مؤمن الهبـاء يكتب .. تحولات ونبوءات سياسية
admin
5 أكتوبر، 2026
المقالات
76 زيارة
بعد 53 عاما على نصر أكتوبر 1973 يتملك معظم المحللين العرب هاجس بأن إسرائيل الكبرى صارت قدرا مقدورا، وأن مشروعها التوسعي بلغ ذروته، بينما يطرح بعض المحللين الإسرائيليين والغربيين رؤى مغايرة، بل مناقضة، تقول إن مشروع إسرائيل الكبرى يقف على حافة الانهيار رغم كل القوة التي تمتلكها.
هؤلاء المحللون لايقدمون تكهنات ولا يضربون الودع، وإنما يستقرئون مقدمات وحقائق ووقائع، ثم يستنبطون النتائج، وهم بالطبع مؤيدون للمشروع الصهيوني، لكنهم مشفقون عليه من السقوط، ويرون أن حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة تقود إسرائيل إلى الضياع، وأن ما تحسبه هذه الحكومة انتصارات في غزة والضفة ولبنان وسوريا وإيران ليست إلا مسامير تدق في نعشها، وتعجل بنهاية مشروعها التوسعي.
كتب المحلل السياسي الإسرائيلي دانيال ليفي مقالا أكد فيه أن إعلان نتنياهو المتواتر عن إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بما يتجاوز حدود سايكس بيكو لم يكن مجرد رغبة في التوسع الجغرافي، وإنما كان تدشينا لمشروع إسرائيل الكبرى، الذي يستهدف ضم الضفة الغربية بالكامل والسيطرة على غزة، والتخلص من القضية الفلسطينية للأبد، وتحريك الحدود شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، وتفكيك الدول المحيطة، بما فيها إيران، وإنشاء تحالف إقليمي واسع يضمن لإسرائيل الهيمنة والاستقرار، لكن الحروب التي خاضها نتنياهو لم تحقق له ما يريد، فالجبهات التي ظن أنها ستضعف مازالت صامدة، لم تستسلم، ولم تنكسر، ولم تعترف، والقوى التي ظن أنها ستقف معه تتراجع، وتداخلت توازنات دولية وإقليمية لتعرقل المشروع / الحلم، وتقلبه كابوسا يهدد إسرائيل نفسها، ويجعلها رهينة، فلا هي قادرة على تنفيذه، ولا هي قادرة على تجاهله والإفلات منه.
ويقول البروفيسور الأمريكي جيفري ساكس أحد خبراء التنمية وصاحب كتب التحليل السياسي الأكثر مبيعا: “إن مشروع إسرائيل الكبرى آيل للانهيار، لأن ساسة إسرائيل يعتمدون كليا على الدعم الأمريكي، وهذا الدعم يتآكل في الرأي العام، خاصة وسط الشباب في أمريكا، وقد أثبتت الحرب على إيران فشلها الذريع بينما يقترب نتنياهو من نهايته السياسية، ولا بوادر على ظهور بديل أفضل، إذ تغيب عن المشهد الإسرائيلي أي أصوات تدعو للسلام وترفض الإبادة الجماعية، وأمريكا تعيش فقاعة مالية هائلة وديونا طائلة، وتنشغل بحروبها عن ركب التقدم الذي تقوده الصين في البنية التحتية والتكنولوجيا، وترامب لا يقدر على إيقاف الآلة الحربية رغم استياء الشعوب الأمريكية والأوروبية المتزايد من استمرار الحروب المدمرة، ما يجعل هذه الشعوب تبتعد عن إسرائيل وأحلامها التوسعية، بل تتحول إلى معارض شرس لهذه الأحلام”.
ويرى الخبير العسكري الأمريكي دوجلاس ماكجريجور أن “إسرائيل تمر بلحظة وجودية حرجة، إنها منهكة وتعتمد كليا على الجيش الأمريكي للبقاء، وبدون الدعم الأمريكي قد تزول، لكن الصدمة الحقيقية أن أمريكا لم تعد شريكا لإسرائيل، بل أصبحت فرعا عسكريا تابعا لها، وقادة القيادة المركزية الأمريكية يهرعون إلى نتنياهو لتلقي التعليمات، والمشكلة أن إسرائيل تعتقد أنها تستطيع الخروج من المأزق بمزيد من القتل والاغتيالات، لكن هذا وهم خطير، بل إنه الطريق الأسرع لانقراضها، وفي المقابل العالم العربي وتركيا يغليان غضبا ضدنا، والشعوب تكرهنا لأننا ندعم إسرائيل، والحل الوحيد الآن هو الانسحاب من الأراضي المحتلة، ووقف استغلال قواتنا لخدمة مشاريع الآخرين، أمريكا بحاجة لسياسة وطنية صارمة، وأن نكون دولة ذات سيادة، لا أداة في يد أحد، فالمصير سيكون كارثيا على الجميع”.
ويكشف الدبلوماسي البريطاني السابق أليستير كروك الذي قضى عقودا في الشرق الأوسط وعمل مستشارا للاتحاد الأوروبي أن الديموجرافيا الأمريكية تتغير، والشباب اليهودي الأمريكي يطرح أسئلة، وحركات احتجاج تنتشر في الجامعات، والحزب الجمهوري منقسم حول إسرائيل، وهذا تحول تاريخي يكسر التحالف الذي بني عليه أمن إسرائيل لعقود، وإسرائيل تشعر بالخوف من العزلة، والخوف من نفسها، وهذا مزيج مقلق جدا، فإسرائيل ليست دولة عقلانية، بل دولة مدفوعة بأيديولوجيا دينية متطرفة، والقوى المسلحة المناهضة لها أثبتت قدرتها على الصمود والتحدي رغم محدودية إمكاناتها، وهذا في حد ذاته يمثل انتصارا نفسيا، وليس من المبالغة القول إنه نور من الانتصار يشكل تطورا مزعجا جدا لإسرائيل، ومن المؤكد أن هذه القوى المقاومة ستنهض من جديد لتخوض جولات أخرى من الحروب، وتحرم إسرائيل من السلام والهدوء والاستقرار، مادامت تشعر بالظلم والإجحاف.
Post Views: 85