د. عادل عامر: القانون والأخلاق معًا يبنيان الوطن

التشريع العادل أساس الاقتصاد القوي.. والفساد الناعم أخطر من السرقة.. والفراغ الفكري أخطر من الفقر في صناعة الإرهاب

في عالم تتشابك فيه السياسة بالاقتصاد، والقانون بالتنمية، والأمن بالتكنولوجيا، لم يعد بناء الدولة مسؤولية مؤسسة واحدة أو قطاع بعينه، وإنما أصبح مشروعًا متكاملًا يقوم على سيادة القانون، وعدالة التشريع، وقوة الاقتصاد، وترسيخ الأخلاق، وحماية المجتمع من أشكال الفساد والتطرف والإرهاب.

ومن هذا المنطلق يأتي الحوار مع الدكتور عادل عامر، الحاصل على الدكتوراه في القانون العام من جامعة الإسكندرية، والدكتوراه في الاقتصاد الدولي من جامعة بنها، والمحكم الدولي المعتمد بمركز جنيف للتحكيم، والرئيس السابق لمركز المصريين للدراسات والبحوث، ونائب رئيس اتحاد الأكاديميين العرب، إلى جانب مشاركاته في عدد من الأنشطة والمجالس واللجان ذات الصلة بالقانون وحقوق الإنسان ومكافحة الفساد.

ويقدم الدكتور عادل عامر في هذا الحوار رؤية تجمع بين الخبرة القانونية والاقتصادية والبحثية، مؤكدًا أن إصلاح الدولة لا يبدأ من النصوص وحدها، وإنما من القدرة على تحويل القانون إلى ممارسة، وربط السلطة بالمسؤولية، والمنصب بالتكليف، والحقوق بالواجبات.

التشريع العادل هو البنية التحتية للاقتصاد

يرى الدكتور عادل عامر أن العلاقة بين القانون والاقتصاد ليست علاقة منفصلة أو هامشية، بل إن التشريع العادل يمثل البنية التحتية لأي اقتصاد قوي ومستدام.

ويؤكد أن الاقتصاد لا يمكن أن يحقق الاستقرار في ظل قوانين متضاربة أو إجراءات بيروقراطية معقدة أو حماية غير كافية للملكية والاستثمار. فالقانون الواضح والمستقر يوفر الثقة، ويحمي الحقوق، ويضمن المنافسة، ويخفض تكلفة المعاملات، ويخلق بيئة أكثر قدرة على جذب الاستثمار.

وفي المقابل، فإن الاقتصاد القوي يوفر الموارد اللازمة لتطوير المؤسسات وتحديث التشريعات ورفع كفاءة أجهزة الدولة.

ومن هنا، فإن العلاقة بين التشريع والاقتصاد علاقة تبادلية؛ فالقانون العادل يساعد على جذب الاستثمار، والاستثمار الناجح يوفر موارد تساعد الدولة على تطوير مؤسساتها.

ويختصر الدكتور عادل هذه الرؤية في أن الخروج من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية يحتاج إلى إصلاح تشريعي جاد يضع المواطن والمستثمر في قلب المعادلة، لا على هامشها.

التحكيم الدولي.. الوقاية تبدأ قبل توقيع العقد

وبحكم خبرته في مجال التحكيم الدولي، يشير الدكتور عادل إلى أن من أكثر الأخطاء التي يمكن أن تكلف الدول مبالغ ضخمة في منازعات التحكيم الدولي عدم إجراء الدراسات القانونية والاقتصادية والفنية الكافية قبل إبرام العقود الكبرى.

ويخص بالذكر عقود الاستثمار والطاقة والبنية التحتية، حيث قد يتم التفاوض أحيانًا تحت ضغط الوقت أو الظروف السياسية، من دون مراجعة دقيقة لبنود التحكيم والقانون الواجب التطبيق وتوزيع المخاطر والالتزامات.

ويرى أن كثيرًا من المنازعات التي تصل إلى التحكيم الدولي كان يمكن الحد منها أو تجنبها من البداية من خلال الصياغة القانونية الدقيقة، ودراسة المخاطر، والاستعانة بالخبرات المتخصصة قبل التوقيع، وليس بعد نشوء النزاع.

كما يؤكد أن التحكيم ليس وسيلة للتحايل على القانون، وإنما آلية قانونية يفترض أن تحقق العدالة والإنصاف وتحسم النزاعات وفق القواعد المتفق عليها.

القانون بلا أخلاق أعرج

وعندما ينتقل الحديث من النصوص القانونية إلى الضمير المهني، يؤكد الدكتور عادل أن القانون وحده لا يكفي لبناء دولة مستقرة.

