د. طارق منصور يكتب .. كيف يُقتلون؟


ربما يبدو عنوان هذا المقال غريبا بعض الشيء، فقد يُقرأ بالفاتحة فيصبح الفعل عائدا على الفاعل، وقد يُكتب بالضمة فيصبح الفعل عائدا على المفعول به. والأخير هو ما أقصده، وليس الأول.
لعل ما يميز المجتمع المصري أنه مجتمع شاب، القوة الضاربة فيه هي الشباب بنسبة تقترب من ال 70% من سكانه، وهذا شيء مبشر لو أحسن توجيهه وتوظيفه لتنمية البلد ونجاحه، ودفع مؤسساته نحو الأمام، بفضل قوة الشباب، وتفكيرهم النابض خارج الصندوق. ولعل السيد الرئيس أول من انتبه لهذه القوة الضاربة منذ سنوات حكمه الأولى، فبدأ يولى اهتماما خاصا بهم، حتى صرنا نرى مساعدين محافظين ومستشارين لهم ممن هم تحت الأربعين أو يزيدون عن الأربعين قليلا. ولا شك أن تعيينهم يمر بتوجيهات وتعليمات وفحص وتمحيص، قبل شغل المنصب.
غير أن التعيينات المماثلة، التي يتحكم فيها مسؤولون عن وزارات أو هيئات أو جامعات لا تسير على نهج الرئيس في إتاحة الفرصة للشباب -بشفافية وحيادية تنبع من مصلحة العمل أولا وأخيرا- ليقودوا وينطلقوا بالمؤسسات نحو الأمام، بل يُضرب بهم عرض الحائط أمام الاستعانة بمن تقاعدوا عن العمل منذ زمن مع منحهم لقبا شرعيا لا يحاسب عليه القانون اسمه: “قائم بالعمل”، رغم وفرة الكوادر والكفاءات الشابة، القادرة على الانطلاق بالمؤسسات.
وقد لفت نظري أكثر من مرة حين دعيت لمناسبات في أماكن بعينها أن معظم الحضور، هم ممن تعدوا السبعين، ولا يحملون من متاع الدنيا إلا لقبا ألغي منذ عام 1952، وهو: “معالي أو بك”…فلان الفلاني، الذي قد يكون وزيرا ترك منصبه منذ سنوات طويلة، أو رئيس جامعة تقاعد عن العمل منذ عقد أو اثنين، أو رئيس مجلس إدارة شركة كان يوما من الأيام يأمر فيطاع، أو أناس نالوا حظوة عند صاحب الدعوة. أخذت أتلفت حولي، فوجدت أنني أصغرهم سنا، فابتسمت وقلت في نفسي ربما دعيت بالخطأ مثل معالي الوزير في فيلم أحمد زكي، أو ربما انخدعوا في شعر رأسي الأشهب؟
مما أضحكني أنني منذ يومين كنت مشاركا بالتنظيم في فعالية ما، وجاءني أحد رجال المراسم يقول لي: فلان بك أين سيجلس، فالمقاعد الأمامية امتلأت؟ أشرت إليه نحو مقعد فارغ بطرف القاعة الأيمن. نظر إلي نظرة استهجان، وهو يتابع إصبعي. وحين جائتني سيدة مسنة من عامة الناس، قلت لها: تفضلي اجلسي في أي مكان يحلو لك، وليكن هذا المقعد؛ الذي كان مخصصا لصاحب المعالي، بعد أن نزعت البطاقة عنه. وجلست عليه بالفعل!
صار حرصي حين أدعى كل مرة أن أطالع الحضور مبتسما لهذا وذاك، وأقوم بتصنيفهم، لأعود إلى بيتي وأنا أعزي نفسي بقولي: “لا فائدة”. ستظل الكفاءات الشابة متعثرة على الدرب، تخضع لهوى من يمسك بالصولجان، وستتلاشى أمالهم طالما ظلت المقاعد الأمامية والخلفية تحمل ورقة مثبتة بأعلى كل مقعد مكتوب عليها: مخصص لصاحب المعالي.
افسحوا الطريق، وكفى ما غنتم! فما بقي من العمر قد لا يكفي لنغتسل من ذنوبنا وما علق بالنفس!

شاهد أيضاً

لبنى محمود تكتب.. يا عاصفتي الهادئة

يا وريدي ، كلما امتلأ بالدماءيا لذيذ الألم، يا عاصفتي الهادئةيا أمير مملكتي ، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *