كان غريبا أن يتصدى بعض الإعلاميين بشراسة لقرار وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف الخاص بتعزيز الهوية الوطنية في المدارس الدولية، مع أنهم أولى الناس بالدفاع عن هذا القرار مهما كانت خلافاتهم مع الوزير، فالإعلاميون ـ والمثقفون عموما ـ من أكثر فئات المجتمع وعيا بقضايا الهوية وضروراتها، وكثيرا ما عبروا عن مخاوفهم من مخططات معلنة لإشعال (حرب هويات) تستهدف وحدتنا الوطنية.
وقد جاء قرار الوزير في أغسطس 2024 لتنظيم قواعد الدراسة والامتحانات والتقويم في المدارس الدولية والمدارس التي تمنح شهادات دولية من خارج مصر، بما يؤدي إلى ترسيخ الانتماء لدى طلاب هذه المدارس، تنفيذا للمادة 24 من الدستور التي تؤكد أهمية تعليم اللغة العربية والتاريخ والتربية الدينية، وتكريسا لسيادة الدولة على أراضيها، وربط الطلاب بهويتهم.
وكان تدريس هذه المواد في السابق شكليا في معظم المدارس الدولية، حيث كانت تقدم على أنها مواد نجاح ورسوب لكنها لا تضاف للمجموع مما قلل من أهميتها في نظر الطلاب، ولا شك أن ضمها للمجموع يرسل رسالة بأهمية اللغة العربية والتاريخ بعدما تبين ضعف معرفة بعض الخريجين بهما، ورسالة أخرى لحماية الهوية الوطنية من تيارات قد تتعارض معها، وإلغاء احتفالات ومناسبات غير مرتبطة بالثقافة المصرية.
ومن الطبيعي أن يستقبل قرار الوزير بالترحيب من المهتمين بالتعليم في بلادنا، باعتباره ضرورة وطنية للحفاظ على الهوية والانتماء وتطبيق الدستور دون مساس بالطابع الدولي للمواد العلمية، أما أصحاب المدارس وأولياء الأمور فكان أغلبهم في الجبهة المعارضة، حيث رأوا أن القرار يحمل عبئا إضافيا، خاصة على طلاب الثانوية الذين يدرسون بالفعل مواد كثيرة، ومن ثم سيؤثر على المجموع والتنافسية الجامعية، وأطلق هؤلاء حملات إليكترونية ورفعوا دعاوى قضائية، لكن المحكمة الإدارية العليا حسمت الأمر، وأصدرت في 14 مايو 2025 حكما نهائيا غير قابل للطعن بتأييد قرار الوزير، مؤكدة أن “تدريس مواد الهوية ضرورة دستورية تتعلق بلغة الوطن وتاريخه، وللدولة حق تنظيم التعليم داخل أراضيها للحفاظ على الهوية”.
وقد اعتبر هذا الحكم انتصارا للسيادة التعليمية، لكن هناك أصواتا لبعض الإعلاميين مازالت تصر على إثارة الشغب بشكل مريب، وتربط قرار الوزير بقضايا دينية وطائفية مرفوضة، فهناك من فهم الاهتمام بمناهج الدين على أنه مقصور على الإسلام دون المسيحية، وسأل الوزير ساخرا: وماذا ستفعل مع الطلاب المسيحيين؟ وهو سؤال غريب بحق، فقرار الوزير يعني الاهتمام بالمنهج الإسلامي والمنهج المسيحي على درجة واحدة، ومناهج اللغة العربية والتاريخ تدرس للجميع بلا تفرقة، والهوية التي يستهدفها القرار الوزاري هي الهوية المصرية العربية التي تجمع الشعب المصري بمسلميه ومسيحييه بلا حساسيات، فأين المشكلة إذن؟ ولماذا الإصرار على الزج بالقرار إلى مستنقع الفتنة الطائفية؟!
وهناك من استبد به الغضب فطالب بإجراء اختبار للوزير للتأكد من إجادته للغة العربية، وهذا نوع من الهزل في موضع الجد، فلو سلمنا معه أن الوزير لايجيد العربية، وهذا تقصير بلا شك، لكنه لا يطعن في صحة قرار الرجل، بالعكس هو شهادة له، وتصحيح لأوضاع خاطئة.
دعك من المهووسين من أي مظهر إسلامي، المنزعجين دائما من الحجاب والصلاة وتحية (السلام عليكم)، المنشغلين بتجفيف منابع الدين، فهؤلاء لن يجدي الحوار معهم نفعا، لأنهم مرتبطون ببرامج وأجندات أجنبية ممولة بسخاء، وإنما الحوار مع عقلاء يهتمون فعلا بمصلحة الطلاب ومستقبلهم، وما أظن هؤلاء يرضيهم أن يخرج أبناؤنا إلى الحياة العملية وهم يتقنون لغات أجنبية وعلوم طبيعية ولايتقنون لغة وطنهم، ولا يعلمون إلا القشور عن دينهم، فيصبحون فريسة سهلة لمن يتلاعب بعقولهم.
يجب ألا ننسى أن علماء مصر وعظماءها حفظوا القرآن الكريم في الكتاتيب، وأتقنوا اللغة العربية قبل أن يتفوقوا عالميا ويحملوا إلينا مشاعل النهضة الحديثة، ومصر ليست ضد التعليم الدولي، وإنما مع التعليم الذي يعزز الهوية والانتماء، ويربط الخريجين بوطنهم، فهم مصريون دما ولحما، ونحن نسعد بتفوقهم العلمي، ولكن ذلك لا يكون على حساب هويتهم وانتمائهم، ومن حسن الحظ أن لدينا مدارس دولية تعض على الهوية الوطنية بالنواجذ، وتجعل لها نصيبا موفورا في مناهجها حتى من قبل قرار الوزير، وكانت هذه المدارس وما زالت ضد (الكيميتية) و(الإيجيبتية) والفالنتاين والهالوين والكريسماس والجنس والمثلية وما إلى ذلك من بدع آخر الزمان.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
