نقلت السعودية، عبر سلطنة عُمان، مقترحاً جديداً إلى الحوثيين يتضمن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين وفتح مفاوضات مباشرة بين الرياض وقيادة الحوثيين؛ وبحسب صحيفة “الأخبار” اللبنانية، يهدف المقترح إلى استغلال الهدنة لمناقشة المطالب الإنسانية للحوثيين، ثم محاولة التوصل إلى اتفاق شامل بنهاية فترة الهدنة؛ وقالت مصادر إن السعودية أجرت خلال الأيام الماضية اتصالات مع الولايات المتحدة ومصر وباكستان وسلطنة عُمان، وطلبت من مسقط نقل المقترح إلى صنعاء؛ يأتي ذلك وسط تصعيد عسكري حاد في اليمن، حيث سيطر الحوثيون خلال الأسابيع الأخيرة على مناطق استراتيجية على ساحل البحر الأحمر، بالتزامن مع هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على أهداف داخل السعودية؛ واتهمت الرياض الحوثيين باستهداف منشآت مدنية واقتصادية في أبها وخميس مشيط وجازان ونجران.
مفاوضات السعودية والحوثيين عبر عُمان
وقالت إن إحدى الهجمات أسفرت عن إصابة 73 مدنياً، بينهم نساء وأطفال؛ وبالتزامن مع التحرك السعودي، جرت محادثات سرية بين مسؤولين أمريكيين وقيادات حوثية في عُمان، وفق تقرير لرويترز؛ وأبلغ الحوثيون الجانب الأمريكي، بحسب التقرير، أنهم سيواصلون الالتزام بوقف إطلاق النار الذي توصلوا إليه مع واشنطن عام 2025، ولا ينوون مهاجمة السفن الأمريكية؛ ويعكس التحرك السعودي محاولة للانتقال من المسار العسكري إلى المسار الدبلوماسي، في ظل ارتفاع كلفة القتال وتهديد التصعيد لحركة التجارة والطاقة في البحر الأحمر والمنطقة؛ ووفق “الأخبار” اللبنانية، لم يقدم الحوثيون رداً نهائياً على المقترح حتى الآن، ولا يزالون يطالبون بتسوية شاملة تشمل إنهاء الحرب ورفع الحصار ومعالجة المطالب الإنسانية؛ وفي المقابل، لم تؤكد السعودية رسمياً تفاصيل المقترح الذي نشرته الصحيفة اللبنانية.
ونأتي إلى تصريحات الرئيس الأمريكي دونال ترامب لوكالة أكسيوس: “نقترب من منعطف حاسم في المواجهة مع إيران يتعلق باستئناف هجمات واسعة النطاق لإنهاء الصراع؛ أواجه قرارا كبيرا قريبا بشأن ما إذا كنت أريد الدخول والقضاء على النظام الإيراني وكل الاحتمالات واردة معي؛ أريد استغلال اجتماع الأمم المتحدة للاستماع مباشرة للحلفاء الإقليميين بشأن الخطوات التالية في الحرب؛ أريد معرفة موقف الحلفاء الإقليميين وقد كنا حريصين على حمايتهم؛ الإيرانيون على تواصل مباشر معنا وما زالوا يرغبون في التوصل لاتفاق؛ راض للغاية عن نجاح الحصار البحري في منع إيران من تصدير نفطها ولم تصل أي سفينة إلى إيران منذ بدأناه”؛ ويصر دونالد ترامب على أن القتال سينتهي بعد فترة وجيزة من انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر؛ أما وزير دفاعه بيت هيغسيث فيؤكد أن الجيش الأمريكي يمتلك كل ما يحتاج إليه من معدات وذخائر ووقت لإجبار الإيرانيين على استسلام مهين؛ ووفق هذه الرواية، فإن النصر بات قاب قوسين أو أدنى.
تصريحات ترامب وخطط إيران
لكن الواقع لا ينسجم مع هذه الصورة الوردية التي تنظر من خلالها إدارة ترامب إلى الحرب؛ فالحرب، في الحقيقة، لا تسير وفقا للخطة، ولم تسر كذلك منذ الأسبوع الأول للعمليات القتالية؛ فلو كانت تسير كما خُطط لها، لكانت إيران قد وقعت اتفاقا بالفعل، ولكان مضيق هرمز مفتوحا أمام حركة ناقلات النفط بلا قيود، ولكان خط أنابيب الشرق–الغرب السعودي الرئيسي لا يزال يعمل؛ وحتى محاولة البنتاغون تقديم أقل قدر ممكن من المعلومات للرأي العام لا تستطيع حجب ما بات ظاهرا للعيان؛ ومع ذلك، بدأت أبعاد الأضرار التي خلفتها الحرب تتضح أكثر فأكثر؛ فقد أفاد مكتب الميزانية في الكونغرس، وهو هيئة غير حزبية، هذا الأسبوع بأن الحرب كلفت دافعي الضرائب الأمريكيين حتى الآن 38 مليار دولار، وأن تكلفتها قد تصل لاحقا إلى ثلاثة مليارات دولار شهريا، تبعا لنطاق العمليات القتالية؛ أما الكلفة العسكرية فأفدح؛ إذ قدّر المفتش العام للبنتاغون هذا الأسبوع أن مئات المباني والمنشآت داخل القواعد الأمريكية في أنحاء المنطقة تعرضت للتدمير أو الضرر؛ وهذا الرقم أعلى من التقديرات السابقة، لكنه يتسق مع صور الأقمار الصناعية التي تظهر كميات كبيرة من الأنقاض في مواقع من بينها قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية ومقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين.
لكن الأهم من مشاهد الدمار وحجمه المادي هو ما كشفته الحرب عن طبيعة الانتشار العسكري الأمريكي التقليدي في الشرق الأوسط، ولا سيما في منطقة الخليج؛ وباختصار، فإن ثلاثين عاما من السياسة العسكرية الأمريكية، والافتراضات التي قامت عليها، تعرضت خلال أقل من سبعة أشهر لاختبار قاسٍ قلب الكثير منها رأسا على عقب؛ منذ انتهاء حرب الخليج عام 1991، تمحورت الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة حول مفهوم “الدفاع المتقدم”؛ وكان المنطق بسيطا وهو إقامة شبكة من القواعد العسكرية الكبيرة والمنشآت اللوجستية في أنحاء الخليج من شأنها تعزيز الردع في مواجهة خصوم مثل إيران وعراق صدام حسين؛ وكان يفترض أن يؤدي ذلك، في الوضع المثالي، إلى منع أي هجوم على دول الخليج، وإذا وقع هجوم بالفعل، ترد الولايات المتحدة بسرعة لمنع مزيد من التصعيد؛ وقد أيدت الملكيات الخليجية هذا التصور بقوة، إذ نظرت إلى الوجود العسكري الأمريكي الكبير باعتباره أفضل ضمانة في مواجهة أي هجوم محتمل على أراضيها؛ وانطلاقا من هذا التصور، وقعت قطر والبحرين والإمارات اتفاقيات دفاعية مع واشنطن في السنوات التي أعقبت إخراج القوات العراقية من الكويت، على أساس أن الدول الساعية إلى تغيير الوضع الإقليمي بالقوة ستفكر مرتين قبل الإقدام على عدوان جديد.
القواعد الأمريكية ومبدأ “كارتر”
لكن الحرب المستمرة منذ نحو سبعة أشهر مع إيران مزقت هذه الافتراضات؛ ففي زمن السلم، كان يُعتقد أن الانتشار العسكري الأمريكي المتقدم يردع الهجمات؛ ولكن بمجرد وقوع تلك الهجمات، تحولت القواعد الأمريكية إلى نقاط ضعف وأهداف مثالية لإيران، التي أنفقت عقودا ومليارات الدولارات على بناء أكبر ترسانة صاروخية في الشرق الأوسط؛ والمنشآت نفسها التي اعتقد صناع السياسة الأمريكيون أنها ضرورية للحفاظ على ميزان قوى يخدم مصالح واشنطن في المنطقة أصبحت الآن مصدرا للاضطراب، إذ يستهدفها الحرس الثوري الإيراني، ويجبر الولايات المتحدة على استهلاك صواريخ اعتراض دقيقة وحيوية للدفاع الجوي قد يستغرق تعويضها سنوات؛ حتى القواعد الأمريكية في الأردن لم تعد بمنأى عن الهجمات الإيرانية؛ وسيُكتب الكثير مستقبلا عن الحكمة من خوض حرب في الخليج لم تكن تريدها، وفي رأينا، أي دولة في المنطقة باستثناء إسرائيل؛ وستستمر لسنوات النقاشات، داخل واشنطن وخارجها، بشأن ما إذا كان من المسؤول ماليا أو الحكيم استراتيجيا أن ينفق البنتاغون مليارات الدولارات لإعادة بناء وجوده العسكري بالصورة نفسها التي كان عليها قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026؛ وفي الرياض وأبوظبي والدوحة، لا شك أن القادة العرب يجرون نقاشاتهم الحاسمة الخاصة بهم، بما في ذلك سؤال جوهري وهو، هل كان الاعتماد بهذا الحجم على قوة واحدة، هي الولايات المتحدة، لضمان أمنهم خطأ استراتيجيا؟ وبتوقيع اتفاق دفاعي مع باكستان وتركيا الشهر الماضي، بدأت السعودية، المعروفة عادة بتحفظها، السير بالفعل في هذا الاتجاه؛ الأمر لا يتعلق بقطع العلاقات مع الأمريكيين، وإنما بالبحث عن وثائق تأمين إضافية في مواجهة التهديدات الأمنية الحالية وما قد يظهر منها مستقبلا.
