الإثنين , 5 أكتوبر 2026

السيد الرشيدي يكتب.. مدينة رشيد الباسلة وقبيلة بني رشيد (الرشايدة)




ثمة خلط يقع فيه بعض العابرين على صفحات التاريخ، حيث يلتبس عليهم التشابه اللفظي بين أسماء الحواضر الكبرى وأسماء القبائل الضاربة في عمق الصحراء. ومن أكثر هذه النماذج جلاءً هو التمايز التام والفريد بين مدينة رشيد المصرية—بموقعها الاستراتيجي وتاريخها التليد—وبين قبيلة بني رشيد (الرشايدة) العبسية الغطفانية، التي حملت إرث البداوة والشهامة من نجد والحجاز لتنثره في وادي النيل وشرق السودان.
هذا المقال الإثنوغرافي والتاريخي يأتي ليفك هذا الاشتباك، مبرزاً عظمة المكان وأصالة الإنسان.
أولاً: مدينة رشيد.. ثغر التاريخ وعروس النيل الأبيض
ليست رشيد مجرد مدينة تمر بها مياه النهر، بل هي حارس التاريخ المصري على ضفاف المتوسط.

  1. الموقع الجغرافي الفريد
    تقع مدينة رشيد في شمال مصر (محافظة البحيرة)، وتحتل موقعاً عبقرياً حيث يصافح فرع النيل الغربي (فرع رشيد) مياه البحر الأبيض المتوسط. هذا الالتقاء جعل منها بوابة مصر الشمالية، ومحطة تجارية وحربية ملهمة عبر العصور.
  2. التاريخ التليد والمكانة العظيمة
    متحف مفتوح للعمارة الإسلامية: تُعد رشيد المدينة الثانية بعد القاهرة في احتضان الآثار الإسلامية؛ ببيوتها الأثرية المبنية بالطوب المنقوش الأسود والأحمر، ومساجدها ذات المآذن الشامخة، وزواياها الصوفية التي تفوح بعبق التاريخ العثماني والمملوكي.
    حجر رشيد: في ربوعها، وتحديداً في “قلعة قايتباي”، عُثر على “حجر رشيد” عام 1799م، وهو المفتاح السحري الذي فك طلاسم الحضارة المصرية القديمة وقرأ به العالم خطوط الفراعنة.
    ملحمة المقاومة والصمود (1807م): تجلت عظمة رشيد التاريخية عندما واجه أهلها وحاميتها بقيادة محافظها علي بك السلانكلي حملة “فريزر” البريطانية. بفضل شجاعة وبسالة أهل المدينة، هُزمت أقوى إمبراطورية في ذلك الوقت، وارتدت القوات الغازية خائبة، ليسجل أهل رشيد ملحمة وطنية بمداد من نور في جبين التاريخ المصري.
    ثانياً: قبيلة بني رشيد (الرشايدة).. سليل المجد الغطفاني
    إذا كانت رشيد المدينة هي عظمة “المستقر”، فإن قبيلة بني رشيد هي عراقة “الظعن والترحال” والأصالة العربية الممتدة.
  3. النسب والجذور
    تنحدر قبيلة بني رشيد (الرشايدة) من قبيلة بني عبس الشهيرة، وهي بطن من بطون غطفان العدنانية. موطنهم الأصلي والأول هو ديار نجد والحجاز في شبه الجزيرة العربية، حيث ارتبط اسمهم بالفروسية، والشعر، والأنفة العربية الأصيلة.
  4. الهجرة إلى وادي النيل والسودان (محطة 1912م)
    عبر قرون متطاولة، تحركت مجموعات من الرشايدة نحو إفريقيا، وتؤكد الوثائق التاريخية والمصادر المحفوظة أن آخر الهجرات الكبرى والموثقة للقبيلة كانت عام 1912 ميلادية.
    هاجرت القبيلة بأعداد كبيرة بظعنها وإبلها عبر البحر الأحمر، متوجهة إلى بلاد مصر والسودان، بحثاً عن المراعي المفتوحة، وهرباً من الاضطرابات السياسية والظروف المناخية في تلك الحقبة.
  5. التوزيع الجغرافي ونمط الحياة
    يتميز أبناء قبيلة الرشايدة باحتفاظهم التام بنمط الحياة البدوي العريق (بدو رحل) وسماتهم الإثنوغرافية المميزة، ويتوزعون اليوم في جغرافيا ممتدة تشمل:
    في مصر: يستقر معظمهم في محافظات الصعيد والوادي: (أسوان، قنا، سوهاج، والوادي الجديد).
    في السودان ومصر (ساحلياً): ينتشرون بكثافة عالية في شرق السودان (كسلا والقضارف) ومحافظة البحر الأحمر المصرية، حيث برعوا في تربية الهجن العربية الأصيلة، والتجارة، والحفاظ على منظومة القضاء العرفي والترابط القبلي الصلب.
    ثالثاً: أوجه التمايز والفرق الجوهري
    للتسهيل على الباحث وتفكيك هذا الاشتباك اللفظي، يمكننا استجلاء الفروق الجوهرية بين الحاضرة والقبيلة من خلال أبعاد أربعة صاغها التاريخ:
    فمن حيث طبيعة الهوية وبنائها الديموغرافي، نجد أن “مدينة رشيد” تمثل بيئة حضرية مستقرة ذات أبعاد جغرافية ومكانية محددة على الخارطة المصرية، بينما تشكل “بني رشيد” هوية إنسانية، عرقية، وقبلية تقوم على وشائج النسب والدم العربي العدناني الأصيل.
    أما على صعيد الجغرافيا والتمركز، فتتخذ مدينة رشيد موقعاً شمالياً خالصاً يربط النهر بالبحر عند مصب فرعها الشهير، في حين تتوزع قبيلة الرشايدة في جغرافيا رعوية ممتدة في عمق الجنوب والشرق؛ حيث يتركز ثقلهم في محافظات صعيد مصر كالوادي الجديد، وسوهاج، وقنا، وأسوان، وصولاً إلى سواحل البحر الأحمر ومناطق شرق السودان.

وفيما يخص نمط الحياة والنشاط اليومي، ارتبطت مدينة رشيد منذ القدم بحياة الاستقرار المدني، والزراعة، والتجارة البحرية، وفنون العمارة، بينما حافظ أبناء قبيلة الرشايدة على طابع “البداوة الرحالة”، متمسكين بنمط الرعي، وتربية الهجن العربية، والترحال وراء مساقط الغيث والمراعي المفتوحة.
وأخيراً، يتجلى التمايز في الارتباط التاريخي والمحطات الكبرى لكل منهما؛ فتاريخ مدينة رشيد ضارب في القدم ومكتوب بمداد الحضارات المصرية المتعاقبة، والعصر العثماني، وبطولات المقاومة الشعبية ضد حملة فريزر عام 1807م. وفي المقابل، يلتصق تاريخ قبيلة الرشايدة بسير التغريبة العربية، والتحركات القبلية من نجد والحجاز، والتي تُوجت بآخر هجراتهم الموثقة في عام 1912م ليكونوا نسيجاً اجتماعياً حياً في وادي النيل وصحاريه.
ختاماً
إن القراءة الفاحصة للتاريخ تعلمنا أن الأسماء قد تتشابه، لكن الهويات تتمايز؛ فـ “رشيد المدينة” ستبقى درة التاج العسكري والمعماري على حافة المتوسط، وشاهداً على انكسار الغزاة. بينما “بنو رشيد القبيلة” سيبقون رمزاً للوفاء، والعروبة الشامخة، وسفراء البداوة الأصيلة الذين قطعوا الفيافي والبحار ليصنعوا نسيجاً اجتماعياً فريداً في مصر والسودان.
وكلاهما—المكان والإنسان—يمثلان جزءاً لا يتجزأ من ثراء هذا الشرق العظيم وعمق تاريخه الممتد.

شاهد أيضاً

سامى حربى يكتب.. كلمتين وبس

زمان فى الامثال قال الاجداد والقدماء ودن من طين وودن من عجين وحتى الان وفى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *