تابعت عن كثب أحوال المسرح المتدهورة وضجيج المهرجانات الزائف ومعاناة طلاب المعاهد الفنية في مراحلها المختلفة ، وشغلني ذلك البرج العاجي للأكاديميين الذي وضعته فيه نظرة الممارسين الفعليين للمسرح ، وما كان مني إلا أن تابعت مقالات رصينة لمسرحيين أكاديميين عرب رصدوا وحللوا بمنهجية رائعة منضبطة وفق القواعد العلمية ، ومسرحيين ممارسين ذوي خبرة ونقاد حقيقيين صهرتها و لخصتها – ولهم مني كل الاحترام والتقدير – في هذا المقال من مقالات الرأي وهو ليس بدراسة اكاديمية ،لعل المهتمين بفن المسرح يتدبرونه ويعملون على إقالة المسرح من عثرته ، ولقد آثرت أن أقدمه في هذه الصورة المبسطة كي يتحقق النفع منه ، وكان التعليم المسرحي هو محور المقال انطلاقا من هذا السؤال :
*هل أصبح التعليم والبحث المسرحي غاية أكاديمية في ذاته، أم أنه ما زال وسيلة لإنتاج معرفة تستطيع أن تعود إلى الخشبة؟
هناك توسع في التعليم والبحث المسرحي من ناحية، بينما تعاني المنظومة المسرحية نفسها من أزمات في الإنتاج والتشغيل والجمهور والنقد والبنية التحتية من ناحية أخرى.
فإذا كان لدينا منذ عقود معاهد عليا للفنون المسرحية وأقسام جامعية متخصصة، ثم تراكمت آلاف الرسائل والأبحاث في التمثيل والإخراج والسينوغرافيا والنقد والدراما، بينما ما زالت مشكلات المسرح تتكرر: ضعف الإنتاج، ضعف الجمهور، البطالة بين الخريجين، غياب بعض الحرف المسرحية، ضعف التوثيق، انفصال النقد عن العرض، ومحدودية أثر البحث العلمي في المؤسسات المسرحية.
ولم يعد خافيا ظاهرة ارتفاع البطالة بين خريجي المعاهد والكليات المتخصصة في المجال الفني، مع الإشارة إلى محدودية سوق العمل واعتماد كثير من الخريجين على فرص التعيين في المؤسسات الثقافية.
والواقع يؤكد أنه ليس لدينا نموذج عربي موحد لتعليم المسرح بل إن هناك ثلاثة نماذج متداخلة مع غياب للعلاقة المنظمة بينها :
- التكوين الأكاديمي المتخصص.
- التكوين الجامعي النظري.
- التكوين بالممارسة والورش والمهرجانات.
هل تخطط مؤسسات التعليم المسرحي وفق احتياجات المسرح، أم وفق قدرتها على استيعاب الطلاب ومنح الدرجات العلمية؟
والفرق بين السؤالين هائل لدينا:
معاهد + كليات + أقسام + دراسات عليا + رسائل ماجستير + أطروحات دكتوراه + مؤتمرات + مهرجانات + أبحاث محكمة
لكن في المقابل:
مسارح محدودة + إنتاج محدود + فرص عمل محدودة + جمهور متراجع في بعض البيئات + ضعف في بعض الحرف والتخصصات + مشكلات تمويل + ضعف في التوثيق والأرشفة.
فهل الزيادة في الإنتاج الأكاديمي تقابلها زيادة في الإنتاج المسرحي؟ بالقطع لا للأسف.
- الدراسات العليا تخاطب مَن؟
لأنها تفتح أربع دوائر مختلفة:
1- الدراسة التي تخاطب الباحثين( دائرة المعرفة النظرية )، وهذه دراسة مشروعة تمامًا.قد تبحث في أرسطو، أو بريخت، أو السيميولوجيا، أو ما بعد الحداثة، أو جماليات التلقي.
2- الدراسة التي تخاطب الأكاديمية وهي التي تنتج معرفة يمكن أن يستفيد منها الأستاذ والباحث والطالب.
وهذه أيضًا ضرورية.
3- الدراسة التي تخاطب المبدع المسرحي، وهنا تبدأ القيمة العملية.
هل يستطيع المخرج أو الممثل أو الكاتب أوأي عضو في تشكيل الصورة المسرحية أن يستفيد من الرسالة؟
هل تقدم له منهجًا أو أداة أو حلولًا أو تشخيصًا؟
4- الدراسة التي تخاطب المؤسسة المسرحية..وهذه هي الحلقة الأكثر غيابًا في كثير من الأحيان.
فإذا كشفت رسالة دكتوراه مشكلة في تدريب الممثلين مثلًا، من الجهة التي ستقرأ النتائج؟
وإذا قدمت رسالة نظامًا جديدًا لإدارة الإنتاج المسرحي، من سيطبقه؟
وإذا درست رسالة أسباب عزوف الجمهور، هل تصل نتائجها إلى المؤسسات المنتجة؟ - وهنا يظهر السؤال الأكثر إحراجًا:
هل توجد آلية مؤسسية تجعل نتائج الدراسات المسرحية جزءًا من صناعة القرار المسرحي؟
أليست المشكلة في البحث الأكاديمي نفسه، لا ينبغي أن تقول الدراسة إن البحوث النظرية عديمة الفائدة، بل على العكس فإن النقد الجامعي العربي أسهم في تطوير أدوات قراءة المسرح، وانتقل بدرجة كبيرة من الانطباعية إلى المناهج الحديثة، واستفاد من السيميائيات والبنيوية وجماليات التلقي والمناهج الاجتماعية وغيرها. وقد أكد بحث حديث حول النقد المسرحي العربي أن النقد الجامعي راكم إنتاجًا مهمًا في التنظير والتطبيق، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة تطوير علاقته بالإبداع المسرحي.
إذن القضية ليست:نظرية ضد تطبيق.بل - :كيف تتحول النظرية إلى معرفة فاعلة؟أين تكمن الفجوة إذن؟
يمكن تلخيصها في هذا النموذج:
المجال السؤال الأكاديمي السؤال المسرحي
النص كيف نحلله؟ كيف نكتب نصًا صالحًا للخشبة؟
الإخراج ما نظريات الإخراج؟ كيف نصنع عرضًا؟
التمثيل ما مدارس الأداء؟ كيف نكوّن ممثلًا قادرًا على العمل؟
السينوغرافيا ما جماليات الصورة؟ كيف نصممها وننفذها بإمكانات واقعية؟
النقد ما المناهج النقدية؟ كيف ننتج نقدًا يصل إلى الجمهور؟
الإدارة ما مفاهيم الإدارة؟ كيف ندير مؤسسة وفرقة؟
الإنتاج ما نظريات الإنتاج؟ كيف نمول عرضًا وننتجه؟
الجمهور ما نظريات التلقي؟ كيف نصل إلى الجمهور؟
الدراسات العليا ماذا نعرف؟ ماذا سنغيّر؟
والسؤال الأخير هو الأهم.
مؤشرات إيجابية :
نموذج مهم جدًا من داخل أكاديمية الفنون، هناك مؤشرات إيجابية أيضًا لا ينبغي إغفالها،ففي مصر ظهرت محاولات لربط التعليم باحتياجات سوق العمل؛ من بينها إنشاء شعبة للإدارة المسرحية والإنتاج، وأخرى للتقنيات، مع حديث صريح عن نقص بعض العمالة الفنية والحرف المسرحية وضرورة تخريج تقنيين مؤهلين. ولذلك أنشئت مدرسة ثانوية لتخريج كوادر فنية وبالفعل تم تحريج بعض الدفعات ،كما أثيرت بوضوح مشكلة أن تخريج المتخصصين دون توفير مسار لاستيعابهم قد يعيد إنتاج أزمة البطالة نفسها إذن المشكلة ليست في زيادة التخصصات، وإنما في أن يكون كل تخصص مرتبطًا بوظيفة حقيقية في الصناعة المسرحية.
الدراسات العليا نفسها يمكن أن تكون مختبرًا للإنتاج، وبالفعل لدينا مشروعات الدراسات العليا في المعهد العالي للفنون المسرحية لا تقتصر دائمًا على الرسائل النظرية؛ فهناك مشروعات إخراجية وتمثيلية وعروض فعلية. وفي 2021 مثلًا قُدمت عشرات العروض ضمن مشاريع الدراسات العليا، وأصبح السؤال مطروحًا حول كيفية إعادة تقديم هذه المشروعات بعيدًا عن إطار الامتحان، بما يسمح لها بأن تتحول إلى عروض مسرحية حقيقية،وفي 2026 ما زالت مشروعات الدراسات العليا تقدم تجارب إخراجية وفنية وتناقش قضايا المجتمع وأساليب مختلفة في قراءة النص، إذن الأزمة ليست أكاديمية فقط بل إنتاجية، بل هناك خطأ في تحميل التعليم وحده مسؤولية تدهور المسرح.
وهنا يجب أن نؤكد على أن المسرح منظومة:
التعليم ← التدريب ← الإنتاج ← المؤسسات ← الفنان ← التقني ← الجمهور ← النقد ← التوثيق ← السوق الثقافي.
إذا تعطلت حلقة الإنتاج، فلن تنقذها أفضل المناهج، وإذا غاب الجمهور، فلن تنقذ المسرح آلاف الدراسات حول جماليات التلقي، وإذا لم توجد مؤسسة تتبنى النتائج، ستظل الدراسة محصورة في إطارها الجامعي.
*النقد المسرحي نفسه يعاني المشكلة ذاتها
ما الهدف من دراسة النقد؟ وما المعوقات التي تواجه خريجي أقسام النقد؟
كما أشارت كتابات نقدية إلى أن المؤسسات المسرحية لا تستفيد بالقدر الكافي من النقاد، وأن ضعف فرص العمل والتوظيف يدفع بعض خريجي النقد إلى البحث عن مجالات أخرى.
إذن يمكن صياغة المعادلة:
نعلم الناقد → نمنحه درجة علمية → يتخرج → لا يجد مجالًا كافيًا لممارسة النقد → يبتعد عن المسرح → ثم نشكو من ضعف النقد المسرحي.
وهذا نموذج واضح على انفصال التعليم عن المنظومة التي يفترض أن يخدمها.
- هل المسرح العربي هو المستفيد الأكبر من الدراسات المسرحية العربية، أم أن المستفيد الأكبر هو النظام الأكاديمي ذاته؟
بعض الدراسات العليا قد تتحول عمليًا إلى:
موضوع → مشرف → منهج → فصول → مناقشة → درجة → مكتبة.
بينما يفترض أن تكون:
مشكلة مسرحية → بحث → نتائج → توصيات → جهة مستفيدة → تطبيق → تقييم النتائج.
والفرق بين النموذجين هو الفرق بين:البحث بوصفه متطلبًا للحصول على الدرجة ، والبحث بوصفه أداة لتطوير المسرح الحل هو إعادة تعريف وظيفة الدراسات العليا المسرحية.
واقترح الكاتب خمسة مسارات:
1- البحث المرتبط بمشكلة مسرحية حقيقية مثل:
انخفاض الجمهور.
مشكلات الإنتاج.
اقتصاديات المسرح.
إدارة الفرق.
تدريب الممثل.
إعداد التقنيين.
المسرح الرقمي.
مسرح الطفل.
المسرح الجامعي.
المسرح المستقل.
المسرح في الأقاليم.
التوثيق والأرشفة.
علاقة المسرح بالتعليم.
2- إلزام كل بحث بتحديد المستفيد المحتمل في نهاية الرسالة. من يستطيع استخدام هذه النتائج؟
3- إنشاء قاعدة بيانات عربية للدراسات المسرحية ليس مجرد تسجيل عنوان الرسالة، وإنما:
المشكلة – النتائج – التوصيات – التطبيق الممكن – الجهة المستفيدة.
4- تحويل بعض رسائل الماجستير والدكتوراه إلى مشروعات إنتاجية ليست الدعوة إلى تحويل الدكتوراه إلى بروفة مسرحية، ولا إلغاء البحث النظري بل إلى إعادة تعريف العلاقة بين البحث والمسرح.
وأقترح أن يصبح لكل بحث مسرحي في الدراسات العليا أربعة أسئلة إلزامية:
1-ما المشكلة المسرحية التي يعالجها؟
2- ما الإضافة الجديدة التي يقدمها؟
3- من الجهة التي يمكن أن تستفيد من نتائجه؟
4- كيف يمكن اختبار هذه النتائج في الممارسة؟
وعندئذ يصبح لدينا انتقال من:رسالة للحصول على درجة إلى: بحث ينتج معرفة قابلة للتداول داخل المنظومة المسرحية، بحيث لا يكون العرض مجرد مشروع امتحان إذن لا ينبغي أن ننظر إلى المعهد والمسرح باعتبارهما عالمين منفصلين،المعهد في الأصل جزء من الصناعة المسرحية،والأستاذ المسرحي ليس فقط حامل شهادة أكاديمية، وإنما يفترض أن يكون لديه اتصال حي بالممارسة،والطالب ليس مجرد متلقٍ للمقرر، وإنما فنان تحت التكوين، والدراسات العليا ليست مجرد مرحلة أعلى في السلم الوظيفي، وإنما ينبغي أن تكون: مرحلة إنتاج المعرفة المسرحية المتقدمة واختبارها في الواقع.
المفارقة أن المسرح العربي يعاني أحيانًا من نقص في الأشياء التي تستطيع الدراسات المسرحية أن تقدم حلولًا لها، في الوقت الذي تعاني فيه الدراسات المسرحية نفسها من ضعف اتصالها بالمسرح الذي تدرسه.
فنحن نحتاج إلى:
- دراسات عن الجمهور، والجمهور يحتاج إلى استراتيجيات وصول.
- دراسات عن الإدارة، والمؤسسات تعاني من مشكلات إدارية.
- دراسات عن الإنتاج، والمنتج يعاني من ضعف الإنتاج.
- دراسات عن التقنيات، والمسرح يعاني من نقص التقنيين.
- دراسات عن النقد، والنقد يعاني من ضعف حضوره.
- دراسات عن التوثيق، والتاريخ المسرحي يعاني من فقدان أرشيفه.
وهذا يعني أن المشكلة ليست غياب المعرفة فقط، وإنما ضعف انتقال المعرفة إلى الفعل.
ليس المطلوب من الدراسات العليا المسرحية أن تتحول كلها إلى ورش إنتاج، ولا أن تتخلى عن بعدها النظري والفلسفي والجمالي، فالمسرح يحتاج إلى المعرفة النظرية بقدر حاجته إلى الممارسة. لكن ما يحتاج إلى مراجعة هو المسافة الفاصلة بين المعرفة والفعل. فحين تتراكم الرسائل والأطروحات والمؤتمرات والدراسات بينما تظل المشكلات الأساسية للمسرح تتكرر، يصبح من المشروع أن نسأل عن آليات انتقال المعرفة من الجامعة إلى المؤسسة، ومن الرسالة إلى الخشبة، ومن التوصية إلى القرار.
إن قيمة البحث المسرحي لا تقاس فقط بعدد صفحاته أو بدرجته العلمية أو بسلامة منهجه، وإنما كذلك بقدرته على إنتاج معرفة جديدة، أو تفسير مشكلة قائمة، أو اقتراح حل قابل للتطبيق، أو إعادة النظر في ممارسة مستقرة. ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه مستقبل الدراسات العليا المسرحية في البلاد العربية ليس: ماذا سنبحث؟ فقط، بل: لمن نبحث؟ ولماذا؟ ومن سيستخدم ما نصل إليه؟
فالمسرح العربي لا يحتاج إلى مزيد من المعرفة التي تنام في الرفوف، وإنما إلى معرفة تدخل في حوار حي مع الخشبة والممثل والمخرج والمؤلف والمنتج والتقني والجمهور. وعند هذه النقطة تحديدًا تتحول الدراسات العليا من محطة للحصول على درجة علمية إلى جزء من مشروع تطوير المسرح نفسه.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
