “الالمكان والالزمان” مسرحاً للأحداث، وهو خيار درامي يُكسب النص شمولية وإنسانية جارفة ، فالبلدة قد تكون أي مجتمع يعاني من الاستبداد والجهل عبر التاريخ .
كما يبرز “تمثال الإمبراطور” في منتصف الميدان كعنصر سينوغرافي ودلالي جوهري ، فهو ليس مجرد ديكور خلفي ، بل هو البطل الصامت والأيقونة التي تختزل فكرة “الصنم”. وحين يتحطم التمثال بضربة مصادفة غير مقصودة من الشاب ، لا يتحرر الشعب ، بل يسارع فوراً لنصب الشاب نفسه على ذات القاعدة وبنفس الطقوس ، في إشارة بصرية ومكانية عبقرية إلى دورة الفساد والاستبداد المغلقة .
ثانياً : المعالجة الدرامية المتقنة لديناميكية “الحلقة المفرغة”
نجح د.كمال في بناء تصاعد درامي دائري محكم يبدأ النص بتشريح الهوان الاجتماعي والسياسي من خلال نماذج بشرية تسير في القاع (الشاب ، الفتاة ، اللص ، الشحاذ ، المظلوم ، الجندي) ، ثم ينتقل إلى لحظة الإنفجار الفجائي ، وسقوط الرمز القديم ، ليتوج في النهاية ببناء المستبد الجديد .
أبرز ما يميز هذا الأعداد هو التحول السيكولوجي للشاب ، فالبطل الذي كان يبكي العجز والنخوة المفقودة في بداية النص ، يتحول تدريجيًا بعد جلوسه على الكرسي ، وبفعل همسات قوى السلطة الحاكمة (الكاهن ، الوزير ، التاجر ، الفارس) ، إلى طاغية جديد يطلب “القدسية” ويزيد في صفات التبجيل ، مما يجسد مقولة أن السلطة المطلقة تفرز فساداً مطلقاً .
ثالثاً : النماذج البشرية كـ “أنماط رمزية”
استطاع د. كمال يونس رسم الشخصيات بأسلوب الأنماط الفكرية والمجتمعية الدقيقة ، حيث لا تمثل الشخصيات ذواتًا فردية بقدر ما تمثل شرائح وبنى مؤسسية في المجتمع المستبد
-الكاهن ، يمثل السلطة الدينية المستغلة التي تُضفي “القدسية” على الحاكم لتكبيل العقول وتغيب الوعي .
-الوزير ، يجسد الخبث السياسي والتكتيك الديكتاتوري (دعهم يتكلمون وافعل ما تشاء) .
-التاجر ، يمثل رأس المال الفاسد الذي يشتري الحماية ويحتكر القوت .
-الشاعر ، يرمز للمثقف الانتهازي وزيف الخطاب الإعلامي والفني الذي يمتدح كل من يجلس على الكرسي بـ “قصيدة جاهزة لكل عصر”.
-الفارس ـ الجندي ، يمثل المؤسسة العسكرية والأمنية التي تُساق لخدمة الحاكم لا الوطن .
رابعاً : تكسير الجدار الرابع ورسالة “المعلم”
تُعتبر شخصية “المعلم” الضمير المتكلم للنص ، فهو الوحيد الذي لم ينخرط في خديعة “المخلص”.
وتزداد الجمالية الإخراجية للنص حين يتجه المعلم في النهاية نحو الجمهور مستخدماً تقنية تكسير الجدار الرابع ، ليعلن الحقيقة المرة ،
”ليس هذا بشعب يفكر… بل جمهور يصفق… الجهل لا يصنع طغاة… بل يصنع جماهير تتفنن في صنع وحماية الطغاة”.
هذا التحول في الممارسة المسرحية يُخرج الجمهور من موقف المتفرج المحايد ليضعهم في موضع الإتهام والتردد ، هل نحن المشاركون في صنع هؤلاء الطغاة بصمتنا وتصفيقنا ؟
خامساً : الثنائيات الضدية ولغة الحوار المكثفة
امتلك النص حواراً يتميز بالسرعة ، والتهكم الساخر ، والعمق الفلسفي . وقد برزت في الحوار ثنائيات متعددة تعكس المفاهيم المقلوبة داخل بلدة “تيرانتوس”.
العهر والحرية ، كما عبرت عنها الفتاة في صرختها ضد ازدواجية المعايير بين الطبقة الأرستقراطية والطبقة الفقيرة .
اللصوصية كمهنة والقواد كضحية ، في الحوار التهكمي بين اللص والشاب ، والذي كشف عن تشوه المفاهيم الأخلاقية في ظل الفقر .
تجارة الدين وتجارة الدنيا ، في اللقاء الثنائي بين التاجر والكاهن “تاجر دنيا وتاجر دين”.
إن مسرحية “تيرانتوس” للدكتور كمال يونس تُعد نصاً مكثفاً يمتلك مقومات العرض المسرحي الناجح بامتياز ، بفضل رهانها على البصرية الدلالية ، والدائرية البنائية ، والجرأة الفكرية في تشريح وعي الشعوب قبل طغيان الحكام .
إنها صرخة مسرحية توقظ الوعي وتؤكد أن الحرية لا تُمنح عبر استبدال إله بإله آخر ، بل عبر كسر “مصنع الأصنام” داخل العقول أولاً .
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
