نفسُك فُزْ بها إن خفتَ ضَيْماً، وخلِّ الدارَ تنعي من بناها..فإنك واجدٌ أرضاً بأرضٍ..ونفسُك لن تجد نفساً سواها.
ما قرأتُ هذه الأبياتَ في كتابٍ فحسب، بل قرأتُها في وجوهِ الناسِ، وسمعتُها في حشرجاتِ الصدورِ. على امتدادِ سنواتٍ من الكتابةِ والإصغاءِ، جلستُ إلى أرواحٍ مُنهكةٍ تسكنُ بيوتاً عامرةً، كان لسانُ حالِها جميعاً يقولُ دونَ أن ينطق: خِفتُ الضَّيْمَ فبقيتُ، فخسرتُ نفسي وبقيتِ الدار. حتى أدركتُ أنَّ هذا البيتَ ليس شعراً يُحفظ، بل هو طوقُ نجاةٍ يُعاش، وحكمةُ مُجرِّبٍ عرفَ أنَّ التمسكَ بالحجرِ قد يكونُ خنجراً في الصدر، وأنَّ البقاءَ في القيدِ ليس صبراً، بل انتحارٌ بطيءٌ للروح.
وإني اليومَ لا أكتبُ تنظيراً، بل أكتبُ خلاصةَ ما رأيتُ، فأقولُ لكلِّ قلبٍ مُثقلٍ يقرؤني: فُزْ بنفسك.
فقد رأيتُ امرأةً تسكنُ بيتاً من رخامٍ، وتأكلُ في صحافٍ من ذهبٍ، ولكنها تنامُ كلَّ ليلةٍ ودمعُها على وسادتِها، تعيشُ مع رجلٍ لا تُحبه، يجرحُها بكلمات كالسَّوْطِ، ويُهينُها بنظرات كالطَّعنِات، وهي تصبرُ وتقولُ: من أجلِ البيتِ، من أجلِ الأولادِ، من أجلِ الناسِ. فقلتُ لها إنَّ البيتَ الذي يُبنى على انكسارِكِ ليس بيتاً، بل سجنٌ مُزخرفٌ، الأولادَ سيكبرونَ ويمضون، والناسَ سينظرونَ وينسون، وستبقينَ وحدكِ مع نفسٍ قتلتِيها بيديكِ، فبيتٌ صغيرٌ يُكرمُكِ خيرٌ من قصرٍ يُهينُكِ، ولقمةٌ بكرامةٍ خيرٌ من مائدةٍ بذلٍّ ومهانةٍ.
ورأيتُ على الضفةِ الأخرى رجلاً، مهيباً في أعينِ الناسِ، ضعيفاً أمامَ امرأةٍ متسلطةٍ لا يُحبها، يعلو صوتُها على قرارِه، وتُقللُ من قدرِه أمامَ أهلِه وولدِه، ويتجرعُ الإهانةَ كلَّ يومٍ ويقولُ: من أجلِ مظهري الاجتماعي، من أجلِ ألا يُقالَ فشلَ في بيتِه. فقلتُ له: إنَّ المظهرَ الذي يحفظُ بذُلُّكَ ليس مظهراً، بل قيدٌ من ذهبٍ، وإنَّ الرجولةَ ليست في احتمالِ الإهانةِ، بل في صونِ الكرامةِ، فامرأةٌ تُحبُّكَ وتُعليكَ خيرٌ من امرأةٍ تملكُكَ وتُذلُّكَ، وسُمعةٌ بعزةٍ خيرٌ من سُمعةٍ بمهانةٍ ومذلةٍ، فما قيمةُ الناسِ إذا خسرتَ نفسَكَ؟
ورأيتُ موظفاً يذهبُ كلَّ صباحٍ إلى مكانٍ يُطفئُ نورَه، ويُصغِّرُ قدرَه، مديرٌ يصرخُ، وزميلٌ يطعنُ، وعملٌ لا يُقدَّر، يعودُ آخرَ النهارِ مكسورَ الخاطرِ، مُنهكَ الروحِ، ويقولُ: هذا رزقي، فأين أذهب؟ فقلتُ له: إنَّ الرزقَ رزقُ اللهِ، والأرضَ أرضُ اللهِ، والكرامةَ وديعةُ اللهِ فيكَ، فلا تتركْها تُداس، فإنَّ الأعمالَ كثيرةٌ، والأبوابَ واسعةٌ، والنفسَ واحدةٌ لا تعوضُ.
ورأيتُ صديقاً يتمسكُ بصداقةٍ تأخذُ ولا تُعطي، تغيبُ وقتَ الحاجةِ، وتحضرُ وقتَ المصلحةِ، تجرحُه بمزاحِها، وتُهينُه بعتابها، ويقولُ: عِشرةُ عمرٍ. فقلتُ له: أيُّ عِشرةٍ تلك التي تُبكيكَ ولا تبكي عليك؟ فالصحبةُ تُستبدلُ، والقلبُ إذا انكسرَ من صديقٍ، لا يجبرُ.
ورأيتُ إنساناً يعيشُ في بلدةٍ لا تُشبهُه، بينَ قومٍ يرونَ طموحَه جنوناً، وأدبَه ضعفاً، وصدقَه عيباً، فصارَ يُخفي نورَه كي لا يراه أحدٌ، ويُصغِّرُ حلمَه كي لا يسخرَ منه أحدٌ، فقلتُ له: إنَّ الأرضَ التي تُطفئُ مصباحَكَ ليست أرضَكَ، والدارَ التي تضيقُ بصوتِكَ ليست دارَكَ، فاتركْها تنعى من بناها، وابحثْ عن أرضٍ تُشبهُ روحَكَ، وتُكبِّرُ حلمَكَ، وتُحبُّ صدقَكَ.
وهكذا فهمتُ حكمةَ الشاعرِ حين قال: فإنك واجدٌ أرضاً بأرضٍ، نعم واللهِ ستجدُ، ستجدُ أرضاً غيرَ أرضِك، وداراً خيراً من دارِك، وصحبةً أحنَّ من صحبتِك، ورزقاً أوسعَ من رزقِك، وزوجاً أكرمَ من زوجِك، فكلُّ شيءٍ في هذه الدنيا له عِوضٌ، المالُ يُعوضُ، والبيتُ يُبنى، والعملُ يُستبدلُ، والحبُّ يُنسى ويُستبدلُ، كلُّ شيءٍ له ثانٍ، وله شبيهٌ، وله بديلٌ، إلا شيئاً واحداً لا ثانيَ له ولا شبيهَ ولا بديلَ: ونفسُك لن تجد نفساً سواها، لن تجدَ نفساً أخرى إذا بعتَ هذه بثمنٍ بخسٍ، ولن تجدَ قلباً آخرَ إذا كسرتَ هذا من أجلِ جدارٍ أو منصبٍ.
فيا من خِفتَ الضَّيْمَ، القرارُ قرارُك، إما أن تعيشَ عزيزاً ولو بلا دارٍ، وإما أن تموتَ ذليلاً في دارٍ عامرةٍ، وإما فوزٌ بالنفسِ ولو خسرتَ الدنيا، وإما خسارةٌ للنفسِ ولو ربحتَ الدنيا، فصُنْ نفسَكَ تَصُنْكَ، وأكرِمْها تُكرِمْكَ، وارفَعْها ترفَعْكَ، فمن هانتْ عليه نفسُه هانَ على الناسِ كلِّهم، ومن عزَّتْ عليه نفسُه عزَّ على الدنيا كلِّها، ففُزْ بها… فواللهِ ما الفوزُ إلا بها، وما الحياةُ إلا هي.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