أما بالنسبة إلى ترامب ومن سيخلفه، فإن الحرب أثارت، أو كان ينبغي أن تثير، عملية إعادة تقييم طال انتظارها لأولويات الولايات المتحدة الاستراتيجية في الشرق الأوسط، ما المصالح الأمريكية المحدودة والحقيقية في المنطقة؟ وما أفضل السبل لتحقيقها؟ إن شبكة المطارات العسكرية والموانئ والثكنات الأمريكية الممتدة من قطر إلى إسرائيل، إن لم تكن أهدافا سهلة تماما أمام استراتيجية إيران في الحرب غير المتكافئة، فهي في الحد الأدنى نقاط ضعف يتعين على البنتاغون حمايتها باستمرار ما دامت الولايات المتحدة مصرة على الاحتفاظ بهذا الانتشار العسكري الضخم؛ ففي العام 1979، أعلن الرئيس الأمريكي جيمي كارتر ما عُرف لاحقا باسم “مبدأ كارتر”؛ وكان جوهره أن أي عدوان أجنبي يهدد إمدادات الطاقة في الخليج سيُعامل منذ ذلك الحين باعتباره تهديدا للأمن القومي للولايات المتحدة؛ وبعد ما يقرب من نصف قرن، نرى أن رئيسا أمريكيا آخر، دونالد ترامب، أنهى هذا المبدأ فعليا.
يتوجب على تركيا ردع إسرائيل
العدوان الإسرائيلي لن ينتهي في سوريا؛ وما لم تفرض تركيا تكاليف ملموسة، فقد تصل القوات الإسرائيلية في نهاية المطاف إلى حدودها؛ إن ضبط النفس الدبلوماسي وحده لا يستطيع أن يردع دولة تفسر الحذر على أنه ضعف؛ ويجب على تركيا إنشاء قوة ردع ذات مصداقية قبل أن تتقدم إسرائيل أكثر؛ ومن الواضح أن إسرائيل، في ظل قيادتها الدينية الصهيونية الحالية، أصبحت تشكل خطراً حقيقياً وفورياً على المنطقة برمتها، وليس فقط على بعض الدول دون غيرها؛ ولا تستثني أي دولة في المنطقة، ولا حتى تلك المرتبطة بإسرائيل بموجب اتفاقيات سلام طويلة الأمد أو علاقات دبلوماسية، مثل مصر والأردن وتركيا؛ لقد أدى النظام الإسرائيلي الجديد الذي شكلته الحركة الصهيونية الدينية منذ تشكيل الحكومة في العام 2022 إلى تغيير عقيدة الأمن الاستراتيجي لإسرائيل بالكامل وربطها بشكل فعال بالرؤية الدينية المتشددة لهذه الحركة؛ نتنياهو نفسه يشاركه هذه الرؤية؛ فهو لا يؤمن في أعماقه بالتعايش مع المنطقة المحيطة به، كما أوضح ذلك قبل أكثر من ثلاثين عاماً عندما نشر كتابه “مكان بين الأمم” لأول مرة.
كما قام بتمكين هذه الحركة من خلال تحالفه في العام 2022 مع ثنائي سموتريتش – بن جفير، قبل نحو عام من أحداث 7 أكتوبر؛ ثم استغل حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة ليعلن، لأول مرة، رؤيته الدينية الروحية، معلنًا صراحة التزامه الروحي والشخصي برؤية “إسرائيل الكبرى”؛ كل هذه الحقائق تشير إلى نتيجة واحدة أن إسرائيل ما بعد 2022 ليست إسرائيل التي عرفها العالم منذ أكثر من سبعين عاما؛ لقد أصبحت دولة جديدة، تحركها رؤية الحركة الدينية الصهيونية الحاكمة؛ وسرعان ما بدأت تلك الحركة في تحويل نفسها إلى دولة عميقة من خلال السيطرة على مختلف أذرع الحكومة، وخاصة المؤسسات الأمنية التي تسيطر الآن على قيادتها، الجيش والشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك)؛ والقضاء وحده هو الذي يبقى خارج نطاق سيطرته؛ إسرائيل الجديدة هذه هي كيان عدواني يرى في كل ما حوله تهديدا وجوديا.
وإلي لقاء أخر باذن الله.
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