فالقانون ضروري لحماية الحقوق وتنظيم العلاقات، لكنه يحتاج إلى أخلاق تحكم استخدام السلطة وتمنع إساءة استعمالها. وفي المقابل، فإن الأخلاق وحدها لا تكفي إذا غاب القانون الذي يحمي الضعيف ويحاسب المعتدي.

ومن هنا تأتي معادلة البناء الوطني في نظره: قانون عادل وأخلاق راسخة.

ويؤكد أن النص القانوني مهما بلغت دقته لا يستطيع وحده صناعة مجتمع عادل إذا غابت ثقافة احترام القانون والضمير المهني والمسؤولية العامة.

الفساد الناعم.. خطر لا يظهر في الدفاتر

ومن أخطر أشكال الفساد التي يتوقف عندها الدكتور عادل ما يسميه “الفساد الناعم”، وهو ذلك النوع الذي قد لا يظهر في صورة رشوة أو اختلاس مباشر، لكنه يتجسد في المحسوبية وتبادل المصالح وتقديم العلاقات الشخصية على الكفاءة والاستحقاق.

ويرى أن خطورة هذا النوع من الفساد تكمن في قدرته على التحول إلى ثقافة اجتماعية، بحيث يصبح تجاوز قواعد الاستحقاق أمرًا عاديًا، ويبدأ المواطن في فقدان ثقته في عدالة الفرص.

وعندما تتحول المحسوبية إلى ممارسة مستقرة، فإن الضرر لا يقتصر على شخص حصل على فرصة لا يستحقها، وإنما يمتد إلى المؤسسة والمجتمع والدولة، لأن الكفاءة تتراجع والثقة العامة تتآكل.

العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص

ويعتبر الدكتور عادل أن العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص من أهم القضايا التي تحتاج إلى معالجة مستمرة في المجتمعات العربية.

فكلما اتسعت الفجوة بين الفئات الاجتماعية، وارتبطت الفرص بالقدرة المالية أو العلاقات بدلًا من الكفاءة والاستحقاق، زادت مشاعر الإحباط وفقدان الثقة.

ومن وجهة نظره، فإن تحقيق العدالة الاجتماعية لا يعني إلغاء الفوارق بين الناس، وإنما يعني ضمان أن تكون الفرص الأساسية متاحة وفق قواعد عادلة، وأن يكون القانون قادرًا على حماية الحقوق ومنع التمييز غير المشروع.

الرقمنة تحتاج إلى قانون يحمي الإنسان

وفي ملف التحول الرقمي، يحذر الدكتور عادل من أن التكنولوجيا يمكن أن تتحول إلى وسيلة للإضرار بالإنسان إذا سبقت التشريعات المنظمة لها.

فالرقمنة، بحسب رؤيته، سلاح ذو حدين؛ فهي تفتح أبوابًا واسعة للتنمية وتسهيل الخدمات، لكنها في الوقت نفسه تفرض تحديات تتعلق بالبيانات الشخصية والخصوصية والابتزاز الإلكتروني وانتهاك الحقوق.

ومن ثم، فإن التحول الرقمي يحتاج إلى تشريعات عصرية، وآليات رقابية فعالة، وإجراءات سريعة للإنصاف، إلى جانب رفع مستوى الوعي الرقمي لدى المواطنين.

المناصب زائلة.. والمسؤولية باقية

وفي رسالة مباشرة إلى كل من يتولى منصبًا عامًا، يؤكد الدكتور عادل أن المناصب بطبيعتها مؤقتة، وأن الكرسي الذي يجلس عليه شخص اليوم يمكن أن يجلس عليه شخص آخر غدًا.

ولهذا فإن قيمة المسؤول لا ينبغي أن تقاس بطول بقائه في المنصب، وإنما بما يتركه من أثر في المؤسسة والمجتمع.

ويختصر هذه الفكرة في عبارة: “الكرسي لو دام لغيرك ما وصل إليك”، مؤكدًا أن المسؤولية الحقيقية تبدأ عندما يدرك صاحب المنصب أن السلطة تكليف وليست امتيازًا شخصيًا.

الإرهاب.. السلاح يقتل الأجساد والفكرة تستهدف العقول

وفي مواجهة الإرهاب والتطرف، يفرق الدكتور عادل بين الإرهاب باعتباره ممارسة عنيفة، وبين البيئة الفكرية التي يمكن أن تنتج التطرف وتعيد إنتاجه.

فالإرهابي الذي يحمل السلاح يستهدف الإنسان بصورة مباشرة، بينما الفكرة المتطرفة يمكن أن تستهدف العقول وتنتقل من شخص إلى آخر عبر الخطاب أو المنصات الرقمية أو بعض البيئات التي تفتقر إلى المناعة الفكرية.

ولهذا فإن مواجهة الإرهاب لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، وإنما تحتاج كذلك إلى مواجهة فكرية وتربوية وإعلامية وثقافية طويلة الأمد.

الفراغ الفكري أخطر من الفقر

وفي سؤال حول العلاقة بين الفقر والإرهاب، يرى الدكتور عادل أن الفراغ الفكري يمثل خطرًا بالغًا، لأن الإنسان الذي لا يجد إجابات صحيحة عن أسئلته قد يصبح أكثر قابلية لتلقي روايات متطرفة تقدم له تفسيرًا مبسطًا للعالم.

ويؤكد في الوقت نفسه أن معالجة الإرهاب لا يمكن اختزالها في عامل واحد، فهناك عوامل اجتماعية واقتصادية وفكرية ونفسية وسياسية متداخلة، ويظل بناء الوعي والتعليم وتنمية التفكير النقدي من أهم أدوات الوقاية.

الدين.. من خطاب الوعظ إلى بناء الإنسان

ويرى الدكتور عادل أن الخطاب الديني يحتاج إلى أن يكون قادرًا على التعامل مع أسئلة الشباب المعاصر، وأن يربط القيم الدينية بالعمل والإنتاج والانضباط والمواطنة وخدمة المجتمع.

فالدين، وفق هذه الرؤية، لا ينبغي أن يظل مجرد خطاب للمناسبات، وإنما يمكن أن يكون عنصرًا في بناء الإنسان وتحفيزه على العلم والعمل والإبداع وخدمة وطنه.

ويعتبر أن تعزيز الوعي الديني المستنير، إلى جانب التعليم والثقافة والأسرة والإعلام، يمثل أحد المسارات المهمة للوقاية من التطرف.

لماذا لا يصل صوت الأكاديمي إلى دوائر صنع القرار؟

وعن العلاقة بين الأكاديميا وصنع القرار، يرى الدكتور عادل أن المسؤولية مشتركة.

فبعض الأكاديميين، حسب رؤيته، ابتعدوا عن قضايا المجتمع وانشغلوا بالجانب النظري، بينما قد تميل بعض دوائر صنع القرار إلى الاعتماد على دوائر ضيقة من المستشارين بدلًا من الاستفادة الواسعة من الخبرات العلمية المستقلة.

والحل، من وجهة نظره، يتمثل في إقامة جسور مؤسسية حقيقية بين الجامعات ومراكز البحوث ومؤسسات الدولة، بحيث تتحول المعرفة العلمية إلى عنصر أساسي في صناعة السياسات العامة.

المؤسسة أقوى من الشخص

ومن خلال خبراته في مصر وعدد من الدول العربية والأوروبية، يشير الدكتور عادل إلى أهمية استقلال المؤسسات الرقابية والقضائية، مؤكدًا أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقوة الأشخاص الذين يتولون المناصب، وإنما بقدرة المؤسسات على الاستمرار والعمل وفق قواعد واضحة.

ويعتبر أن بناء المؤسسات هو الضمان الحقيقي لاستقرار الدولة؛ فالأشخاص يتغيرون، أما المؤسسات القوية فتستمر.

الهجرة ليست حلًا سحريًا

وفي حديثه إلى الشباب العربي، يحذر الدكتور عادل من النظر إلى الهجرة باعتبارها حلًا سحريًا لكل المشكلات.

فالعمل في الخارج، بحسب رؤيته، يحتاج إلى علم ومهارة وانضباط وقدرة على المنافسة. ومن يطور نفسه ويكتسب المعرفة والخبرة يستطيع أن يستفيد من الفرص أينما كانت، بينما لا تضمن الهجرة وحدها تحقيق النجاح.

“الدكتور عادل”.. اللقب الأقرب إليه

وعلى الرغم من تعدد الألقاب والمواقع التي شغلها، يفضل الدكتور عادل أن يناديه الناس ببساطة بـ”الدكتور عادل”.

فالمنصب، في رأيه، يظل مؤقتًا، بينما يبقى الأثر الإنساني والعلمي.

وهنا تتجسد فلسفته في العمل العام: الألقاب تزول، أما السلوك والإنجاز فيبقيان.

“روح القوانين”.. القانون ليس نصوصًا جامدة

وعندما سُئل عن الكتاب الذي يمكن أن يضعه على مكتب كل طالب حقوق، اختار كتاب “روح القوانين” لمونتسكيو، باعتباره من الكتب التي تساعد طالب القانون على فهم العلاقة بين النصوص القانونية والمبادئ التي تقوم عليها الدولة، وخاصة الحرية وتوازن السلطات.

فالقانون، في هذه الرؤية، ليس مجرد مجموعة من المواد الجامدة، وإنما منظومة متكاملة تهدف إلى تنظيم المجتمع وحماية الحقوق وتحقيق التوازن بين السلطات.

مؤلفات تحمل هموم المجتمع والدولة

وأصدر الدكتور عادل عامر عددًا من المؤلفات التي تناولت قضايا قانونية واقتصادية واجتماعية وأمنية وإعلامية، من بينها:

1-    أثر الإعلام في استراتيجية الأمن القومي

2-    إسرائيل مجرمة حرب

3-    الابتزاز الإلكتروني وآثاره المتعددة

4-    الإرهاب وآثاره الاقتصادية

5-    الإشاعات ودورها في هدم المجتمع

6-    البلطجة في ظل القانون

7-    الحرب المدنية لعبة الأمريكان لهدم الأوطان

8-    الخسائر الاقتصادية والاجتماعية للطلاق

9-    المرأة عبء اجتماعي؟

10-                      المرأة وبناء الأوطان

11-                      المنافذ الإعلامية ودورها في إبراز الظاهرة الإرهابية والتطرف

12-                      إنسانية القلوب

13-                      دور الأسرة في تحقيق الأمن المجتمعي

14-                      طوفان غزة

15-                       الاستراتيجية الإسرائيلية الأمريكية في الحرب على غزة

ويؤكد أن القاسم المشترك بين هذه المؤلفات يتمثل في الاهتمام بالأمن القومي والمجتمعي، ودراسة آليات الهدم التي قد تصيب المجتمع، سواء من خلال الإرهاب أو الشائعات أو الجرائم الإلكترونية أو التفكك الأسري أو الصراعات والحروب، مع محاولة تقديم رؤية قانونية واجتماعية للقضايا المطروحة.

لو كنت مستشارًا للرئيس لمدة ساعة

وعندما سُئل عما سيفعله لو أصبح مستشارًا للرئيس لمدة ساعة واحدة، جاءت إجابته مرتبطة بفكرته الأساسية حول إصلاح التشريع.

فهو يقترح تشكيل لجنة متخصصة ومستقلة لمراجعة وتبسيط المنظومة التشريعية، على أن تشارك الجهات الحكومية في تقديم مقترحات عملية لتقليل الأعباء الإجرائية عن المواطن والمستثمر.

والهدف، في رأيه، ليس مجرد زيادة عدد القوانين، وإنما الوصول إلى منظومة أكثر وضوحًا واتساقًا وقدرة على الاستجابة لمتطلبات المجتمع والاقتصاد.

القانون والأخلاق.. معادلة بناء الوطن

في نهاية الحوار، تعود كل الأفكار إلى نقطة مركزية واحدة: لا يمكن بناء دولة قوية بالقانون وحده، ولا بالأخلاق وحدها.

القانون يحمي الحقوق وينظم العلاقات ويضع قواعد للمساءلة، بينما تمنح الأخلاق لهذه القواعد روحها الإنسانية وتمنع تحويل السلطة أو المعرفة أو المال إلى أدوات للإضرار بالآخرين.

ولهذا يؤكد الدكتور عادل عامر أن القانون من دون أخلاق قد يتحول إلى نص جامد، والأخلاق من دون قانون قد تظل مجرد نوايا حسنة لا توفر الحماية الكافية للضعيف.

ومن هنا، فإن بناء الوطن يبدأ من الجمع بين سيادة القانون، وعدالة التشريع، وقوة الاقتصاد، ونزاهة المؤسسات، والوعي المجتمعي، والأخلاق العامة.

فالمناصب لا تدوم، والثروة لا تكفي، والقوانين وحدها لا تصنع مجتمعًا متماسكًا؛ وإنما يبقى الأثر الذي يتركه الإنسان في وطنه، والعدل الذي يحققه، والقيم التي يحافظ عليها.

وفي النهاية، تظل الرسالة الأهم: الوطن القوي ليس هو الذي يملك القوانين الأكثر، وإنما الذي يحترم القانون، ويطبق العدالة، ويحمي الكرامة، ويجعل الأخلاق جزءًا أصيلًا من ممارسة السلطة والمسؤولية.

شاهد أيضاً

دحروج: مصر مستعدة للجيل الجديد من التنمية البحرية وتواصل الاستثمار في مستقبلها

كتب عادل احمد أكد السفير الدكتور طارق دحروج، سفير مصر لدى فرنسا ومندوبها الدائم لدى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *