«حين قرأتَ ما لم أقله»
قال: هالة.
قلت بلهجة حادة: نعم؟
ظل واقفًا لحظة، كأن الكلمة التي يريد قولها أثقل من أن تخرج بسهولة. كان الدخان لا يزال يتصاعد من سيجارته، يمر أمام وجهه ثم يتلاشى في الهواء، بينما كنت أنظر إليه من أسفل، وأشعر أن المسافة بيننا لم تعد مجرد طابق وبلكونة، وإنما شيء آخر لا أعرف له اسمًا.
قال: ماذا كتبتِ؟
تظاهرت بأنني لم أفهم.
قلت: كتبت أشياء كثيرة.
اقترب من سور البلكونة، وأسند يده عليه، ثم قال بنبرة حاول أن يجعلها عادية:
— أقصد ما كتبته الآن.
نظرت إلى صديقاتي، ثم عدت إليه.
— ولماذا تسأل؟
صمت قليلًا.
ثم قال:
— لأن بعض الكلمات لا تُكتب عبثًا.
ابتسمت ابتسامة صغيرة لم أكن أعرف هل هي تحدٍّ أم محاولة لإخفاء ارتباكي.
قلت:
— وبعض الناس يقرأون أكثر مما ينبغي.
لم يجب.
كانت عيناه ثابتتين عليّ بطريقة جعلتني أشعر أنه لا يسأل عن جملة عابرة، وإنما يبحث خلفها عن شيء آخر. شيء ربما كتبته دون أن أقصده، أو قصدته ثم أنكرت أنني قصدته.
قلت:
— هل كنت تقرأ كراستي؟
قال بسرعة:
— لا.
لكن سرعة الإجابة جعلتني أشك أكثر.
قلت:
— إذن كيف عرفت؟
سكت.
ثم ألقى سيجارته بعيدًا، وظل يتابعها بعينيه وهي تسقط في الأسفل.
قال:
— أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى أن يقرأ كل شيء حتى يعرف أن هناك شيئًا تغير.
لم يعجبني كلامه.
قلت:
— أنا لم أتغير.
رفع عينيه إليّ.
— بل أنتِ تتغيرين كل يوم يا هالة.
شعرت بشيء يضرب داخلي، لكنني لم أسمح له أن يظهر على وجهي.
قلت:
— وهل هذا يزعجك؟
قال:
— لا أعرف.
ثم أضاف بعد لحظة:
— وربما هذا هو الذي يزعجني.
لم أفهمه، أو ربما فهمته أكثر مما ينبغي، ولذلك قررت أن أهرب من الحديث.
قلت:
— انتهى الكلام؟
قال:
— بالنسبة لكِ ربما.
ثم ابتعد عن البلكونة واختفى بين الفصول.
وقفت مكاني لحظات، وأنا أراقب المكان الذي كان يقف فيه، ثم نظرت إلى كراستي التي كانت لا تزال في يدي.
فتحتها.
قرأت الجملة.
«بعض الأثقال لا تحتاج إلى قوة للتغلب عليها، بل إلى شجاعة لتركها.»
أعدت إغلاق الكراسة.
لأول مرة شعرت أنني لم أكتب الجملة لنفسي وحدي.
كان هناك شخص آخر قرأها بطريقة مختلفة.
شخص يبحث عن نفسه بين سطوري، بينما كنت أنا أكتب لأبحث عن نفسي.
رن جرس الفسحة.
اندفعت الطالبات إلى الممرات، وارتفعت الأصوات من كل مكان، وامتلأت الساحة بالحركة. كانت المدرسة في تلك اللحظات تشبه مدينة صغيرة استيقظت دفعة واحدة من نومها.
أما أنا، فبقيت واقفة تحت الشجرة، أحمل كراستي وأفكر في سؤال واحد:
ماذا رأى فتحي في كلماتي حتى أصبح غاضبًا إلى هذا الحد؟
لم أكن أعرف.
ولم أكن أعرف أيضًا أن ما كتبته في دقائق قليلة سيظل يطارده طويلًا.
كنت أظن أنني كتبت جملة وتركتها.
لكنه كان قد أخذها معه.
وربما حمل معها شيئًا آخر لم أكتبه أبدًا.
شيئًا لم أكن مستعدة في ذلك العمر لأن أسميه.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت أفهم أن بعض الكلمات حين تخرج منّا لا تعود ملكًا لنا وحدنا.
قد يقرأها شخص فيجد فيها نفسه.
وقد يقرأها آخر فيجد فيها اتهامًا.
وقد يقرأها ثالث فيخاف منها.
أما أنا، فكنت لا أزال أتعلم كيف أكتب دون أن أعرف إلى أين يمكن أن تصل كلماتي.
كنت فقط أعرف شيئًا واحدًا:
أنني لم أكن قطعة شطرنج.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
