لم يكن تصريح رئيس مهرجان الموسيقى العربية مجرد كلمة عابرة، بل كان سقطة تكشف خلل المعايير وضيق الرؤية.
أن يعلن على الملأ أنه لم يستعن بمطربين عرب لضيق الميزانية، واكتفى بالمطربين المصريين وبأقل ميزانية ممكنة، فهذه ليست إدارة، بل إهانة.. كأن الفنان المصري أصبح سلعة رخيصة، وبضاعة بديلة، وخيار المضطر لا خيار المُكرّم… إهانة الفن المصرى ليست زلة لسان، بل طعنة فى ذاكرة أمة، وأزدراء لتاريخ كان وما زال يعلم الدنيا معنى الفن.
وقف الدكتور رضا الوكيل. رئيس دار الأوبرا المستقيل، فى مؤتمر الدورة الرابعة والثلاثين من مهرجان الموسيقى العربية، تلك الدورة التى تحمل أسم أمير الغناء العربى هانى شاكر، ليعلنها صريحة بلا مواربة: إحنا معندناش فلوس كتير زى الدول الثانية اللى مش عارفة تصرف فلوسها فين”
يا للعجب..هكذا يختزل مهرجان عريق فى أزمة مالية، وهكذا يصبح الفن بندا فى ميزانية ضعيفة.
أى ميزانية تلك التى جعلت الفنان المصرى خيار الفاقة لا خيار الفخامة؟ وأى منطق هذا الذى يقدم أبناء النيل كبديل رخيص عن سواهم؟
لقد زل لسان رئيس المهرجان، وما زلة اللسان إلا مرآة زلة الجنان. وما هكذا يكرم الفن، ولا هكذا تصان كرامة أهله
وهنا جاء موقف الفنان الكبير محمد ثروت، شامخاً كصوته، نقياً كتاريخه. انسحب الرجل احتجاجاً.. رفض أن يكون شاهد زور على حفل تُهان فيه قامات مصر. رفض أن يقف على مسرح يُقدّم فيه الفنان المصري كفقير المهرجان.
محمد ثروت ليس اسماً عابراً بل هو الصوت الذي ربّى أجيالاً على الطرب الأصيل، على الكلمة الموزونة واللحن المحترم.
ولم يكن ثروت وحده من انتفض لكرامه الفن المصرى، بل توالت الاعتذارات توالي الشهب، فكشفت أن الجرح أعمق من تصريح.
فها هو الفنان الكبير علي الحجار، ذاك الهرم الراسخ، وصاحب الحنجرة التي ما غابت عن المهرجان منذ مولده، يعتذر للمرة الأولى في تاريخه. يعتذر لا تكبراً، بل ترفعاً. قال إن الميزانية ضعيفةٌ ومهينةٌ لفرقته الموسيقية. فأيُّ إهانةٍ أكبر من أن يُطلب من فنانٍ بحجم الحجار أن يُقلّم أجنحة فنه ليتناسب مع ضيق اليد؟
ولحق به أحمد سعد، ومي فاروق، ومروة ناجي، فأعلنوا جميعاً عدم مشاركتهم في فعاليات الدورة الرابعة والثلاثين، تلك الدورة التي تحمل اسماً غالياً هو أمير الغناء العربي هاني شاكر.
فكيف تُكرّم هاني شاكر وتهين رفاقه؟ وكيف ترفع اسماً وتخفض أسماءً صنعت المجد معه؟
إنها ليست اعتذارات متفرقة، بل هي استقالةٌ جماعيةٌ من مشهدٍ فقد بوصلته. هي شهادةُ حقٍ بأن الفن المصري لا يُشترى بثمنٍ بخس، ولا يُقاد بميزانيةٍ عجفاء، وأن كرامة الفنان فوق كل مهرجان، وفوق كل مسمى.
فإذا أُهين الفن فأول من يغضب هم كبارُه، وإذا استُخفّ بالتاريخ فأول من ينتفض هم صُنّاعُه.
إن الفن المصري لم يكن يوماً فائض ميزانية، بل هو رأس مال الأمة.. هو الذي فتح أبواب المهرجانات، وهو الذي صنع اسم المهرجان نفسه. فكيف نرضى أن يُعامل فنانيه معاملة الصف الثاني؟
إن كرامة الفنان من كرامة الوطن، ومن لا يحترم فن بلاده لا يستحق أن يدير مهرجاناً باسمها.
أيها السادة، إن الفن المصرى ليس نغمة عابرة، بل هو حضارة تغنى. هو أم كلثوم وعبد الوهاب، هو حليم ومحمد فوزى، هو على الحجار ومحمد ثروت، هو تراث تليد ومجد مجيد، هو من علم الدنيا كيف يكون النغم رسالة، وكيف يكون اللحن هوية.
فمن أراد أن يدير مهرجانا للموسيقى العربية، فليعلم أن العربية تبدأ من مصر، وتنتهى فى مصر، وما بينهما فهو أمتداد لضوئها.
لقد أنسحب محمد ثروت فقال بفعله ما عجزت عنه المقالات: صونوا فنكم يصنكم، واحترموا تاريخكم يحترمكم الناس. سلام على صوت عرف قدر نفسه، فعرفت الأمة قدره.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
