إن الأممَ لا تُبنى بالتمني ولا تُشادُ بالكلام، إنما تُبنى بعرقِ الجبينِ وكدِّ اليمين. فالإنسان هو الحكاية والراوى، وهو السطر والكتاب.
انظر إلى الصين، ما انتظرت معجزة، بل صنعت معجزتها، فكان سورا من عزم لا يهد، حولت الفقرَ طاقةً، والكثرةَ قوةً، والعدمَ إمبراطورية. وانظر إلى اليابان، خرجت من تحت الرماد، من قنبلتين وركام، انحنت للعمل حتى استقام لها المستحيل، بالانضباطِ حتى الموت، وبالإتقانِ حتى الذهول. وانظر إلى كوريا، كانت بالأمسِ حقلاً للحرب، فأصبحت اليومَ حقلاً للفكر، تصدّرُ للدنيا الحلم فى شاشة، والفكرة فى صناعة، والعدم وجودا. لم تهبط عليهم حضارتهم من السماء، ولم تستورد لهم فى صناديق، بل صنعوها بأيديهم، عرقا يسيل، وفكرا يضىء، وصبرا لا يميل.
وانظر إلى رواندا، وما أدراك ما رواندا..بالأمس القريب كانت نهرا من الدم، مليون قتيل فى مائة يوم، أرض أحرقتها الفتنة حتى صارت رمادا. واليوم تسمى سنغافورة أفريقيا، أنظف بلاد القارة وأسرعها نموا، غسلت عار الحرب بالعمل، وبدلت ثوب الدم بثوب المجد. فمن صنع المجد من تحت الرماد، فلا عذر لمن يزال فى الرقاد، ومن صنع المجد من جرحه، فلا حجة لمن نام على صرحه.
فما الذي ينقصنا ونحن أبناءُ مصر؟ ألسنا أحفادَ من علموا الدنيا البناء؟
مصر لا ينقصها المنجم ولا النيل ولا التاريخ، إنما ينقصها أن يدرك إبناؤها. أنهم ليسوا متفرجين فى مسرح الحياة، بل هم الأبطال، وأرضهم هى المسرح. نحن صناع مرحلة وجودنا، لا ضيوف عليها.
ولكن الحقيقةُ المرةُ التي نهربُ منها: أننا نعشقُ الحلمَ ونكرهُ اليقظة، نُجيدُ الشكوى ونجهلُ السعي، ننتظرُ المخلّصَ والمخلّصُ في مرآتنا لو نظرنا.
هل سنظل نحلم ونحن جلوس؟ نمد أيدينا إلى السماء وقلوبنا معلقة بالأمانى، وأقدامنا لا تخطو؟ إن الحلم الجالس عاقر لا يلد، والأمنية بلا عمل جنازة بلا مشيعين.
نحن جالسون على كنزٍ نشكو الفقر، جالسون على نيلٍ نشكو العطش، جالسون على تاريخٍ يهزُّ الدنيا ونشكو التهميش. وما همّشنا أحد، بل همّشنا أنفسنا حين تركنا الميدانَ للكسالى.
اسمعوها مدوية: المجتمعُ لا يطعمُ العاطل، والسوقُ لا يرحمُ الجاهل، والدنيا لا تحترمُ إلا القويَّ المتقن.
إن المجتمع لا يسأل عن شهادتك المعلقة على الحائط، بل يسأل عن مهارة فى يدك، وفكرة فى رأسك، وحاجة تقضيها له، إن العالم سوق كبير، لا يرحب بالمتفرجين، وإنما يفتح ذراعيه للصانعين.
فلا تسأل: أين وظيفتي؟ بل اسأل: ماذا أتقنُ حتى أجدَ وظيفتي؟
فاصنع نفسك، تجد مكانك. تعلم حرفة، أتقن لغة، احترف فكرا، أزرع قيمة. إن فعلتها، صرت مطلوبا لا طالبا، مرغوبا لا متسولا، رقما صعبا فى معادلة الحياة لا صفرا على الهامش.
إنك إن أعددتَ نفسك، وجدتَ لك مكاناً، وإن لم تعدها، فلا تلومن إلا نفسك. إن السماءَ لا تمطرُ ذهباً ولا فضةً، وإن الله لا يغيرُ ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم.
إن الأمم التى سبقتنا لم تكن أذكى منا، ولكنها كانت أجرأ منا فى البدء، وأصبر منا فى الطريق، وأخلص منا فى العمل.
فمتى نبدأ؟ و كيف نبدأ؟ و وما هى خارطةُ البدءِ لمن أرادَ المسير:
نبدأ حين نكف عن لعن الظلام ونشعل شمعة، وحين نكف عن شكوى القلة ونصنع الكثرة، وحين ندرك أن الوطن ليس قصيدة بكاء على الأطلال، بل هو ورشة عمل لا تنام.
خارطة الحياة واضحة لمن أراد أن يبصر:
أولاً: ثورةُ النفس: أن تقتلَ في داخلك كلمةَ “غداً” و”سوف” و”الظروف”. فالظروفُ شماعةُ العاجز، وغداً مقبرةُ الأحلام.
ثانياً: سلاحُ المهارة: تعلّم ما يحتاجه السوق، لا ما تحبه فقط. تعلم لغةً جديدة، برنامجاً جديداً، حرفةً تتقنها حتى تصبحَ أنت المرجعَ فيها. كن خبيراً في شيءٍ واحدٍ على الأقل.
ثالثاً: قدسيةُ العمل: اعمل ولو بلا مقابلٍ في البداية، اعمل لتتعلم، لتُرى، لتُعرف. إن قيمةَ المرءِ بقدرِ ما يحسنُ، لا بقدرِ ما يحلم.
رابعاً: فكر بعقليةُ الصانعِ لا المستهلك: لا تقل ماذا قدمت لي مصر، بل قل ماذا صنعتُ أنا لمصر. من يفكرُ بعقليةِ الصانعِ يملك، ومن يفكرُ بعقليةِ المتسولِ يظلُّ يمدُّ يده.
يا ابنَ مصر، قم. فواللهِ ما تأخرنا لأن الطريقَ طويل، بل تأخرنا لأننا لم نبدأ الخطوةَ الأولى. والخطوةُ الأولى تبدأُ الآن، من هنا، منك أنت.
فمتى نبدأ؟ نبدأُ الآن.
” برأيك.. هل نحن نحتاج لمعجزة رواندا لنستيقظ، أم أن لدينا ما يكفى لنصنع معجزتنا؟
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
