تعد الدراما من أرفع الأنماط التي تتلمس فيها الحقيقة لنفسها كمال التعبير، والمسرح - بأوسع معانيه - هو الفن الكامل وأبو الفنون جميعا ، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بالقضايا السائدة في المجتمع سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو حتى عقائدية ، فالمسرح ظاهرة اجتماعية وليدة احتياج جمعي يتطلب حدوث تلك الظاهرة ، فلا يستطيع أحد أن يفرض المسرح على مجتمع ليس بحاجة اليه ،وهو من أقدم الفنون التعبيرية التي يتم بها تحويل النص الأدبي إلى مشاهد تمثيلية حوارية ، أو أدائية، تتوزع على أداور يؤديها ممثلون عدة أو اثنان "ديودراما" أوممثل واحد " مونودراما" أمام حشد من الجمهور .
كان المسرح في بدايات تأسيسه يقوم على مبدأين هما: الصراع الدرامي ،والتطهير كما أسّس له أرسطو ، ولم يبق المسرح على حاله الذي بدأ عليه فقد أثبت على أنه الفن الأسرع تطورًا ،وتغييرًا بما يتناسب مع التغييرات التي تطرأ على المجتمعات نتيجة تقدم الزمن، وتطور العصور، فبعد أن جمع أرسطو جميع ما قدمه اسخيلوس وسوفيكلوس، و،ويوريبيدس قام بتدوين الصفات المشتركة لأعمالهما المسرحية، ووضعها في كتابه “فن الشعر”التي اتسمت بصفات مشتركة من حيث لغة الحوار الرصينة والعالية ،وشخصياتها السامية من الآلهة، وأنصاف الآلهة، والملوك، والأمراء وبالبناء الدرامي المكون من بداية، ووسط ،ونهاية ، ووحدة الزمان، والمكان، والموضوع،ونقاء الدراما ،أما الصراع، فقد كان ما بين الإنسان والقدر، وبالنهاية طبعا سينتصر القدر – حتمية القدر- ، وصنفت هذه الفترة بوصفها “مدرسة كلاسيكية تقليدية”، والتي كانت تتبع المنهج الانطباعي القائم على الآراء والميول الشخصية .
وبعد سقوط الامبراطورية الرومانية، وظهور الديانة المسيحية، وتغول الكنيسة، وفرض سيطرتها على جميع مناحي الحياة، اختفت المدرسة الكلاسيكية اليونانية والرومانية من الثقافة الغربية، وأخذت النصوص المسرحية طابعا دينيا، وكانت العروض المسرحية تقام في المناسبات الدينية مستمدة موادها وموضوعاتها من القصص التي وردت في الإنجيل، وكان الصراع ما بين الدنيا والآخرة، والجنة والجحيم، وما ورد في تعاليم الدين المسيحي.
وفي عصر النهضة، وعلى إثر ثورة الإصلاح الديني البروتستانتي التي قادها مارتن لوثر الذي آمن بأن حرية الروح شيء ثمين يقتضي التضحية ، تأثر المسرح بذلك وخرج من طابعه الديني ، و طابع القداسة فظهرت المدرسة الكلاسيكية الجديدة، التي تحررت من قيود المدرسة القديمة تحررا نسبيًا، وأبقت على الصبغة الواقعية الحسية التي استمدتها من البيئة ،والتاريخ ،وانطلق اتباع هذه المدرسة من شعار ” أن الحقيقة أكبر من أرسطو وأن ميدان المعرفة يحيط بأمور لم يحط بها المعلم الأول”، فتغير أسلوب الكتابة وأصبح من الممكن دمج الكوميديا بالتراجيديا ،وهو الأسلوب الذي اعتمده شكسبير في التأسيس لمسرحياته خلافا لإسلوب نقاء الدراما القديم ، وقد ترافق الحبكة الأصلية حبكة فرعية ،ولم يعد هنالك التزام بالوحدات الثلاثة : الموضوع، والزمان والمكان بالإضافة إلى أن الشخصيات لم تعد آلهة، أو أنصاف آلهة إنما تم استبدالها بالقادة ،والملوك، والعشاق وأما الصراع فقد أصبح ما بين العقل والعاطفة وبالنهاية ينتصر العقل على العاطفة ،ومن رواد هذه المدرسة موليير و كوريورسين .ساعدت أفكار الكاتب الفرنسي جان جاك روسو في تشكيل الأحداث السياسية التي أدت إلى قيام الثورة الفرنسية والتي اعتبرت عند بعض المؤرخين مظهرا من مظاهر الرومانتيكية التي نادت بالحرية وبالقيم الإنسانية المثالية، وأعلت من قيمة الإنسان، وقد رصد روسو عيوب المسرح الكلاسيكي ونادى بالعودة إلى الحياة الطبيعية، والحياة الفطرية فظهرت “المدرسة الرومانتيكية” التي وصفها ايزايل برلين بالتحول الأعظم في الوعي الغربي منذ عصر التنوير.
تأثرت “المدرسة الرومانتيكية” بأفكار روسو وانطلقت من فلسفته، فتحررت من قيود المدرسة الكلاسيكية تحررا تاما، بعكس المدرسة الكلاسيكية الجديدة التي احتفظت ببعض ما جاءت به المدرسة الكلاسيكية القديمة – مدرسة أرسطو ، إذ قامت بإلغاء الوحدات الثلاثة في المسرح ،ومزج التراجيديا بالكوميديا ،وأعلت من شأن العاطفة ،والخيال وكان الإنسان هو محور اهتمام الكتاب، اذ تحدثوا عن المشاعر والعواطف المثالية وقوتها ،وتصرفات الإنسان النبيلة، وما يجب أن تكون عليه حتى في اسوأ الظروف، بالإضافة إلى تركيزهم على أن الخيال هو أساس التجربة الإنسانية ،أما عن الصراع فقد كان ما بين العقل، والعاطفة إلا أنه تم تغليب العاطفة على العقل ،عكس ما جاء في المدرسة الكلاسيكية الجديدة.
وتعد مقدمة كروم ويل بداية تأسيس المسرح الرومنتيكي ،ومن رواد هذه المدرسة “فكتور هوغو” الذي كتب “البؤساء “، و”الكسندر توماس” مؤلف “غادة الكاميليا ” ، و”غوتا الإيطالي” مؤلف “فاوست” ،و”البرت دي موسيه”، ومن الجدير بالذكر أن هذه المدرسة اعتبرت “وليام شكسبير” الأب الروحي لها .
تطورت المجتمعات، وبدأت آثار الثورة الصناعية تتضح، وتطلق ألسنة لهيبها، وبدأ الصراع ما بين العمال ،والملاك ،وبدأت الفوارق الاجتماعية بالظهور، وقامت الجمعيات تطالب بحقوق المرأة والمساواة بالرجل فانعكست كل هذه الظروف على إسلوب الكتابة، ومن هنا ظهرت “المدرسة الواقعية” ، حيث أصبحت المواضيع واقعية ،ومعاصرة للكاتب ،والشخصيات من واقع الحياة أما الحوارات فقد كانت حوارات عادية يومية ،وبالنتيجة فإن الصراع سيكون بين الإنسان، والمجتمع ،ومن أهم رواد هذه المدرسة، “هنرك ابسن” الذي يعتبر إمام “المدرسة الواقعية “ومن ضمن مؤلفاته مسرحية” بيت دمية”
ناقشت “المدرسة الواقعية” الأمور كما يجب أن تكون ،فجاءت “المدرسة الطبيعية” كرد فعل عليها لمناقشة الأمور كما هي في الواقع دون تنميق ،او تجميل وليس كما يجب أن تكون ، وقد استندت هذه المدرسة على مبادئ الفلسفة التجريبية ،والاستقراء السيكولوجي لدراسة الشخصية عن طريق التجربة بقصد الوصول الى الحقيقة ضمن قوانين الطبيعة ، وبذلك يكون المسرح هو العلاج الشافي لكل المعضلات التي تواجه الفرد، ومن الجدير بالذكر أن هذه المدرسة هي من جعلت العمل الإخراجي عملا مستقلا بذاته بعيدا عن الكاتب ،أو الممثل الذي كان يقوم بهذا العمل، وذلك بإيجاد مخرج مـخصص في المسرح ،ويعتبر المخرج الفرنسي “اندريه انطوان” أول مخرج مسرحي في ذلك اللحين .
عمدت “المدرسة الطبيعية” تطوير المسرح عن طريق دراسة الشخصية دراسة سيكو-اجتماعية ،ومن أهم روادها الكاتب “اوغست سترند بيرغ ” الذي كتب مسرحية “مس جوليا “.
وبعد هزيمة الحرب الفرنسية الألمانية عام 1870 ،عاد الكثير من الأدباء والمفكرين الفرنسيين المهاجرين إلى فرنسا ،وساهموا بنشر أفكار الفيلسوف الالماني “كانط” وفلسفته التي تقوم على الإعلاء من شأن الخيال وأن الحقيقة تنبع من داخل النفس البشرية ،وقد انتشرت مقولته في ذلك اللحين : ” الشيء هو فكرتنا عن الشيء” أي أن ماهية أي شيء هو ما نفكر به، بغض النظر عن ماهية وجوده الحقيقي ، فظهرت ” المدرسة الرمزية” ومن أهم سماتها، هو رفضها لمحاكة الواقع، واستخدام الرمز والايحاء ،والانزياحات ،واستقراء المضمر في النفس البشرية للتعبير عن الأفكار الداخلية ،والعواطف، وكل ذلك كان يتم بلغة شاعرية حساسة ومرهفة ، يرافقها الإيقاع الموسيقي ،ومن اهم روادها الكاتب “موريس مترلينك “الذي ألف نص “العميان”، ونص “الدخيل” ،و”بلياس” ،و”الاميرة مالين”.
توالت بعد ذلك الكثير من المدارس مثل المدرسة السيريالية ،التي جاءت كرد فعل على المدرستين الواقعية، والطبيعية ،وقد اشتهرت السيريالية كحركة فنية على يد “اندريه بريتون” ،وكان للعالم النفسي الشهير “سيجموند فرويد ” و نظرياته المتعلقة بالأحلام واللاشعور أكبر الأثر على هذه المدرسة ،واعتبروا أن ماجاء به “فرويد” في نظرياته عن الأحلام واللاشعور يمكن أن يفتح نافذه جديدة على النفس البشرية لتعطيها رؤية أكثر ثراء وجدة، وأنها كفيلة بإنتاج تجارب فنية خلاقة، وترتكز السيريالية كما أسس لها “بريتون” على الإيمان بأن الأحلام أقوى من أي شيء آخر وتحفز على إطلاق العنان للفكر والذهن تماما وعدم تقييده بقواعد وغايات معينة، وترى بأن ذلك كفيل بتخليص الذهن من جميع الأنماط الآلية المفروضة عليه ،وحاولوا إيجاد أشكالا فنية جديدة للتعبير عن اللاوعي فتوصلوا إلى نظرية جديدة في الجمال تجمع ما بين رومانسية القرن التاسع عشر وبين الطبيعة العلمية التي سادت القرن العشرين، ومن مبادئها التسلح باللاوعي المرتع الخصب للحقيقة وهنا لابد من التخلص من سلطة العقل والرقابة التي يفرضها علينا ، وإذا استعرضنا إنجازات المدرسة السيريالية في الفنون المختلفة نجد أن حصادها في الإنتاج المسرحي كان ضئيلا إذا ما قورن في الفنون الأخرى ،ومن روادها “فيتراك” الذي كتب مسرحية ” الغاز الحب ” .
بقي المسرح يواكب التغييرات التي تطرأ على المجتمع ،ويفرز أدبه الخاص الذي يعالج المشكلات التي تواجهه ،فظهرت “المدرسة التعبيرية ” التي يتداخل بها الواقع مع الحلم ،وتكون بها شخصية رئيسية وباقي الشخصيات هلامية ونمطية ،وتكثر بها الجمل القصيرة او المونولوجات الطويلة ،وتكون المشاهد فيها واقعية ثم تتوالى الأحلام ،و تغوص بها الشخصية التي تستدعي شخصيات خيالية ،وتكثر في هذه المشاهد الشخصيات النمطية التي تجسد صراعات البطل مع نفسه وما يدور بخلده من اختلاجات ، وقد اتسمت التعبيرية بالذاتية المفرطة وإيمانهم بان الرؤية الذاتية هي الحقيقة الوحيد الصادقة ،ومن رواد هذه المدرسة “اوغست سترندبيرغ ” الذي تحول من المدرسة الطبيعية التي كتب بها مسرحية “الآنسة جوليا ” ومسرحية” الأب” الى التعبيرية في مسرحية “الحلم”، وبعد الحرب العالمية الأولى انحاز الكاتب والخرج المسرحي “بريخت ” إلى أفكار الثورة الاشتراكية التي قامت في روسيا، والتي كانت تنادي بالمساواة، والعدالة الاجتماعية، والملكية العامة ،فأسس “المدرسة الملحمية” إذ جعل السلطة بيد المتلقي ليقف من أعماله موقف الناقد ،ويحكم عليها ويتخذ قراره بالتغيير، إذ يحتاج عقلا واعيا ،،يقظا مدركا لما يجري حوله من أحداث، و كان المسرح النقطه التي يرتكز عليها لطرح أفكاره وتوجهاته السياسية .
قدم “بريخت” نظرية “التغريب” وذلك بجعل المألوف غريبا حيث قام بتقديم صورا بعيدة عن المتعارف عليه ليمنح المتلقي فرصة التفكير والتأمل ،ومن ثم اتخاذ القرار، وأهم ما كان في مسرح “بريخت” هو رفض معايشة الممثل واندماجه في المشهد حتى لا تنتقل العدوى للمتفرج ويبقى يقظا محتفظا بعقله يفكر، ويحلل، وينتقد، ويصدر حكمه ثم يبدأ بالتغيير.
وعلى مستوى الحدث لجأ بريخت إلى الماضي ،وأخذ من التاريخ والأساطير القديمة ،والتراث حتى يحقق “التأريخية”” والتغريب” ، أي أنه يأخذ أحداثا من الماضي ويسقطها على الحاضر ويقدم حلولا من صلب الفكر الاشتراكي ليكون الخلاص، ومن أجل ضمان عدم الاندماج والمعايشة في السياق الدرامي المتتابع رفض “بريخت” البناء الأرسطي البداية، والوسط، والخاتمة، واستبدله بلوحات منفصلة ،او مشاهد مستقلة ،وقام بما يسمى كسر سير الأحداث بقطعها براوي، أو جوقه ،أو أغنية، و على مستوى الحوار الدرامي لجأ الى الخطاب المباشر، وكسر الجدار الرابع بين الممثل وبين الجمهور، أما بتوجيه الاتهام لهم أو مخاطبتهم مباشرة إما بالتحذير أو الإنذار، أو التهديد ، أو بتوجيه الأسئلة ، وفيما يخص الديكور، فقد كان قطعا بسيطة تبدل أمام الجمهور، واعتمد على اللافتات ،والشاشات لكسر الاندماج حتى وصل الأمر إلى أن يضيء صالة المتفرجين، ولم يكتفِ بريخت بإلغاء دور الموسيقى التي تعمق الإحساس بأي شعور كونها تزيد من تعميق الحالة النفسية ، بل قام بتوظيفها لتناقض الحالة المعروضة، وقد طبق ذلك في مسرحية “محاكمة لو كوليس”، طال التغريب الملابس في المسرح التي كان يتم تغييرها أمام الجمهور كل ذلك من أجل أن يحقق “التغريب ويبعد المتفرج عن الاندماج، وفيما يخص الصراع فكان ما بين أفكار اشتراكية ورأسمالية وليس ما بين أشخاص وكان ينتصر للفكر الاشتراكي، وتعتبر دائرة “الطباشير القوقازية “من أفضل الأمثلة على المسرح الملحمي وامكانياته المتميزة في الشكل والتعبير .
المصادر:
فجر المسرح – دراسات في نشأة المسرح ،إدوار الخياط ،دار البستاني للنشر والتوزيع ، القاهرة ، 2003
المجلة العلمية لكلية التربية النوعية ، العدد الثامن 2016،ج1 صفحة 273 ،بحث د. منى مصيلحي حبرك .
المدارس المسرحية وطرق اخراجها منذ عصر الاغريق وحتى الوقت الحاضر أ.د.جمعة احمد قاجة ، اصدارات ادارة الثقافة والفنون قسم الدرايات والبحوث الدوحة ،قطر صفجة 21
عصر النهضة الأوروبية ، نورالدين حاطوم ،دار الفكر – دمشق صفحة 9
التعريف بشكسبير ،عباس محمود العقاد ،مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة ،جمهورية مصر صفحة 16
الرومانتيكية مالها و ما عليها / مختارات من جمع روبرت جلنكر وجيرالد إنسكو ، ترجمة : الدكتور احمد حمدي محمود –،الهيئة المصرية العامة للكتاب صفحة 9
جذور الرومانتيكية ،ايزايا برلين ، ترجمة سعود السويدا ، جداول للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت صفحة 8
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
