لم تعد الخرائط في زمن الصراعات الكبرى مجرد أدوات لتحديد المواقع والحدود، وإنما أصبحت في كثير من الأحيان جزءًا من لغة السياسة نفسها؛ فالخط الذي يُرسم، والاسم الذي يُكتب، والمنطقة التي تظهر أو تختفي، يمكن أن تحمل جميعها رسائل تتجاوز الجغرافيا إلى موازين القوة والنفوذ.
ومن هذا المنظور، تكتسب الخريطة التي نشرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مضيق هرمز أهمية سياسية خاصة، بعدما وُسمت المنطقة بعبارة «أرض أمريكية جديدة». وقد ثبت أن ترامب نشر الخريطة عبر حسابه على «تروث سوشيال» في 18 أغسطس 2026، كما أعاد الحساب الرسمي للبيت الأبيض نشر صورة منها.
غير أن اللافت في هذه الخريطة ليس فقط العبارة التي أطلقت على مضيق هرمز، وإنما أيضًا عدم ظهور البحرين بصورة واضحة ضمن الخريطة، وهو أمر يكتسب حساسية خاصة بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للمملكة في منظومة الأمن الخليجي، وارتباطها الوثيق بالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
الجغرافيا تتحول إلى رسالة سياسية
لا يمكن فصل خريطة هرمز عن الخطاب السياسي الذي سبقها. ففي يوليو 2026 تحدث ترامب عن أن الولايات المتحدة ستصبح «حارسة» لمضيق هرمز، بل تحدث عن تولي الولايات المتحدة مسؤولية حماية الملاحة وفرض ترتيبات مالية مرتبطة بذلك، قبل أن تتغير صيغة المقترح لاحقًا إلى ترتيبات استثمارية مع دول الخليج.
وبالتالي، فإن نشر خريطة تحمل عبارة «أرض أمريكية جديدة» لا يبدو مجرد اختيار جمالي أو تقني للصورة، بل يأتي في سياق خطاب أمريكي أوسع يسعى إلى إبراز الدور الأمريكي باعتباره عنصرًا مركزيًا في أمن المضيق وحركة الملاحة عبره.
وهنا تصبح الخريطة جزءًا من سياسة النفوذ؛ فالسياسة لا تُمارس فقط عبر الاتفاقيات والقواعد العسكرية والتصريحات الرسمية، وإنما أيضًا عبر الرموز والصور والخرائط التي تصنع تصورًا معينًا عن صاحب القوة والقدرة على التحكم.
البحرين.. لماذا يلفت غيابها الانتباه؟
تزداد حساسية الأمر عندما يتعلق بالبحرين تحديدًا. فالمملكة ليست مجرد دولة خليجية تقع بالقرب من مسرح الأحداث، وإنما ترتبط بالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وتستضيف مقر الأسطول الخامس الأمريكي. وقد ظهر ذلك بوضوح خلال التصعيد الإقليمي في يوليو 2026، عندما تعرضت البحرين لهجمات إيرانية، في وقت كان الوجود العسكري الأمريكي فيها جزءًا من الحسابات العسكرية للصراع.
ومن ثم، فإن غياب البحرين عن تمثيل الخريطة يثير سؤالًا مشروعًا: هل هو مجرد خطأ جغرافي، أم أن وراءه رسالة سياسية؟
الإجابة الدقيقة تقتضي عدم القفز إلى الاستنتاج الثاني دون دليل.
فالخريطة نفسها ليست خريطة ترسيم حدود رسمية؛ بل إن نطاق المنطقة التي جرى تمييزها امتد بصريًا إلى مناطق ترتبط بسواحل إيران وعُمان والإمارات، الأمر الذي يؤكد أنها لا تتعامل مع الحدود السياسية وفق المعايير الكارتوغرافية الدقيقة. وقد وصفت التغطيات الخريطة بأنها تصور المضيق والمنطقة المحيطة به باعتبارها «أرضًا أمريكية جديدة»، من دون أن تكون وثيقة قانونية لترسيم الحدود.
ثلاثة تفسيرات محتملة
يمكن قراءة غياب البحرين من ثلاثة مستويات.
المستوى الأول: الخطأ الفني.
قد يكون الأمر نتيجة تصميم غير دقيق للخريطة أو استخدام صورة ذات نطاق جغرافي لا يهدف أصلًا إلى إظهار جميع دول الخليج وحدودها السياسية.
المستوى الثاني: الاختزال الدعائي.
قد يكون الهدف من الخريطة ليس تقديم صورة جغرافية كاملة، وإنما تركيز الانتباه على مضيق هرمز باعتباره نقطة استراتيجية تريد واشنطن إظهار قدرتها على السيطرة الأمنية عليها.
المستوى الثالث: الرسالة السياسية.
لا يمكن استبعاد احتمال أن يكون اختيار العناصر الظاهرة والمختفية في الخريطة جزءًا من خطاب رمزي أوسع حول إعادة تشكيل منظومة الأمن والنفوذ في الخليج.
لكن الفارق مهم بين القول إن الاحتمال موجود وبين القول إن القصد ثابت. فلا توجد، حتى الآن، قرينة موثوقة تسمح بالجزم بأن تغييب البحرين كان رسالة أمريكية مقصودة ضد سيادتها أو مكانتها السياسية.
من «حماية الملاحة» إلى «إدارة المضيق»
المسألة الأهم في الخريطة، في تقديري، لا تكمن في البحرين وحدها، وإنما في التحول الذي تعكسه لغة الخطاب الأمريكي تجاه مضيق هرمز.
فحين تتحدث واشنطن عن حماية الملاحة الدولية، فإنها تتحرك ضمن مفهوم أمني معروف يتعلق بحرية الملاحة وتأمين حركة التجارة الدولية. أما عندما تستخدم لغة مثل «أرض أمريكية جديدة» أو تتحدث عن أن الولايات المتحدة ستصبح «حارسة» للمضيق، فإن الخطاب ينتقل إلى مستوى آخر، هو مستوى إظهار السيطرة والنفوذ.
وهذا التحول مهم للغاية؛ لأن مضيق هرمز ليس منطقة يمكن لدولة واحدة أن تعيد تعريف وضعها القانوني بقرار أحادي. فهو ممر بحري دولي تحكمه قواعد القانون الدولي للملاحة، كما أن موقعه يرتبط مباشرة بالسواحل الإيرانية والعُمانية.
ومن هنا فإن أي خطاب يوحي بأن القوة العسكرية يمكن أن تتحول إلى أساس لإعادة تعريف الوضع السياسي للممر يثير أسئلة تتجاوز الأزمة الحالية إلى مستقبل النظام الأمني والقانوني في الخليج.
الخريطة رسالة إلى من؟
يمكن أن تكون الرسالة موجهة إلى أكثر من طرف في الوقت نفسه.
إلى إيران: لإظهار أن الولايات المتحدة لا تريد التعامل مع هرمز باعتباره ورقة ضغط إيرانية منفردة. إلى دول الخليج: للتأكيد على أن واشنطن تعتبر أمن الممرات البحرية جزءًا من منظومة النفوذ الأمريكي، وأن وجودها العسكري سيظل عنصرًا أساسيًا في معادلات الأمن الإقليمي.
إلى المجتمع الدولي: لتقديم الولايات المتحدة باعتبارها القوة القادرة على إعادة فتح وتأمين واحد من أهم ممرات الطاقة والتجارة في العالم.
واللافت أن التطورات اللاحقة أكدت استمرار مركزية المضيق في الأزمة الإقليمية؛ فقد ظل فتحه وإدارته جزءًا من المفاوضات والضغوط بين واشنطن وطهران خلال سبتمبر 2026.
البحرين بين الجغرافيا والأمن
أما البحرين، فإن وضعها في هذه المعادلة يجعل تجاهلها بصريًا في خريطة مرتبطة بأمن هرمز أمرًا يستحق الملاحظة، لكنه لا يسمح وحده ببناء استنتاج سياسي حاسم.
فالبحرين، بحكم موقعها وعلاقتها بالوجود العسكري الأمريكي، تمثل إحدى نقاط الارتكاز في منظومة الأمن الخليجي. ولذلك فإن أي إعادة صياغة أمريكية لمعادلات الأمن في الخليج سيكون من الصعب فصلها عمليًا عن موقع البحرين.
لكن الخريطة لا تغير الحدود، والصورة لا تنشئ سيادة، والمنشور السياسي لا يمثل في حد ذاته وثيقة قانونية دولية. ومن ثم، فإن القراءة الأكثر اتزانًا هي أن غياب البحرين يمكن أن يكون ذا دلالة رمزية محتملة، لكنه لا يمثل دليلًا كافيًا على وجود سياسة أمريكية تستهدف وضع البحرين أو سيادتها.
الخريطة كمرآة لموازين القوة
في النهاية، ربما يكون السؤال الأهم ليس: لماذا اختفت البحرين من الخريطة؟
وإنما: لماذا أصبحت الخريطة نفسها جزءًا من الخطاب السياسي حول مضيق هرمز؟
الإجابة تكمن في أن الصراع لم يعد يدور فقط حول الممر المائي، وإنما حول من يملك القدرة على التحكم في أمنه، ومن يحدد قواعد المرور فيه، ومن يستطيع تحويل القوة العسكرية إلى نفوذ سياسي. ومن هذه الزاوية، فإن خريطة ترامب تمثل مثالًا واضحًا على «سياسة الخرائط»؛ أي استخدام التمثيل الجغرافي لصناعة صورة ذهنية عن النفوذ والقوة، حتى عندما لا تكون الصورة وثيقة قانونية أو خريطة ترسيم رسمية. ولذلك فإن تغييب البحرين قد يكون خطأ فنيًا، وقد يكون اختزالًا بصريًا، وقد يحمل دلالة رمزية؛ لكن لا يمكن الجزم بالنية من الخريطة وحدها.
أما الرسالة الأوضح التي يمكن قراءتها من الخريطة في سياق التصريحات الأمريكية المصاحبة لها، فهي أن واشنطن تريد أن تظهر باعتبارها قوة قادرة على التأثير في مستقبل مضيق هرمز، لا مجرد طرف يقوم بدور الحراسة المؤقتة للملاحة فيه.
وهنا تكمن أهمية الخريطة: فهي لا ترسم حدودًا جديدة بقدر ما تحاول أن ترسم، في الوعي السياسي، صورة جديدة لموازين القوة في الخليج.–
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
