د.سامح صابر يكتب.. ضوء خلف العتمة


كان يجلس على مقعده الخشبي المفضل في شرفته بحي عابدين . كان يمسك بين يديه بكوب الشاي ، ويستنشق هواء الخريف الدافئ .
​كان رجل مسرح حتى النخاع ، ولد ونشأ بين جدران المسارح العريقة ، وتخرج في معهد الفنون المسرحية ليكون واحداً من أبرز المخرجين والممثلين الشبان في جيله . كان يسحر الجمهور بلمحاته الإخراجية ، وبقدرته العجيبة على التقاط أدق التفاصيل البصرية ، ألوان الإضاءة ، حركة الستائر المخملية ، تعابير وجوه الممثلين في أبعد صفوف المسرح ، وحركة الظلال التي تصنع الفارق بين المشهد العادي والمشهد الخالد .
​لكن الحياة ، بقسوتها المعهودة ، قررت أن تضع هذا الفنان في اختبار لم يكتب مثله في أي نص درامي من قبل .
​بدأت القصة عندما كان يعاني منذ فترة من ضعف تدريجي في الرؤية وضبابية تشوش تفاصيل الوجوه والنصوص المسرحية التي يقرؤها تحت أضواء الكشافات . وبعد فحوصات معقدة ، أقر الأطباء ضرورة إجراء عملية زراعة قرنية لعينيه الاثنتين معاً في محاولة لإنقاذ ما تبقى من نظره . دخل المستشفى بأخر أمل في أن تستعيد شبكية عينه صفاءها ، وأن يعود إلى خشبة المسرح بأعين تراقب الحركة وتلتقط الألوان بشغف أكبر .
​غير أن المضاعفات الطبية جاءت قاسية وغير متوقعة ، التهابات شديدة ومضاعفات معقدة في الجراحة أدت إلى ضمور في الأنسجة ، ليفقد بصره تماماً في كلا العينين .
​استيقظ من العملية على ظلمة مطلقة . ظلمة لا تشبه الليل ، بل هي عتمة كاملة لا نهار بعدها .
​​لم تكن الصدمة هي الأثر الأول للفقدان ، بل كان العجز هو الذي نهك روحه . في الأشهر الأولى التي تلت العملية ، تحولت شقتة إلى سجن واسع بعد أن كان يجوب المسرح بخطوات واثقة ، يحرك عشرات الممثلين بأشارة يده ، أصبح يتخبط في ممر شقته الضيق .
​يتذكر ذلك اليوم الصيفي ، عندما حاول أن يستعد لمقابلة أحد أصدقائه القدامى في المنزل حاول أن يتجه بنفسه إلى المطبخ لإعداد القهوة كما اعتاد طيلة أربعين عاماً . امتدت يده بثقة نحو الرف العالي ، فسقط البراد الفخاري القديم الذي ورثه عن والدته . ارتطم الفخار بالأرض وتناثرت شظاياه ، ومعه تناثرت بقايا الكبرياء الذي كان يتمسك به .
​جلس على الأرض وسط الشظايا ، يلمس الحطام بأطراف أصابعه المرتجفة ، ولأول مرة منذ أن فقد بصره ، أطلق سراح دموعه . لم تكن الدموع على البراد ، بل كانت على شمس الكون التي لن يراها مجدداً ، وعلى نصوص “توفيق الحكيم” و”سعد الله ونوس” التي لن يقرأها بعينيه ، وعلى وجوه أصدقائه التي ستبقى صوراً مجمدة في ذاكرته القديمة .
​أصبحت تفاصيل الحياة اليومية عقبات . كيف يمشي في شوارع القاهرة المزدحمة؟ كيف يعبر الشارع دون أن يستند إلى ذراع شخص آخر ؟ كيف يقرأ تعابير الناس عندما يتحدثون؟ أصبح انقباض القلب زفيراً يومياً ، واستسلم لشهور طويلة من الانعزال والتأمل الصامت ، يرفض الخروج ، ويرفض التحدث في أي شأن يخص المسرح .
​​في أحد الأيام ، زاره صديق عمره ورفيق دربه الكاتب المسرحي . لم يأتي صديقه هذه المرة محملاً بعبارات المواساة التقليدية التي سئمها ، بل جاء يحمل بين يديه جهاز تسجيل صغير وكتاباً بالأحرف البارزة .
​جلس صديقه بجواره في الشرفة ، وقال له بنبرة حازمة ، “إلى متى ستظل هكذا ؟ المسرح ليس مجرد ضوء كشاف ، المسرح صوت وإحساس ونبض . أنت لم تفقد عقلك ، ولا شغفك ، ولا صوتك . أنت فقدت البصر ، لكن البصيرة لا تزال تنبض وتدق في صدك كالجرس”.
​رد بصوت جاف وهو ينظر بنظرة غائمة نحو اللاشيء ، “كيف أخرج للجمهور ؟ كيف أقف على خشبة كنت أزنها بعيني شبراً شبراً ؟ هل تريدني أن أتعثر في الكواليس أمام الناس؟ هل تريد من المخرج أن يصبح مشهداً مثيراً للشفقة؟”
​أعتدل صديقه في جلسته وقال بقوة ،
“إذن لا تخرج كمخرج يحرك غيره… اخرج أنت بنفسك . اخرج واروي قصتك ، اخرج واستخدم الفن الفردي الذي طالما درسته لطلابك… اخرج وقدم المونودراما”.
​وقعت كلمة “المونودراما” في أذنه كضربة السيمبال في سينفونية هادئة . المونودراما… ذلك الفن الصعب الذي يقف فيه ممثل واحد على الخشبة ليحاكي العالم بمفرده . الممثل هنا هو النص ، وهو الحركة ، وهو الصوت الذي يخاطب الجمهور .
​بعد رحيل الصديق ، بقى هو يقلب الكلمة في ذهنه . لم ينم في تلك الليلة . ولأول مرة منذ سنتين ، سحب جهازه اللوحي المخصص للمكفوفين ، وبدأ يستعين بالتسجيل الصوتي ليسجل أفكاره . بدأ ينسج نصاً درامياً يستمد جذوره من المعاناة ، لكنه يفيض بالحياة .
​​بدأت مرحلة التحدي الحقيقي . لم تكن المونودراما بالنسبة له مجرد إلقاء كلمات ، بل كانت إعادة إكتشاف لكيفية التعامل مع الفراغ والمكان .
​قرر أن يتدرب في مسرح صغير ومستقل بالقرب من وسط البلد . في اليوم الأول للتدريبات ، خاف أن يخطو خطواته الأولى على الخشبة . كان صمت المسرح يوحي له بظلام أعمق ، يحيط به مقاعد فارغة تتنفس الغبار .
​استعان بمهندس ديكور صديق له ، وصنعا معاً “خريطة ملموسة” للمسرح . استخدموا خطوطاً صغيرة بارزة على الأرضية الخشبية تنتهي بنقاط نتوءات صغيرة ، حتى يستطيع بقدميه معرفة موقعه بالضبط ، متى يكون في منتصف الخشبة، متى يقترب من الحافة ، ومتى يتجه نحو الخلف.
​بدأ يدرب حواسه بشكل مختلف تماماً ،
​أصبحت أذنه تدرك صدى الصوت وانعكاسه على جدران الصالة ، فيعرف من خلال خامة الصدى ما إذا كانت الصالة مليئة بالجمهور أم فارغة .
​أصبح يستشعر حرارة كشافات الأضاءة على بشرته ، فيعرف اتجاه الضوء ويصوب وجهه نحو البؤرة الضوئية بدقة متناهية . أصبحت كل خطوة عبارة عن قياس دقيق للمسافات ، ثلاث خطوات إلى الأمام تعني مواجهة الجمهور مباشرة ، خطوتان إلى اليمين تعني الاقتراب من كرسي الديكور الوحيد .
​خلال أيام التدريب الشاقة ، وقعت مواقف لا تُنسى . في إحدى المرات ، وأثناء تدربه على مشهد عاطفي يتطلب حركة سريعة ، أخطأ في عدد الخطوات واصطدم بحافة الكواليس الصلبة وسقط أرضاً . سال الدم من جبهته ، وهرع الجميع إليه يطلبون منه التوقف وإلغاء التجربة .
لكنه ​مسح الدم بيده ، وابتسم لأول مرة منذ زمن بعيد ، ثم قال بثبات ، “المسرح لم يرحمني عندما كنت أرى ، ولن أطلب منه أن يرحمني الآن وأنا كفيف . سأجعل هذا السقوط جزء من النص، وسأبني عليه الحركة القادمة”.
​لم يقتصر تحديه على خشبة المسرح ، بل تعداه إلى إعادة الانخراط في نبض الشارع . قرر أن يخرج يومياً للتجول في أحياء القاهرة بصحبة عصاه البيضاء ، ينصت إلى صخب الناس وضحكات الأطفال في الحدائق .
​أصبح يستمد طاقته من صوت الشوارع المتجددة
​صرير عجلات المترو وهو يدخل المحطة .
​رائحة الطعمية والمقاهي المنتشرة على الأرصفة .
​أصوات البائعين وهم ينادون على البضائع بنبرات موسيقية تلقائية .
​كان ينصت لهذه التفاصيل ويسجلها في قلبه ليستخدمها داخل عرضه المسرحي . اكتشف نور أن بصره لم يكن سوى أداة واحدة من أدوات عديدة يمتلكها الإنسان للتفاعل مع العالم ، وأن فقدانه للبصر جعل باقي حواسه تصبح أكثر عمقاً وقدرة اوسع على التعبير ، فصار يستشعر مشاعر من حوله من نبرة صوتهم أو طريقة تنفسهم أثناء الحديث .
​جاءت ليلة العرض الأول . وجاء الجمهور وخليط من الفضول والتعاطف يملأ قلوبهم ، الجميع يريد أن يرى كيف سيقف المخرج والممثل ، الذي فقد بصره في حادثة جراحية أليمة ، ليقدم عرضاً فردياً بمفرده على الخشبة .
​خلف الستار ، كان يقف مستنداً إلى يد صديقه . كان قلبه يخفق بشدة ، وعرقه يبلل جبينه.
قال له صديقه بشغف ، “الصالة ممتلئة حتى آخر مقعد . الناس هنا من أجلك”.
​أجاب نور بابتسامة هادئة ، “أنا لا أريدهم أن يأتوا من أجلي لأنني كفيف… أريدهم أن يخرجوا من هنا وقد نسوا أنني لا أرى ، وتذكروا فقط أنهم رأوا مسرحاً حقيقياً”.
​ارتفعت الستارة ، ​لم تكن هناك إضاءة مبهرجة في البداية . كان المسرح غارقاً في الظلام التام . حالة من الصمت التام من قبل الجمهور .
​وفجأة ، أُضيء كشاف ضوئي واحد دائري في منتصف الخشبة . مشى الممثل الأوحد من الكواليس بخطوات ثابته ، مستنداً إلى حواسه وإلى النتوءات الصغيرة على الأرض . وقف بالضبط في منتصف البؤرة الضوئية .
​بدأ العرض الذي أسماه ، “ضوء خلف العتمة”.
​بدأ نور يتحدث بصوت هادئ وعميق ، يسرد قصته من اللحظة التي استيقظ فيها من العملية وجد العالم غارقاً في العتمة ، وصولاً إلى رحلته في البحث عن الذات . لم يكن النص شكوى أو رثاء للذات ، بل كان نصاً فلسفياً ساخراً ، مليئاً بالدعامة والدراما العميقة .
​استخدم جسده ببراعة فائقة . كان يتنقل على الخشبة بسلاسة تجعل المتابع ينسى تماماً أنه لا يرى . كان ينظر بثبات نحو الجمهور ، كأنه يرى عيونهم واحداً واحداً . وعندما كان يتحدث عن شمس القاهرة ، كان يرفع وجهه نحو أعلى المسرح وكأنه يستشعر دفء الشفق بالفعل .
​في ذروة العرض ، قام نور بجرأة درامية لم يتوقعها أحد ، أشار بيده لمهندس الإضاءة ، فطفأ المسرح بالكامل ، وأصبحت الصالة في ظلام دامس يشبه الظلام الذي يعيش فيه هو يومياً .
​توقفت أنفاس الحاضرين في الظلمة الشاملة . وهنا ، واصل كلامه في الظلام بصوت هادئ ورخيم ، “هكذا هو عالمي الآن… هل تخافون من هذا الظلام؟ الظلام ليس غياب الضوء ، الظلام هو فقط المساحة التي نتركها لخوفنا لكي ينمو . لكن عندما تضيء شمعة الإرادة داخل قلبك ، تصبح كل هذه العتمة هى السر لتبرز بريق روحك”.
​ثم أُضيئت الكشافات فجأة بالكامل لتغمر المسرح بنور ساطع .
​عندما أنهى مونولوجه الأخير ووقف في منتصف الخشبة وانحنى للجمهور ، ساد المسرح صمتاً قصيراً لثواني معدودة من شدة الذهول ، قبل أن تنفجر الصالة بالتصفيق الحار والهتافات التي هزت أركان القاعة .
​وقف الجمهور بأكمله يصفق بحرارة ودموع التأثر تملأ عيون الكثيرين . لم يكن التصفيق شفقة ، بل كان تقديراً وتكريماً لتجربة فنية ملهمة وإرادة حديدية استطاعت أن تهزم الظلام وتطوعه لصالح الإبداع .
​توالت العروض بعد ذلك ، ولم يكتفي البطل بتقديم العرض في القاهرة ، بل طاف بعرضه “ضوء خلف العتمة” في مختلف المحافظات ، من الإسكندرية إلى أسيوط والأقصر . أصبح اسمه رمزاً للأمل والتحدي ، وأثبت أن الفن الحقيقي لا يحتاج إلى عينين تريان ، بل إلى قلب يستشعر وروح تؤمن بالجمال .
​وفي مسائه المفضل ، كان نور يعود دائماً إلى شرفته في حي عابدين ، يحتسي شايه ، وينصت إلى هسيس النسيم ، مبتسماً في عتمته التي أصبحت ، بفضل إرادته ، أسطع من ألف كشاف مسرحي .

شاهد أيضاً

لبنى محمود تكتب.. يا عاصفتي الهادئة

يا وريدي ، كلما امتلأ بالدماءيا لذيذ الألم، يا عاصفتي الهادئةيا أمير مملكتي ، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *