الأحد , 4 أكتوبر 2026

المسرحي السوداني عمر الحاج يكتب .. مسرح الشتات شغف باهظ التكلفة


في مسرح الشتات ، لا يعمل الفنان في بيئة مستقرة؛ تتداخل العملية الفنية مع شروط الحياة والعمل والمسافة والمكان، حتى تصبح الإجابة عن سؤال بسيط كـ”متى نتدرب؟” جزءاً من اقتصاد الإنتاج نفسه، لا تفصيلاً تنظيمياً هامشياً.
من واقع التجربة، تبدأ الصعوبة من اللحظة التي ينتهي فيها الكاتب من النص. فالممثل ليس متفرغاً دائماً؛ بعضهم لديه عمل والتزامات معيشية بعيدة عن مكان البروفة، فتبدأ الفرقة بأربع أو خمس بروفات أسبوعياً ثم تتقلص إلى اثنتين، ويغيب أحد الممثلين أسبوعاً كاملاً فتتوقف مشاهد كاملة. وقد تتوقف المسرحية قبل أن تولد، لا لأن فكرتها فشلت، بل لأن شروط الحياة أصبحت أقوى من جدول البروفة.
ثم هناك كلفة البروفة نفسها: مواصلات، وضيافة، ومستلزمات صغيرة تتراكم مع الوقت إلى جزء حقيقي من الميزانية. وفي غياب مكان مخصص، تتحول صالة شقة أو غرفة ضيقة إلى “مسرح” مؤقت، رغم أن الممثل يحتاج إلى فضاء حقيقي يتحرك فيه ويخطئ ويكتشف علاقته به. وهنا تظهر واحدة من أهم التكاليف غير المرئية، الفنان لا يموّل العرض بماله فقط، بل بوقته وعلاقاته وصداقاته — صديق يوفر سيارة، وآخر يتنازل عن أجره، وثالث يفتح مكاناً بلا مقابل.
هذه التجربة الشخصية ليست استثناءً، بل مدخلاً لفهم مفارقة اقتصادية أعمق يقوم عليها المسرح كفن.
فالمسرح فن جماعي يعتمد على العمل البشري المباشر، ولذلك يصعب رفع إنتاجيته كما تفعل الصناعات الأخرى. في دراستهما الشهيرة عام 1966، طرح الاقتصاديان ويليام باومول وويليام بوين ما عُرف بـ«مرض التكلفة»: بعض الفنون الحية تواجه صعوبة بنيوية في خفض تكاليفها، لأن المشهد الذي يحتاج خمسة ممثلين لا يمكن اختصاره إلى اثنين لمجرد توفير المال، والمسرحية التي تحتاج شهرين من البروفات لا تصبح بجودة نفسها في أسبوع. المسرح يقوم على الإنسان، ولذلك تبقى كلفة العمل البشري حاضرة مهما تطورت التقنيات من حوله.
وفي مسرح الشتات تظهر مفارقة أخرى أكثر تحديداً العرض الذي يُنتج للمهرجان ليس بالضرورة العرض نفسه الذي يُقدَّم للجمهور. فالمهرجان قد يسمح بفضاء مفتوح أو تجهيزات محدودة، لكن العرض الجماهيري يحتاج إلى العلبة الإيطالية، وصوتاً وإضاءة مختلفين، وديكوراً أكثر ملاءمة، لأن زاوية رؤية الجمهور ومسافة المشاهدة تختلفان تماماً. وبذلك يصبح الانتقال من عرض المهرجان إلى العرض الجماهيري انتقالاً اقتصادياً، لا فنياً فقط. وقد تستطيع الفرقة إنتاج عرض واحد، لكنها تعجز عن تحمل تكلفة إنتاجه مرة ثانية، لأن تكلفة العرض الأول ليست بالضرورة تكلفة استمراره. وهذا يطرح السؤال الأهم
هل نموّل إنتاج مسرحية واحدة، أم نموّل حياة المسرحية؟
وإذا انتقل العرض إلى خارج المدينة أو الدولة، تضاف تكاليف السفر والإقامة وشحن المعدات، وقد تتجاوز قدرة الفرقة نفسها. وهنا تظهر دائرة دعم أخرى: صديق يساهم في تذكرة، وصاحب مكان يتيح مساحته، وجمهور يسأل بعد العرض كيف نستطيع مساعدتكم؟ هذه “شراكات ذكية” لا تقوم على المال وحده، بل على معرفة الحاجة الحقيقية للمشروع. لكن الحب وحده يستطيع أن يبدأ تجربة، ولا يضمن دائماً استمرارها؛ فالصديق ينقذ بروفة، لكن ماذا عن العرض الثاني والثالث؟ إذا ظل الإنتاج قائماً على تدخلات فردية متفرقة، يصبح استمرار التجربة مرتبطاً بقدرة من حولها على الاستمرار في العطاء، وهذا في حد ذاته هشاشة اقتصادية.
لذلك فالتحدي ليس إلغاء دور الأصدقاء، بل تحويل هذه الطاقة من مبادرات متفرقة إلى شراكات منظمة صندوق سنوي للبروفات بدل تكلفة عرض واحد، برنامج نقل جماعي بدل سيارة في يوم واحد. وهذا لا يلغي دور المؤسسات؛ فالمؤسسة الرسمية توفر البنية والمنح والاستمرارية التي لا يملكها الدعم الفردي مهما كانت مرونته. فالسؤال ليس من هو الأفضل، المؤسسة أم الصديق؟ بل: كيف تتكامل هذه الدوائر — مؤسسة توفر الاستمرارية، وداعمون أفراد يوفرون المرونة، وجمهور يرى نفسه شريكاً لا مستهلكاً فقط
وهنا يمكن الاستفادة من مفهوم غروتوفسكي عن “المسرح الفقير”، مع تمييز أساسي هناك مسرح يقلل عناصره اختياراً جمالياً، وهناك مسرح يقلل عناصره لأنه لا يملك المال، والفرق بينهما كبير. المطلوب ليس تحميل الفنان مزيداً من التضحية، بل بناء اقتصاد ذكي يسأل قبل الإنفاق هل نحتاج هذا العنصر فعلاً؟ هل يمكن إعادة استخدامه في عرض آخر؟ بحيث تبدأ الفرقة من كتابة المشروع بالتفكير في أكثر من ميزانية — ميزانية البروفة، والإنتاج الأول، والمشاركة، وإعادة العرض — لأن كثيراً من المشاريع تصل إلى الستارة الأولى ولا تملك ما يكفي للوصول إلى الثانية.
فاقتصاد المسرح ليس سؤال تمويل فقط، بل اقتصاد وقت وعمل وعلاقات وثقة ممثل يدفع من وقته، ومخرج من طاقته، وكاتب من أشهر عمره، وصديق من سيارته، ومؤسسة تضع المال في المكان الذي يجعل كل هذه الجهود قابلة للاستمرار. لذلك فالميزانية الحقيقية للمسرحية أكبر بكثير من الرقم المكتوب في ملف الإنتاج.
بين الفكرة والستارة المرفوعة، هناك اقتصاد كامل يعمل في الظل، وفي مسرح الشتات يكون أكثر هشاشة، لكنه يكشف أيضاً عن طاقة إنسانية قابلة لأن تتحول من تضامن مؤقت إلى نظام شراكات يجعل المسرح قادراً على أن يعيش، لا أن يولد مرة واحدة فقط. فمستقبل المسرح لا يُقاس بعدد العروض التي رأت النور، بل بعدد التجارب التي استطاعت أن تعود إلى الجمهور مرة أخرى. وبعد نهاية كل عرض او مشاركة لمسرح الشتات ، يكسر دائرة الشغف سؤال جوهري
من سيدفع ثمن العرض القادم؟

شاهد أيضاً

محمد فرج يظهر في الإمارات ويكشف تفاصيل جديدة عن رحلته ومشواره

كتب عادل إبراهيم فاجأ التيك توكر المصري محمد فرج متابعيه بظهوره في دولة الإمارات، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *