السبت , 3 أكتوبر 2026

شحاته زكريا يكتب.. كلنا أونلاين.. فمن أين جاءت هذه الوحدة؟


إذا أردت أن ترى مشهدا مكثفا لغرابة العصر فلا تذهب بعيدا فقط تأمل مقهى مزدحما في قلب المدينة عند المساء. عشرات الطاولات المتراصة مقاعد متلاصقة تكاد تتلامس فيها الأكتاف وصوت موسيقى خافت يختلط بهدير الشارع. لكن المشهد الصامت خلف هذه الحركة هو الحقيقة الصادمة: رؤوس منحنية بزوايا متطابقة وجوه مغسولة بضوء أزرق شاحب ينبعث من شاشات زجاجية مستطيلة وأصابع تتحرك بخفة ورشاقة على أسطح ملساء. أجساد تشترك في حيز هوائي واحد لكن كل كائن منها معلّق في مدار كوني منعزل. نحن حاضرون جسديا.بكثافة لم يشهدها التاريخ ومزدحمون بالأرقام والتنبيهات لكن المسافة بين قلب وآخر على الطاولة الواحدة أصبحت أطول من المسافة بين قارتين هذه هي المفارقة الكبرى التي تصفع إنسان هذا الزمان كيف أمكن لعالم يتباهى بأنه شبكة اتصالات عملاقة واحدة أن ينتج هذا القدر المخيف من الوحشة والانكسار؟ لقد قيل لنا في مطلع الألفية إن التقنية ستجمع شتات البشر وإن الكوكب سيتحول إلى قرية صغيرة دافئة تتسع للجميع. صدقنا النبوءة بحسن نية وفتحنا أبواب بيوتنا وغرف نومنا للشاشات فإذا بنا نكتشف متأخرين أن القرية الموعودة لم تكن سوى غابة إسمنتية افتراضية ضخمة وباردة ومكتظة بأناس يركضون في كل اتجاه دون أن يلتفت أحدهم إلى الآخر. أصبح لكل منا مئات وربما آلاف الأصدقاء بضغطة زر وصار بإمكاننا إرسال رسالة إلى الطرف الآخر من الأرض في أجزاء من الثانية. ومع ذلك يجد أحدنا نفسه في ليلة شاتية يغالب وجعا خفيا في صدره يقلب قائمة محادثاته الممتدة إلى ما لا نهاية فلا يعثر بين مئات الأسماء على شخص واحد يجرؤ أن يكتب له دون تردد: أنا لست بخير هل أستطيع أن أسمع صوتك؟ السر في هذا الخواء يكمن في الخلط المأساوي بين مفهومين شاسعي الفرق الاتصال والتواصل الشبكات الافتراضية أهدتنا وسيلة مذهلة للاتصال وهي عملية تقنية بحتة تقوم على نقل الحروف والأصوات ومقاطع الفيديو بأعلى سرعة وأقل كلفة. لكن التواصل مسألة إنسانية بالغة التعقيد والعمق إنه يحتاج إلى نظرة عين صادقة تقرأ ما وراء الكلام وتنهيدة مسموعة تكشف ثقل الهم وارتجافة يد تبحث عن طمأنينة وسكوت مريح بين صديقين لا يفسده الحرج الشاشات ألغت هذا الدفء كله واستبدلته برموز تعبيرية بليدة إيموجي أصبحنا نضع وجها يضحك باكيا ونحن في قمة التعاسة ونرسل قلبا أحمر لشخص بالكاد نطيق اسمه.ونهنئ بالعزاء بكلمات مقتضبة ننسخها ونلصقها في ثوان لنبرئ ذمتنا من عناء الزيارة والجلوس بجوار المكلوم ومواساته بكتف صلبة. لقد حولنا العلاقات من كائن حي يتنفس ويتغذى على الوجود والاهتمام إلى بيانات رقمية تخضع لحسابات الخوارزميات وسياسات التفاعل ومع الوقت تحول الإنسان في الفضاء الرقمي من كائن يبحث عن الألفة إلى بائع يعرض بضاعته. أصبحنا نحيا تحت سوط المقارنة الدائمة نتصفح يوميات الآخرين المصقولة بعناية سفرياتهم المنتقاة مائدات طعامهم الفاخرة ضحكاتهم التي تبدو مستمرة وإنجازاتهم التي لا تنقطع فننسى أن ما نراه ليس سوى إعلان ترويجي لحياة معقدة لا تختلف في جوهرها عن حياتنا المليئة بالضعف والتعثر. هذا الاستعراض الدائم جعلنا نشعر بالدونية المزمنة وربى في أعماقنا عزلة قسرية فالمرء حين يشعر أن واقعه رمادي وباهت مقارنة بما يعرض أمامه ينكفئ على نفسه ويتحول من مشارك حقيقي في الحياة إلى مجرد متفرج صامت يراقب حفلا لا يد له فيه في ثقافتنا وقيمنا الأصيلة لم تكن العلاقات أرقاما تُرصد في رصيد المتابعين بل كانت حقوقا وصلات. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم على رجل لم ينزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها وإذا التفت إلى جليسه التفت إليه بكليته لا بطرف عينه. كان الوجود الإنساني مقدسا والجلوس مع الناس عبادة يقصد بها جبر الخواطر وإدخال السرور على القلوب أين هذا المعنى النبيل الرقيق من واقعنا اليوم حين يجلس الأب بين أبنائه غائبا في هاتفه وحين تلتقي الصديقات ليصورن فناجين القهوة ثم يقضين الساعتين في قراءة تعليقات الغرباء على الصورة دون أن تتبادل اثنتان منهما حديثا يمس جوهر الروح؟ لقد استبدلنا بالصلة الأرقام وبالدفء الإضاءة وبالأنس الحقيقي وهما كبيرا أسميناه المتابعة إن علاج هذه الوحشة الحديثة لن يأتي بتحديث جديد لتطبيق مراسلة ولا باقتناء هاتف ذكي أكثر تطورا بل يبدأ بقرار شجاع باستعادة إنسانيتنا المستلبة. نحتاج أن ندرك أننا نتضور جوعا إلى الحضور الواقعي. نحتاج أن نضع الشاشات جانبا حين نلتقي بمن نحب وأن ننظر في عيونهم طويلا وأن نستمع إليهم دون عجلة ودون أن تقاطعنا رنة إشعار سخيف يطلب منا قراءة خبر تافه نحتاج أن نستعيد فضيلة الزيارة التي تُبذل فيها الخطى والمكالمة الصوتية التي تسمع فيها نبرة القلب والجلوس الهادئ الذي لا كاميرا توثقه ولا جمهور يصفق له. فالعمر أقصر بكثير من أن نقضيه كأشباح رقمية تتغذى على وهم الشهرة وتقتات على الإعجابات العابرة. وإذا كان العالم كله قد اختار أن يكون أونلاين فربما كانت أعظم خطوة نخطوها لإنقاذ أنفسنا من هذا الصقيع هي أن نطفئ هواتفنا قليلا. . لنعود أحياء.

شاهد أيضاً

​سيد الرشيدي يكتب.. هوازن.. سدنة الفصاحة وجمرة القيسية

​شاع بين قبائل العرب ومؤرخيها أن الجبال لا تُقاس بارتفاع قممها فحسب، بل بعروقها الممتدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *