وطبعًا نحن الفتيات، كل واحدة جاءت إلى الاحتفال، وكما نقول في مصر، “متشيكة على الآخر”، وتلبس من الذهب والألماس البسيط ما يؤكد مستوى الثراء الذي تعيش فيه كل واحدة منا. لكن كل ذلك لم يكن هو الأساس، فقد كانت فرحتنا الأكبر باللمة.
وجاء العديد من الشبان يقولون لنا: “ممكن نسلم على شلة مصر الجديدة؟”، وقلنا: “دلوقتي مفيش مشكلة طبعًا”، وكان السلام جميلًا.
وفجأة دخل أمجد.
كان ما زال بنفس الشكل، ولم تظهر عليه آثار السنين الطويلة، وإن كانت ملابسه الأنيقة قد جعلته أكثر وسامة عما كان من قبل. وسلم على الجميع، ثم جاء السلام مع حياة.
وأعتقد أن الكلام الذي دار بين عيون الاثنين كان يحمل أكثر من معنى، وكانت عيونهما تنطق بكلمة واحدة: “أنا ما زلت أحبك”.
ووقف الاثنان معًا، وبدأ أمجد يسأل حياة عن أولادها بالاسم، وكيف تسير حياتها، واتضح أنه على علم بكل تفاصيل حياتها. أما المفاجأة فكانت أنها هي الأخرى تعلم الكثير من تفاصيل حياته، حيث اتضح فيما بعد أنها كانت تعرف قصص نجاحه في “البزنس”، كما نقول، من خلال الملحق التجاري في سفارتنا في إسطنبول، حيث كان أمجد يستورد بعض المنتجات من هناك.
وسألته حياة: “فين المدام؟”، فقال لها: “في البيت، أنا فضلت أحضر لوحدي”.
ثم سألها ببساطة: “ممكن آخد رقم تليفونك نطمن على بعض؟”.
وترددت قليلًا وأعطته رقم التليفون، لتكون المفاجأة أن رقمها موجود عنده بالفعل. وابتسمت قليلًا عندما رأت الرقم موجودًا من قبل، وأدركت أنه أراد فقط أن يختبرها، فسألته: “لما عندك رقم تليفوني، ليه ما اتصلتش؟ وليه طلبت الرقم؟”.
ثم أعطاها رقم تليفونه، وهنا بدأ التدخل للفصل بينهما، خاصة أن احتفال الجامعة قد بدأ، ودخلنا لنجلس بعيدًا عن بعضنا.
وفي نهاية الحفل جاءت الصور التذكارية، وأصر أمجد أن يقف بجوار حياة، خاصة أن الجميع بدأ يصيح: “خلاص، مفيش شلة مصر الجديدة، كلنا نقف مع بعض”.
وكان يومًا جميلًا، حقيقة من أجمل أيام العمر.
وانتهى الحفل في الرابعة ظهرًا، وعدت أنا وحياة في نفس السيارة، وذهبنا إلى منزلي، حيث كان الأقرب إلى الجامعة. وخلال الطريق كانت تحكي معي، وسط الضحكات، عن الشلة، وكيف أصبحت ناهد ممتلئة لأنها من يومها تحب الأكل، وكيف جاءت فلانة كما كانت دائمًا تحب التباهي والمنظرة.
وأخيرًا وصلنا إلى المنزل، ولحسن الحظ لم يكن أحد موجودًا.
وجلست حياة أمامي بعد أن أحضرت لها كوب الشاي الذي تحبه، وقلت لها: “ها.. وبعدين؟”.
قالت: “وبعدين إيه؟”.
قلت لها: “إيه اللي حصل مع أمجد؟”.
قالت: “مش عارفة أعمل إيه”.
فسألتها: “لسه بتحبيه؟”.
وكانت الإجابة سريعة، دون انتظار أو تفكير: “أيوه”.
قلت لها: “وبعدين؟”.
قالت: “مش عارفة”.
قلت لها: “على فكرة، هو برضه لسه بيحبك”.
وجاءت إجابتها سريعة: “عارفة”.
قلت لها: “قال لك حاجة؟”.
فكان ردها: “من عينيه. أنا عارفاها من سنين”.
وقلت لها: “تسمحي لي أتدخل؟”.
قالت: “يا ريت. إن زوجي رجل فاضل ويحبني أكثر من حياته، وأولادي فرحانة بيهم، ولا أريد أن أهدم أسرتي من أجل حياتي الشخصية”.
وفجأة رن التليفون.
وكان هو أمجد.
وبسرعة قال لها: “ممكن أعزمكم على العشاء؟ تحضر نورا وزوجها، لأنني أعرفه، وزوجتي ستحضر كذلك، وزوجك طبعًا”.
وكان ردها: “لا أعرف مواعيد زوجي، دعني أتحدث معه ونتفق على يوم آخر”.
وانتهت المكالمة سريعًا، وأعتقد أنها كانت لا تريد أن تطيلها أكثر من ذلك حتى لا تتطور الأمور.
وقفت حياة وقالت لي: “أنا همشي. عمومًا مش هعمل أي حاجة من غير استشارتك. الأولاد زمانهم رجعوا من المدرسة”.
وفي المساء جلست طويلًا أفكر، وخلصت إلى أنني يجب أن أتدخل بالفعل. وأمسكت التليفون واتصلت بأمجد وقلت له: “أنا شايفة إن الأمور ممكن تتطور. أرجوك بلاش العشاء، وبلاش أي مقابلات أخرى أو حتى مكالمات. أنت لك أسرة جميلة، وهي لها أسرة، ولا نريد أن نفسد كل هذه الأمور، من فضلك”.
وجاء الرد: “حاضر يا نورا، لكن هل هي طلبت منك تقولي لي كده؟”.
قلت له: “لا، بالطبع لا. وأنا سوف أبلغها بما فعلت، ولكن أرجوك، لا نريد أن نهدم أسرتين”.
فقال: “حاضر”.
وبالفعل اتصلت بحياة فورًا وأبلغتها بما حدث.
وبكت طويلًا وقالت: “تصوري يا نورا، أول ما دخلت البيت وأولادي شافوني اندفعوا إلى حضني، وبكيت طويلًا، والكل يقول لي: ماما، ماما، في إيه؟ وتنبهت أن حب الأطفال ودفء الأسرة لا يعادلهما شيء في الوجود”.
واستطردت تقول: “أنا سعيدة إن عندي أخت زيك بتحبني أكتر من نفسي. وأهم شيء أن اليوم كان خطًا فاصلًا في حياتي. سوف أنهي هذا الفصل. سأظل أحبه للأبد، ولكن سوف أحب أولادي وحياتي وأسرتي وزوجي، الذي هو أحسن رجل في الدنيا”.
وأعتقد أننا مكثنا نبكي لعدة دقائق.
وقلت لها: “ممكن نعمل بلوك لرقم تليفونه؟”.
وجاء ردها سريعًا: “لا، اطمئني. والله اطمئني. أولادي وحياتي وأسرتي أهم مني”.
وأعتقد أن تلك المكالمة كانت نهاية قصة الحب التي ظلت لسنوات طويلة. لكن علاقتي بحياة ظلت كما هي حتى الآن، نتحدث معًا كل يوم، وأولادي أصبحوا أولادها، وأصبحنا أسرة واحدة جميلة.
وهكذا، فرغم أن حب الجامعة لم تفرقه السنوات، فإن الأسرة تبقى هي الأهم في حياتنا؛ الزوج والأولاد، وهذه الأسرة المصرية بتقاليدها وأعرافها.
Email: n-farag@hotmail.com
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
