كنتُ أتصفح ركنًا منسيًا في مكتبة عامة، حين عثرت على نسخة مهترئة من كتاب “الجين الأناني” لريتشارد دوكينز. كان الغلاف ممزقًا عند الحواف، والصفحات حبلى بتعليقات قديمة بخط يد متعثر ليدٍ سبقتني إليه. لم أكن أعرف حينها، وأنا أقلب تلك الأوراق الصفراء، أنني على وشك قراءة نص سيقلب نظرتي للحياة بأسرها. ليس لأنني وافقت على كل حرف فيه، بل لأنني وجدته يستفز عقلي بجمالية خطيرة وصادمة.
اليوم، وبعد مرور نصف قرن كامل على صدور هذه التحفة الجدلية، أجدني أتساءل بنوع من الفضول: هل نكصنا على أعقابنا واكتشفنا أننا كنا نعبد “صنمًا علميًا” مجازيًا؟ أم أن كتاب دوكينز تحول بفعل الزمن من مرجع في علم الأحياء إلى قصيدة شعرية من طراز رفيع، نتلذذ بقراءتها رغم علمنا بأنها تنتمي لزمن مضى؟
عندما كان الجين هو “الديكتاتور السحري”
لكي نفهم حجم الصدمة، علينا العودة إلى سبعينيات القرن الماضي. كان علم الأحياء حينها يعيش فوضى ممتعة ومنتجة؛ كنا نعرف بالطبع شيئًا يدعى “الدنا” DNA ، لكننا لم نكن نملك أدنى فكرة عن عدد جيناتنا (صُدمنا لاحقًا بأنها لا تتعدى العشرين ألفًا، وهو رقم متواضع جدًا أقل بكثير من طموحاتنا البشرية). وفي هذا المناخ الضبابي، ظهر دوكينز كشاعر يكتب سيرة الكائنات؛ اختزل كل شيء فينا ،حبنا، كرهنا و تضحياتنا، وحتى حروبنا المروعة، في مجرد وسيلة لخدمة تلك الوحدات الصغيرة الأنانية التي لا تهتم إلا بالبقاء والتكاثر.
تذكرون بالتأكيد ذلك المشهد الدرامي الكلاسيكي الذي قدمه؟ الأم التي تضحي بحياتها لإنقاذ صغارها ليست كائنًا نبيلاً بالمعنى الأخلاقي، بل هي مجرد آلة بيولوجية مبرمجة بدقة لحماية نسخ الجينات المستقبلية. الحب؟ خدعة كيميائية. الإيثار؟ لعبة حسابية بارعة لضمان بقاء العشيرة. كانت الفكرة ثورية، تسللت إلى عقولنا مثل لغز بوليسي محكم، لكن الأناقة المفرطة ،كما تعلمنا التجارب، غالبًا ما تخفي وراءها فخاخًا مبهرجة.
شروخ في العرش: تفكيك الاستعارة
بعد خمسين عامًا من الاكتشافات المتلاحقة، تلاشت تلك البراءة البيولوجية؛ فالطبيعة لا تحب الخطوط المستقيمة، بل تعشق التعقيد والفوضى. أولى التصدعات في فرضية دوكينز ظهرت عندما أدركنا أن الجينات لا تعمل كجنود في ثكنة عسكرية ينفذون الأوامر بإنعزال صارم، بل إن تفاعلاتها تشبه إلى حد كبير سوقًا مزدحمة وصاخبة في وسط القاهرة؛ حيث الصراخ متبادل والتأثير جماعي. هناك جينات صامتة تمامًا لا تستيقظ إلا بـ “نغزة” من جارتها، وأخرى متعاونة تشكل شبكات معقدة يستحيل فيها الإشارة إلى جين واحد ووصفه بأنه “الأناني الأوحد”، وهو أمر لمح إليه دوكينز نفسه لاحقًا بشيء من الحذر.
ثم جاء علم الوراثة فوق الجينية Epigenetics ليفسد الحفلة تمامًا على الجين المستبد. فجأة، اكتشفنا أن البيئة المحيطة طبيعة ما نأكله، الضغوط النفسية التي نكابدها، وحتى ظلال ذكرياتنا يمكنها أن تترك بصمات فيزيائية فوق شريط الدنا وتورث للأجيال التالية دون تعديل في الحروف نفسها. لم يعد الجين هو “الرب القدر الأوحد” الذي يملي شروطه من خلف الكواليس، بل أصبح أداة مرنة تتأثر بالواقع. إن جدي الذي عاش ويلات مجاعة قديمة في طفولته، لم يورثني مجرد جينات ثابتة، بل نقل إليّ استعدادات أيضية حفرتها تلك التجربة القاسية في جسده.
أما الضربة الأكثر عمقًا، فكانت في مفهوم “التعاون”. نعم، الكائن الأناني قد يتعاون إذا كان ذلك يخدم مصالحه الضيقة، لكن علم الأحياء الحديث يخبرنا بأن التعاون ليس مجرد تكتيك، بل هو القوة الدافعة الكبرى للتطور؛ فالكائنات متعددة الخلايا ،أنا وأنت، لسنا إلا نتاج تصالح وتكامل تاريخي وثيق بين خلايا كانت في يوم من الأيام متنافسة. حتى الفيروسات، وهي تجسيد الأنانية المطلقة في الطبيعة، تخلت في دراسات حديثة عن فرديتها لتنسق جماعيًا من أجل اختراق دفاعات المضيف.
قوارب الأفكار متعة لا تموت
هل يعني هذا أن نلقي بنسخة دوكينز في سلة المهملات؟ على العكس تمامًا. إن “الجين الأناني” ليس مجرد كتاب علمي، بل هو وثيقة من التاريخ الفكري الإنساني. لم تكن قيمته يوماً في دقة معادلاته المطلقة ،فالعلم بطبيعته لا يمنح صكوك يقين أبدي، بل في قدرته المدهشة على تغيير زاوية الرؤية. قبل دوكينز، كنا نتأمل الأنواع والجماعات، وبعده، تعلمنا أن ننظر إلى الأسفل، إلى الأعماق السحيقة حيث الحياكة الدقيقة للحياة.
الاستعارات والمجازات، كما يصفها الفيلسوف دانيال دينيت، هي مجرد قوارب نستخدمها لعبور أنهار الأفكار المعقدة؛ بعضها نتركه على الضفة بعد العبور، والبعض الآخر نحمله فوق ظهورنا. لقد ساعدنا قارب دوكينز على عبور نهر فكري هائج، لكننا نقف الآن على ضفة جديدة تمامًا، نرى منها أن الجينات ليست أنانية ولا كريمة، إنها ببساطة “موجودة”، تؤدي أدوارها ضمن سياق أوسع وأكثر تكافلاً.
ما يتبقى لنا بعد نصف قرن هو درس بليغ في التواضع العلمي؛ كتب دوكينز أطروحته في زمن ظننا فيه أن فك شفرة الجينوم البشري سيفتح كل الأبواب المغلقة، فإذا بنا نفتح بابًا لنطل على قاعة مليئة بالأسئلة اللامتناهية. عرفنا أن الطفرات وحدها لا تشرح لغز السرطان، وأن الوراثة الصماء لا تفسر تعقد السلوك البشري.
ومع ذلك، يظل الكتاب يعلمنا كيف يمكن للعلم أن يكون شاعريًا آسرًا دون أن يفقد رصانته. عندما يصف الخلية بأنها “مدينة كيميائية مبهرة”، فهو لا يطرح فرضية معملية، بل يمنحنا متعة فكرية خالصة؛ وتلك المتعة هي الشيء الوحيد الذي لا ينتهي تاريخ صلاحيته.
في العقود القادمة، سينتقل “الجين الأناني” بهدوء من رفوف كتب الأحياء إلى رفوف الكلاسيكيات الأدبية، تمامًا مثل روايات جورج أورويل؛ لن نقرأه لأحفادنا لنقول لهم “هذه هي الحقيقة العلمية المطلقة”، بل لنبتسم ونقول: “انظروا كيف كنا نفكر في الماضي، وتأملوا كم كان الشوط الذي قطعناه طويلاً ومدهشًا”.
أما أنا، فلا أزال أحتفظ بتلك النسخة المهترئة على رفي، لا كمرجع علمي، بل كعلامة مضيئة على طريق فكري طويل.. لم ينته السير فيه بعد.
لمزيد من الاخبار هنا
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
