الجمعة , 2 أكتوبر 2026

بسيونى الحلوانى يكتب.. لم يجن العرب من نزاعاتهم المسلحة سوى الدمار والخراب

:

هناك حروب كثيرة عرفها التاريخ، بعضها اندلع دفاعا عن الأرض، وبعضها كان نتيجة صراع على النفوذ أو الموارد أو الحدود، وبعضها الآخر كان امتدادا لصراعات دولية كبرى.
لكن تظل هناك حروب أكثر قسوة من غيرها، ليس لأنها الأكثر دموية فقط، وإنما لأنها تقع بين أبناء المنطقة الواحدة، أو الدولة الواحدة الذين تجمعهم اللغة والتاريخ والثقافة والمصالح والدين والجغرافيا، ثم يتحولون فجأة إلى أعداء، ويبدأ كل طرف في استنزاف الطرف الآخر، وكأن المطلوب في النهاية ألا يبقى من الوطن إلا أطلاله.
لهذا فإن الحروب العربية–العربية تظل واحدة من أحقر مخططات التدمير؛ لأنها لا تهدم مباني ومدنا فقط، وإنما تهدم الثقة بين الشعوب، وتستنزف ثروات الدول، وتبدد مستقبل أجيال كاملة، وتمنح القوى الخارجية فرصة للتدخل وصناعة النفوذ فوق أنقاض الدول المنهكة.
ليس المقصود هنا القول إن كل حرب عربية اندلعت كانت نتيجة مؤامرة خارجية بالمعنى المباشر، فالتاريخ أكثر تعقيدا من ذلك.. فهناك صراعات نشأت من خلافات سياسية حقيقية، أو أطماع في السلطة، أو نزاعات حدودية، أو انقسامات داخلية، ثم جاءت التدخلات الخارجية لتزيد النار اشتعالا وتحول الأزمة إلى صراع أطول وأكثر تعقيدا.
والنتيجة في معظم الأحوال واحدة: العرب يدفعون الثمن، وغيرهم يملك أوراق التأثير.


لقد كان إنشاء جامعة الدول العربية عام 1945 تعبيرا عن حلم عربي بالتعاون والتنسيق بين الدول العربية، وكان ميثاق الجامعة يستهدف التعاون بين أعضائها في مجالات عديدة، كما نص على السعي إلى تسوية النزاعات بين الدول الأعضاء بالوسائل السلمية.
لكن الواقع السياسي العربي سرعان ما كشف عن حجم الخلافات التي تفصل بين الحكومات العربية.. فقد شهدت المنطقة حروبا وصراعات بين دول عربية، كما شهدت حروبا أهلية تحولت إلى ساحات لتدخل دول عربية وغير عربية.
ومن اليمن في ستينيات القرن الماضي، حيث تحول الصراع الداخلي إلى مواجهة بالوكالة بين قوى إقليمية، إلى الحرب العراقية–الإيرانية التي استنزفت العراق وإيران لسنوات، ثم الغزو العراقي للكويت عام 1990 وما ترتب عليه من حرب دولية مدمرة، وصولا إلى الصراعات في سوريا وليبيا واليمن والسودان، تبدو المنطقة وكأنها لم تمنح نفسها فرصة كافية للتفرغ للبناء.
من أكثر الأمثلة قسوة الغزو العراقي للكويت عام 1990.
كان الخلاف يمكن أن يبحث سياسيا ودبلوماسيا، وكان يمكن للعلاقات العربية أن توفر مساحات أوسع للوساطة والحوار.
لكن دخول القوات العراقية إلى الكويت فتح الباب أمام حرب كبرى، ثم جاء حصار طويل، وبعد ذلك حرب أخرى عام 2003، ثم سنوات من الاضطراب والعنف والإرهاب والتدخلات الخارجية.
لم تكن النتيجة مجرد خسارة عسكرية في معركة هنا أو هناك.
لقد تعرضت الدولة العراقية نفسها لسنوات طويلة من الاضطراب، وترك الصراع آثارا عميقة على المجتمع والاقتصاد والأمن، بينما تحولت الأراضي العراقية إلى ساحة لتنافس قوى إقليمية ودولية متعددة.
وهنا يجب أن نتوقف أمام الدرس الأهم:
حين تدخل دولة عربية في حرب ضد دولة عربية أخرى، فإن حدود المعركة لا تظل بالضرورة بين الجيشين… سرعان ما تمتد إلى المجتمع والاقتصاد والسياسة، وقد تتحول إلى أزمة إقليمية ودولية.
**وفي سوريا ظهر وجه آخر من وجوه المأساة، حيث بدأت الاحتجاجات عام 2011، ثم تحولت إلى حرب واسعة ومعقدة شاركت فيها قوى محلية وإقليمية ودولية متعددة.. ومع مرور السنوات لم يعد الصراع مجرد مواجهة داخلية بين الحكومة ومعارضيها، وإنما أصبح ساحة تتقاطع فيها مصالح دول وقوى وجماعات مسلحة مختلفة، والثمن كان فادحا..مدن دمرت، وملايين السوريين نزحوا أو أصبحوا لاجئين، واقتصاد تعرض لانهيار شديد، وأجيال كاملة عاشت سنوات من الخوف والحرمان.
وهنا تكمن خطورة الحروب الأهلية العربية فهى كارثة حقيقية عانت وتعانى منها عدة دول عربية.
قد يبدأ الصراع بسبب مشكلة داخلية، لكنه عندما يتحول إلى ساحة مفتوحة أمام القوى الخارجية يصبح الخروج منه أصعب بكثير.
**اليمن نموذج آخر لا يمكن تجاهله.
الصراع اليمني تحول إلى أزمة عسكرية وإنسانية شديدة التعقيد، مع تدخل تحالف تقوده السعودية في مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران، وفق مصادر دولية، بينما ظل المدنيون في قلب الكارثة الإنسانية.
وهنا يظهر السؤال المؤلم:
ماذا بقي لليمني البسيط من كل هذه الصراعات؟
هو يريد بيتا آمنا، وطريقا مفتوحا، ومدرسة لأطفاله، ومستشفى يجد فيه العلاج، وفرصة عمل تكفيه.
لا يريد أن يكون جزءا من صراع إقليمي لا يملك قرار إشعاله ولا قرار إيقافه.
**وفي ليبيا، أدى سقوط نظام القذافي عام 2011 إلى فراغ سياسي وأمني عميق، ثم انقسمت البلاد بين حكومات وقوى مسلحة متنافسة، بينما ظل النفط والثروة ومؤسسات الدولة جزءا من الصراع.
وقد شهدت ليبيا وقفا واسعا للقتال عام 2020، لكن الانقسام السياسي ظل قائما، واستمر الخلاف حول الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة.
ولم تنتصر ليبيا فالانتصار الحقيقي في أي صراع سياسي ليس أن يهزم طرف خصمه، وإنما أن تخرج الدولة أكثر قوة واستقرارا، وأن يستطيع المواطن أن يعيش بأمان وكرامة.
وفي السودان تتكرر المأساة بصورة شديدة القسوة.
الصراع بين القوى المسلحة أدى إلى أزمة إنسانية واسعة، ونزوح أعداد ضخمة من المدنيين، وتدمير في البنية الأساسية، وتهديد لمستقبل الدولة نفسها.
وعندما يصل الصراع إلى مرحلة يصبح فيها المواطن مضطرا إلى ترك بيته ومدينته ووطنه بحثا عن مكان آمن، فإننا لا نستطيع أن نتحدث عن “انتصار” بالمعنى الحقيقي.
فالوطن الذي يفقد أبناءه وموارده واستقراره هو الخاسر الأكبر.


وهنا نصل إلى السؤال الأكثر أهمية:

ماذا جنى العرب من حروبهم المدمرة؟

ربما تختلف الإجابة من حرب إلى أخرى، لكن المؤكد أن المواطن العربي هو الخاسر الأكبر.
b_halawany@hotmail.com

شاهد أيضاً

عبد المحسن سلامة يكتب.. آخر يوم!

نتمنى ألا يكون اليوم الأربعاء الموافق 30 سبتمبر هو آخر أيام المهلة التى حددتها وزارة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *