ولا سيما الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، بالتوازي مع الحرب الروسية الأوكرانية، فيمكن فهم الموقف المصري من خلال مفهوم رئيسي هو: إدارة التوازنات بدل الانخراط في الاستقطاب.
1. مصر اختارت «التوازن الاستراتيجي»
الموقف المصري المعلن يقوم على الحفاظ على علاقات متعددة الاتجاهات مع الولايات المتحدة وروسيا والدول الأوروبية والدول العربية، مع تجنب الانضمام إلى محور عسكري ضد محور آخر. وقد وصف وزير الخارجية المصري في يوليو 2026 السياسة الخارجية المصرية بأنها قائمة على «التوازن الاستراتيجي»، وعلى احترام القانون الدولي والسيادة وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية. الهيئة العامة للاستعلامات
وهذا مهم؛ لأن موقع مصر الجغرافي ومصالحها الاقتصادية والأمنية يجعل الانحياز الكامل إلى أي طرف في الصراعات الدولية مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا.
2. في الحرب الإيرانية ـ الإسرائيلية ـ الأمريكية: التحرك قبل اتساع نطاق الحرب
تعاملت القاهرة مع التصعيد باعتباره خطرًا يتجاوز أطراف الحرب المباشرة، لأن امتداد الحرب إلى الخليج أو البحر الأحمر أو مضيق هرمز يمكن أن يؤثر مباشرة في الأمن المصري وحركة التجارة والطاقة.
ولهذا ركزت مصر على ثلاثة مسارات متوازية:
– دعم أمن دول الخليج ومنع اتساع دائرة الصراع.
– الدفع باتجاه التفاوض والتهدئة.
– الحفاظ على قدر من التنسيق العربي لمنع تحول المنطقة إلى ساحات متصارعة بالكامل. الهيئة العامة للاستعلامات
وفي يونيو 2026، أكدت مصر ضرورة التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لمعالجة الملفات العالقة، ومن بينها الملف النووي وحرية الملاحة في مضيق هرمز، باعتبار أن ذلك يحد من المخاطر الأمنية والاقتصادية على المنطقة. الهيئة العامة للاستعلامات
ثم رحبت القاهرة في 15 يونيو بالاتفاق الأمريكي الإيراني، معتبرة أن نجاح المسار الدبلوماسي يمكن أن يفتح الطريق أمام خفض التصعيد الإقليمي. الهيئة العامة للاستعلامات
3. مصر لم تتعامل مع إيران باعتبارها خصمًا مطلقًا
هذه نقطة شديدة الأهمية في فهم السياسة المصرية.
مصر تستطيع أن تختلف مع السياسات الإيرانية في ملفات إقليمية مختلفة، لكنها في الوقت نفسه لا تتعامل مع إيران باعتبار أن قطع قنوات الاتصال معها هو الحل.
وفي المقابل، تحتفظ مصر بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة ودول الخليج وإسرائيل في إطار اتفاقية السلام والعلاقات الرسمية، ولذلك فإن سياستها تقوم على الفصل بين إدارة الخلافات وبين قطع العلاقات.
وهذا يمنح القاهرة مساحة للتحرك الدبلوماسي مع أطراف متعارضة.
4. الحرب الروسية ـ الأوكرانية: «التكيف» وليس الانحياز
الموقف المصري من الحرب الروسية الأوكرانية اتسم أيضًا بالحذر.
فمصر لديها علاقات استراتيجية مع روسيا، وفي الوقت نفسه علاقات سياسية واقتصادية وأمنية مهمة مع الولايات المتحدة وأوروبا، فضلًا عن علاقاتها مع أوكرانيا.
كما أن الحرب أثرت مباشرة في المصالح المصرية، خصوصًا في القمح والطاقة والسياحة وسلاسل الإمداد. وتصف الرؤية المصرية الرسمية هذا النهج بأنه محاولة للتكيف مع الأزمة وتقليل آثارها الاقتصادية مع الحفاظ على علاقات التعاون مع مختلف الأطراف. الهيئة العامة للاستعلامات
وفي أغسطس 2026، جدد وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بنظيره الروسي موقف مصر الداعم للتسوية السياسية للأزمة الروسية الأوكرانية. الهيئة العامة للاستعلامات
وفي الوقت نفسه، تستمر المصالح المصرية الروسية في ملفات اقتصادية واستراتيجية، ومنها مشروع محطة الضبعة النووية، إضافة إلى التعاون في الحبوب والطاقة. الهيئة العامة للاستعلامات
5. العامل الاقتصادي أصبح جزءًا من الأمن القومي
لا يمكن فهم السياسة المصرية تجاه هذه الحروب من الجانب العسكري والدبلوماسي فقط.
الحرب الروسية الأوكرانية أظهرت مدى ارتباط الأمن الغذائي المصري بالصراعات الدولية، بينما أظهرت الحرب الإيرانية تداعيات أخرى تتعلق بالطاقة والملاحة والاستثمار.
ففي 2026، أدى اضطراب أسواق الطاقة المرتبط بالصراع مع إيران إلى زيادة الضغوط على مصر، في الوقت الذي كانت فيه القاهرة تعمل على تأمين احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال بعقود طويلة الأجل لتقليل تعرضها لتقلبات الأسواق. Reuters
ومن هنا أصبح أمام السياسة المصرية هدف مزدوج:
منع انتقال الحرب إلى الأراضي المصرية، وتقليل تكلفة الحرب على الاقتصاد المصري.
6. قناة السويس جعلت مصر طرفًا متأثرًا وليس مجرد مراقب
موقع مصر يجعلها مرتبطة مباشرة بأمن الملاحة العالمية.
أي تصعيد في: الخليج → مضيق هرمز → بحر العرب → البحر الأحمر → قناة السويس
يمكن أن يتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية، وليس مجرد صراع عسكري إقليمي.
ولهذا تركز القاهرة على حرية الملاحة وأمن الممرات البحرية، لأن استقرارها يرتبط مباشرة بإيرادات قناة السويس والتجارة الدولية والأمن الاقتصادي المصري.
7. لماذا تستطيع مصر التحرك بين هذه الأطراف؟
لأن القاهرة تمتلك مجموعة من الأوراق السياسية المتداخلة:
أولًا: علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
ثانيًا: علاقاتها التاريخية والاستراتيجية مع روسيا.
ثالثًا: موقعها المركزي داخل النظام العربي.
رابعًا: علاقاتها مع دول الخليج.
خامسًا: موقعها الجغرافي على البحرين المتوسط والأحمر وقناة السويس.
سادسًا: خبرتها الطويلة في الوساطة والتفاوض، خصوصًا في القضية الفلسطينية.
ولهذا تستطيع مصر أن تتحدث مع أطراف لا تتحدث بالضرورة مع بعضها بالسهولة نفسها.
8. النتيجة: مصر تحاول تحويل الجغرافيا من عبء إلى ورقة قوة
يمكن تلخيص الاستراتيجية المصرية في المعادلة التالية:
لا تدخل الحرب إذا لم تكن طرفًا فيها، ولا تسمح للحرب بأن تصل إلى أمنك القومي، ولا تقطع جسورك مع أطراف الصراع، واستخدم علاقاتك المتعددة لدفع الأطراف نحو التفاوض.
وهذا لا يعني أن مصر تستطيع التحكم في نتائج هذه الحروب؛ فالقاهرة تتأثر مثل غيرها بتطورات أسعار الطاقة والغذاء والملاحة والاستثمار. لكن النهج المصري يهدف إلى تقليل الخسائر وتعظيم هامش الحركة الدبلوماسية.
وفي سبتمبر 2026، أكدت الخارجية المصرية مجددًا أن خفض التصعيد والحلول السياسية والحوار والتفاوض تمثل ركائز السياسة المصرية في التعامل مع الأزمات الدولية والإقليمية. الهيئة العامة للاستعلامات واللافت أن هذا النهج يربط بين الحربين بصورة مباشرة: فالحرب الروسية الأوكرانية دفعت مصر إلى تنويع مصادر الغذاء والطاقة والحفاظ على علاقات متعددة مع موسكو وواشنطن وأوروبا، بينما دفعتها الحرب الإيرانية إلى حماية الخليج والملاحة والطاقة ومنع انتقال الصراع إلى المجال العربي. لذلك يمكن قراءة السياسة المصرية باعتبارها سياسة إدارة مخاطر متعددة الجبهات، وليست مجرد سياسة رد فعل تجاه كل أزمة على حدة. يمكن فهم كيفية تعامل مصر مع هذه الصراعات باعتبارها استراتيجية لتقليل تكلفة الأزمات الخارجية وتحويل بعض تداعياتها إلى فرص، وليس باعتبار أن مصر تستطيع منع تأثير الحروب على اقتصادها.
اقتصاديًا: كيف تعاملت مصر مع الصراعات؟
1. تنويع الشركاء بدل الاعتماد على محور اقتصادي واحد
حافظت مصر على علاقاتها الاقتصادية مع روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج والصين، بما يقلل من مخاطر تعرض الاقتصاد المصري لضغوط طرف واحد.
وهذا ظهر بوضوح في استمرار التعاون مع روسيا في الطاقة النووية والغذاء والطاقة، وفي الوقت نفسه استمرار العلاقات الاقتصادية والاستثمارية مع أوروبا والولايات المتحدة ودول الخليج.
2. الحرب الروسية الأوكرانية: حماية الأمن الغذائي
كانت الحبوب من أكثر الملفات حساسية بالنسبة لمصر؛ لأن روسيا وأوكرانيا كانتا من أهم مصادر القمح عالميًا.
لذلك اتجهت مصر إلى: – تنويع مصادر استيراد القمح. – زيادة المخزون الاستراتيجي. – توسيع قاعدة الموردين. – دعم الإنتاج المحلي. – استخدام المشتريات الحكومية للتعامل مع تقلبات الأسعار العالمية. وهنا تحولت قضية القمح من ملف تجاري إلى جزء من الأمن القومي الاقتصادي.
3. أزمة الطاقة: تنويع مصادر الغاز
الحرب الإيرانية–الإسرائيلية–الأمريكية جعلت الطاقة أكثر حساسية، خصوصًا مع مخاطر اضطراب حركة النفط والغاز في المنطقة.
مصر حاولت التعامل مع ذلك من خلال: – تأمين واردات الغاز الطبيعي المسال. – زيادة قدرات التخزين والاستيراد. – البحث عن اتفاقات طويلة الأجل. – الاستفادة من إنتاج الغاز المحلي عندما تسمح الظروف.
– تنويع مصادر الطاقة.
وهذا يقلل من تعرض الموازنة المصرية لصدمات مفاجئة في أسعار الطاقة.
4. قناة السويس: نقطة قوة ونقطة ضعف في الوقت نفسه
هنا تظهر خصوصية الاقتصاد المصري.
فمصر تستفيد من موقعها الجغرافي من خلال قناة السويس، لكن أي اضطراب عسكري في البحر الأحمر أو المنطقة المحيطة يمكن أن يؤدي إلى انخفاض حركة السفن وبالتالي انخفاض إيرادات القناة. لذلك أصبحت حماية حرية الملاحة واستقرار البحر الأحمر قضية اقتصادية مصرية مباشرة، وليست مجرد قضية أمنية.
5. تحويل الاستثمارات الخليجية إلى عنصر استقرار
في ظل ارتفاع احتياجات مصر من العملات الأجنبية، أصبحت الاستثمارات العربية، خصوصًا الخليجية، إحدى الأدوات المهمة لدعم الاقتصاد.
وهذا يحقق هدفين: رأس مال أجنبي + علاقات سياسية واقتصادية طويلة المدى.
ومن أمثلة ذلك الاستثمارات الإماراتية والسعودية والقطرية في قطاعات العقارات والطاقة والبنية الأساسية والصناعة والسياحة.
6. التعامل مع الدولار وسعر الصرف
الحروب ترفع أسعار الطاقة والغذاء والشحن والتأمين، وهو ما يزيد الضغط على العملة الأجنبية.
لذلك أصبحت إحدى أهم أدوات السياسة الاقتصادية المصرية هي زيادة قدرة الاقتصاد على توفير الدولار من خلال: السياحة + قناة السويس + تحويلات المصريين بالخارج + الصادرات + الاستثمار الأجنبي + التمويل الدولي. وهذا مهم لأن المشكلة الأساسية ليست فقط ارتفاع الأسعار، وإنما توافر العملة الأجنبية اللازمة لتمويل الواردات.
7. مصر تحاول الاستفادة من إعادة تشكيل سلاسل التوريد
الصراعات الدولية دفعت الشركات العالمية إلى البحث عن مواقع إنتاج قريبة من الأسواق وأقل تعرضًا للمخاطر.
ومصر يمكنها الاستفادة من ذلك بسبب: – الموقع الجغرافي. – قناة السويس. – المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. – السوق المحلية الكبيرة. – اتفاقيات التجارة مع أفريقيا وأوروبا والدول العربية.
وبالتالي يمكن أن تتحول مصر من مجرد دولة متضررة من اضطراب التجارة العالمية إلى مركز للتصنيع والتصدير وإعادة التصدير.
المعادلة الاقتصادية المصرية
يمكن تلخيص السياسة الاقتصادية المصرية تجاه الحروب الحالية في خمس كلمات:
تنويع — تحوط — جذب استثمار — تأمين غذاء وطاقة — حماية النقد الأجنبي.
والأهم أن مصر لا تستطيع عزل اقتصادها عن الحروب العالمية، لكنها تستطيع تقليل درجة تعرضها للصدمات. لم تعد الحروب الحديثة تُقاس فقط بعدد الصواريخ والطائرات، وإنما بقدرة الدولة على حماية القمح والطاقة والعملات الأجنبية وسلاسل الإمداد والممرات التجارية. ولذلك أصبح الأمن الاقتصادي أحد أهم مكونات الأمن القومي المصري.
الاتحاد الأوربي يوجد ارتفاع الآونة للطاقة
نعم، يوجد حاليًا ارتفاع واضح في تكاليف الطاقة في الاتحاد الأوروبي، وبصفة خاصة الغاز والوقود، والموضوع مرتبط بدرجة كبيرة بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، إلى جانب استمرار آثار الحرب الروسية الأوكرانية.
وبحسب أحدث البيانات المتاحة في سبتمبر 2026:
– ارتفعت أسعار الغاز الأوروبية بأكثر من 140% على أساس سنوي وفق بيانات نقلتها رويترز عن البنك المركزي الأوروبي، مع تأثير مباشر على التضخم في منطقة اليورو. Reuters
– ارتفعت أسعار الوقود وزيوت التشحيم للمستهلكين في الاتحاد الأوروبي بنحو 23.8% في أغسطس 2026 مقارنة بأغسطس 2025. European Commission
– المفوضية الأوروبية نفسها أقرت بأن ارتفاع أسعار الطاقة أصبح مصدر قلق رئيسيًا، وأن اضطرابات إمدادات الغاز المرتبطة بأزمة الشرق الأوسط أدت إلى ارتفاع الأسعار. Audiovisual Service
– ومع ذلك، تقول المفوضية الأوروبية إن أمن إمدادات الغاز في الاتحاد لا يواجه حاليًا خطرًا فوريًا، بفضل تنويع مصادر الاستيراد وزيادة قدرة استيراد الغاز المسال وانخفاض الطلب. Energy
لماذا هذا مهم لمصر؟
هذه النقطة مهمة جدًا في التحليل الاقتصادي الذي كنا نتحدث عنه؛ لأن ارتفاع الطاقة في أوروبا يمكن أن يخلق لمصر فرصًا إلى جانب المخاطر.
أولًا: الغاز المصري يصبح أكثر أهمية.
كلما ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا أو زادت مخاوف الإمدادات، زادت أهمية الدول القادرة على تصدير الغاز المسال أو توفيره عبر ترتيبات إقليمية.
ثانيًا: زيادة تكلفة الإنتاج الأوروبي.
ارتفاع الطاقة يضغط على الصناعات الأوروبية كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الكيماويات والأسمدة والمعادن. وهذا قد يجعل بعض الاستثمارات تبحث عن مناطق ذات تكلفة إنتاج أقل.
ثالثًا: فرصة لجذب الصناعات إلى مصر.
إذا استطاعت مصر توفير الطاقة والغاز والكهرباء بأسعار تنافسية، مع الاستفادة من قناة السويس واتفاقيات التجارة، فقد تصبح أكثر جاذبية لبعض الاستثمارات الصناعية الموجهة للتصدير.
رابعًا: قناة السويس تصبح أكثر أهمية.
أوروبا تحتاج إلى تنويع طرق ومصادر الطاقة، ومصر تقع على أحد أهم طرق التجارة والطاقة بين الشرق والغرب.
لكن هناك جانبًا سلبيًا
مصر نفسها مستوردة للطاقة في بعض الفترات والظروف، وبالتالي فإن ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا يمكن أن يرفع تكلفة الواردات ويضغط على الموازنة وسعر الصرف.
وهنا تظهر المفارقة: أزمة الطاقة الأوروبية يمكن أن تكون فرصة لمصر كمصدر ومركز إقليمي للطاقة، لكنها في الوقت نفسه تمثل ضغطًا على مصر كمستهلك ومستورد لبعض احتياجات الطاقة.
والأهم أن المفوضية الأوروبية تتوقع في سيناريو استمرار أزمة الشرق الأوسط ارتفاع أسعار الغاز إلى نحو 80 يورو لكل ميغاواط/ساعة في الربع الأخير من 2026، مقابل نحو 42.2 يورو في السيناريو الأساسي. Joint Research Centre–
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
