الإثنين , 5 أكتوبر 2026

د. عامر عيد يكتب.. ضغوط إيران والحوثيين تدفع الخليجيين لإعادة حساباتهم .. تركيا تستبعد دورًا عسكريًا في اليمن والعسكريون الأمريكيون منقسمون وتقلبات ترامب تبحث عن تحالفات جديدة (2-4)

هناك قدر من المفارقة هنا، فهذه هي تقريبًا البنية نفسها المستخدمة لكسر العقوبات أو الالتفاف عليها، والتي كان الإيرانيون يستخدمونها لإيصال وقودهم إلى الأسواق؛ وأن بعض الأساليب نفسها تستخدمها الآن الإمارات ودول خليجية أخرى؛ إيران تهاجم السفن وبطبيعة الحال، لا تنظر إيران بتسامح إلى تجاهل سلطتها المعلنة على الممر المائي؛ وقالت الإمارات في أغسطس إن 15 سفينة تابعة لها تعرضت لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ما أسفر عن إصابة 20 شخصًا ومقتل شخص واحد؛ كما تعرضت ناقلتا غاز طبيعي مسال على الأقل لهجمات في يوليو، لكنهما تمكنتا بعد الخروج من المضيق من نقل حمولتيهما إلى سفن أخرى.

المقامرات والتطمينات

ويبدو أن الجيش الأمريكي قدم المساعدة حيثما استطاع، مستخدمًا وسائل من بينها المقاتلات لحماية الناقلات من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية؛ لكن هذه الحماية، وإن كانت تقلل المخاطر، لا تستطيع إلغاءها بالكامل؛ مخاطرة مربحة إن تحدي إيران والعبور عبر هرمز مقامرة؛ لكنها، مثل أفضل أنواع المقامرات، مربحة للغاية، وهو ما يدفع أطقم السفن إلى قبول المخاطرة؛ وللتعويض عن ارتفاع تكاليف التأمين التي يتحملها المشترون، تعرض دول مثل العراق وقطر النفط الخام بخصومات كبيرة.

وقال روري جونستون، مؤسس شركة أبحاث الأسواق: “يفترض الناس ببساطة أن سفينة واحدة من كل 12 أو 15 سفينة ستصاب بطائرة إيرانية مسيّرة، لكنك تجني من بقية السفن ما يكفي من المال”؛ ويرى جونستون أن دول الخليج كانت ستلجأ إلى هذه الممارسة في مرحلة أبكر من الحرب لولا تدخل البيت الأبيض؛ فواشنطن ظلت تقدم تطمينات بأن الصراع سيكون قصيرًا، وأن التحدي الإيراني لن يدوم طويلًا، وأنه سينتهي إما بانتصار عسكري حاسم، أو اتفاق تفاوضي، أو ضغط اقتصادي؛ وأدت هذه التطمينات إلى تأخير لجوء الدول النفطية إلى الحلول البديلة؛ وقال جونستون إن الأشخاص الذين يتواصل معهم كانوا يجيبونه، عندما يسألهم عن سبب عدم المخاطرة بعبور المضيق: “البيت الأبيض يواصل إخبارنا بأن الأمر سينتهي الأسبوع المقبل”؛ لكن صبرهم نفد في نهاية المطاف؛ وقال: “كانت تصريحات البيت الأبيض المتكررة بأن الأزمة قصيرة الأمد هي التي منعت أصلًا ظهور هذا الاستعداد لتحمل المخاطر”؛ وأضاف: “أما الآن فأعتقد أن أحدًا لم يعد يصدق البيت الأبيض”.

نصف مستويات ما قبل الحرب بحسب شركة البيانات Kpler، يعبر مضيق هرمز حاليًا ما بين 10 و12 مليون برميل من النفط يوميًا، أي نحو نصف الكميات التي كانت تمر قبل الحرب؛ لكن الأرقام تتقلب بشدة من يوم إلى آخر؛ ففي 7 سبتمبر، بحسب جونستون، عبر المضيق نحو 20 مليون برميل، لكن الرقم انخفض بحلول 10 سبتمبر إلى ثلاثة ملايين فقط؛ ومع ذلك، كثفت دول مثل الإمارات عملياتها؛ وتقول أبوظبي إنها تصدر عبر شركة أدنوك الحكومية نحو مليوني برميل يوميًا؛ وتظهر بيانات Kpler أن أحجام الوقود التي تعبر المضيق بلغت أعلى مستوياتها منذ بداية الحرب؛ وأن هذه العمليات السرية ليست حلًا طويل الأمد، وإنما مجرد “آلية للتكيف” مع الأزمة؛ لكنها آلية لم تتمكن إيران حتى الآن من وقفها؛ فقد أخفقت طهران في منع التدفق المتزايد عبر المضيق، وهو ما أثار شائعات عن تلقي بعض المسؤولين أموالًا مقابل غض الطرف عن عمليات تمرير الوقود؛ ويرى هندرسون أن عجز إيران عن وقف السفن المكوكية ربما يفسر جزئيًا سبب لجوء حلفائها إلى إطلاق طائرات مسيّرة على خط أنابيب النفط السعودي شرق–غرب في 10 سبتمبر، وهو الهجوم الذي أجبر السعودية على إعادة توجيه ملايين البراميل من النفط؛ وفي الوقت الراهن، تراجعت حدة القتال المباشر بين الولايات المتحدة وإيران بدرجة كبيرة، باستثناء مناوشات متفرقة؛ وطالما ظلت معادلة المخاطرة مقابل العائد تميل إلى جانب الربح، فسوف يستمر تدفق الوقود عبر المضيق؛ فالذي بدأ حربًا قبل نحو سبعة أشهر، تحول الآن إلى لعبة أرقام وحساب احتمالات.

تركيا تستبعد دورًا عسكريًا في اليمن

وتعتزم تركيا تعزيز القدرات الدفاعية للسعودية من خلال التخطيط المشترك والتدريب العسكري وتبادل المعلومات الاستخباراتية في إطار “ميثاق مكة” الثلاثي، في وقت تواجه فيه الرياض ضغوطًا متجددة بفعل التقدم الأخير للحوثيين في اليمن؛ غير أن الدعم التركي لن يصل إلى حد التدخل العسكري المباشر؛ ويعكس ذلك تفضيل أنقرة تعزيز قدرة السعودية على الردع وتحسين التنسيق العملياتي بين الدول الثلاث الأعضاء في الاتفاق، تركيا والسعودية وباكستان، من دون أن تتحول تركيا إلى طرف مقاتل في الحرب اليمنية؛ وكان الاتفاق، الذي وُقّع في أغسطس الماضي، قد ألزم الدول الثلاث بالتعاون الدفاعي، ونص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحداها هجومًا على الدول الثلاث جميعًا؛ وقال مسؤول تركي تحدث إلى “المونيتور” إن أنقرة ستركز على إنشاء مقر فعلي للاتفاق في السعودية، ووضع آليات للتخطيط المشترك والتدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية؛ والهدف هو رفع مستوى قابلية العمل المشترك بين الجيوش التركية والباكستانية والسعودية، وكذلك بين أجهزة الأمن القومي في البلدان الثلاثة.

وكان الحوثيون قد حققوا مكاسب ميدانية مهمة الأسبوع الماضي، إذ سيطروا على مدينة المخا الاستراتيجية وجزيرتي حنيش وميون (بريم) في البحر الأحمر من القوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والمدعومة من السعودية؛ وعزز هذا التقدم سيطرة الجماعة على مضيق باب المندب الحيوي، الذي تمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية، بما في ذلك 11% من النفط و8% من الغاز الطبيعي المسال؛ وأدانت أنقرة هجمات الحوثيين، لكنها لم تقدم أي مؤشر على اعتزامها الانضمام إلى القتال؛ حدود التدخل العسكري رغم التصعيد الأخير، قال جوكهان إيرلي، الأستاذ المساعد للعلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة ابن خلدون بإسطنبول، لـ«المونيتور» إن سيطرة الحوثيين على باب المندب والمخا قد لا تكون دائمة، مشيرًا إلى أن الجماعة سبق أن سيطرت على المخا بين عامي 2015 و2017؛ وقال إيرلي: «حتى إذا كان الحوثيون يسيطرون على هذه المناطق في المرحلة الراهنة، فإن هذه السيطرة تظل هشة، كما هو الحال في كل منطقة ومدينة تقريبًا في اليمن.

إن الرياض نفسها تدرك حدود الحل العسكري فبعد كل هذه السنوات من القتال ضد الحوثيين، يدرك السعوديون أن الحل ليس عسكريًا بحتًا، فهناك عملية حوار تتقدم مع الحوثيين منذ أكتوبر 2023؛ وفي ظل هذه الخلفية، فإن أنقرة، التي تدرك جيدًا حدود التدخل العسكري، من غير المرجح أن تتدخل مباشرة في اليمن؛ وبدلًا من ذلك، يُتوقع أن تستخدم تركيا “ميثاق مكة” لتعميق التنسيق الدفاعي مع السعودية وباكستان من خلال التدريب وتبادل المعلومات والتخطيط المشترك، من دون نشر قوات تركية داخل ساحة الصراع؛ ويعكس هذا النهج مسعى تركيًا أوسع لتوسيع الدور الأمني لأنقرة في الخليج من دون تحمل التكاليف السياسية والعسكرية المترتبة على التدخل المباشر في اليمن؛ ومع ذلك، إلى أن تركيا أدانت هجمات الحوثيين الأخيرة، بما فيها الهجوم الصاروخي الذي قالت السعودية إنها اعترضته وإنه كان يستهدف مكة، مهد المقدسات الإسلامية؛ ونرى نحن أن الدور التركي بموجب “اتفاق مكة للدفاع المشترك” يندرج ضمن مسعى سعودي أوسع لبناء استجابة جماعية للتهديد الحوثي؛ وتسعى السعودية إلى إضفاء طابع إقليمي ودولي على قضية الحوثيين، والبحث عن حلول جماعية حتى لا تضطر إلى التعامل معها بمفردها.

تركيا تتجنب استعداء إيران

إن أنقرة لن تتدخل مباشرة في الصراع السعودي-الحوثي أو الحرب الأهلية اليمنية، رغم الخبرة التي اكتسبتها في سوريا في تنسيق عمليات جيشها والجماعات المسلحة المتحالفة معها ودول أخرى ضمن صراع سريع التطور؛ هذه ليست سوريا؛ سوريا كانت جارة برية لتركيا، وكانت الخدمات اللوجستية أسهل، كما أن ذلك سيرسل إشارة خاطئة إلى إيران، في الوقت الذي لا تزال فيه طهران تكافح للوقوف على قدميها وسط حربها المتقطعة مع الولايات المتحدة، بينما تقوم تركيا بمهاجمة أقوى وكلائها في المنطقة؛ وبدلًا من ذلك، إن تركيا ستركز على قوة المهام البحرية في البحر الأحمر التي أعلنت عنها السعودية في أغسطس، والتي تعهدت أنقرة بالمشاركة فيها؛ ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه القوة قد أصبحت جاهزة للعمل بصورة كاملة، أو ما هي القطع البحرية التي تعتزم تركيا نشرها؛ وحتى إذا أرسلت أنقرة سفنًا حربية إلى البحر الأحمر، فإنه لا يُتوقع أن تشن هذه السفن ضربات ضد الحوثيين؛ ما دامت السفن المدنية أو العسكرية التركية، أو السفن التي تنقل بضائع من تركيا وإليها، لا تتعرض للهجوم، فمن غير المرجح أن تنتهج أنقرة مسارًا هجوميًا.

ومع ذلك، تدرك تركيا أن التهديد الحوثي قد لا يكون من الممكن احتواؤه سريعًا، الأمر الذي يعقد محاولتها دعم السعودية من دون الانجرار مباشرة إلى حرب اليمن؛ وقالت ندوة الدوسري، الباحثة غير المقيمة في معهد الشرق الأوسط،: “إن الطريقة الوحيدة لاحتواء التهديد الحوثي هي دعم قوات الحكومة اليمنية لاستعادة الأراضي”؛ لكن ذلك سيتطلب غطاءً جويًا سعوديًا، وسيحمل معه خطر استئناف الحوثيين هجماتهم على البنية التحتية السعودية؛ موازنة دقيقة بين الرياض وطهران يعكس النهج التركي عملية موازنة أوسع بين تعميق التعاون الأمني مع السعودية وتجنب مواجهة أشد مع إيران؛ وكانت العلاقات التركية – الإيرانية قد شهدت توترات خلال العقد الماضي، خصوصًا بسبب الحرب السورية، فيما كانت علاقات أنقرة بالرياض متوترة أيضًا نتيجة العلاقات الوثيقة بين تركيا وقطر ودعمها لجماعة الإخوان المسلمين؛ ولا تزال العلاقات التركية – الإيرانية، معقدة بسبب الخلافات بشأن جنوب القوقاز والعراق، لكن الطرفين سعيا عمومًا إلى احتواء تلك الخلافات.

كما يعكس الموقف التركي المحدود القيود القانونية والسياسية الراهنة على دور أنقرة بموجب ميثاق مكة؛ ونشير هنا إلى أن الاتفاق مع باكستان والسعودية، بما في ذلك بند الدفاع الجماعي، لم يحصل حتى الآن على تصديق البرلمان التركي؛ وإن الاحتمال الأكبر هو أن تساعد تركيا السعودية على الدفاع في مواجهة الذخائر الأقل تطورًا والطائرات المسيّرة الانتحارية التي تستخدمها إيران ووكلاؤها، بدلًا من تنفيذ عمليات هجومية ضد الحوثيين؛ ومع تفاقم أزمة اليمن، وفي ظل عدم تدخل تركيا أو باكستان حتى الآن لدعم السعودية عسكريًا على الرغم من بند الدفاع المشترك، أثار الصراع تساؤلات حول القيمة العملية لميثاق مكة، وما إذا كان يمثل التزامًا أمنيًا فعليًا يمكن الاعتماد عليه عند اندلاع الأزمات، أم أنه لا يزال في جانب كبير منه إطارًا سياسيًا ورمزيًا للتقارب بين الدول الثلاث.

خصوصية الوضع السعودي الحوثي

إن تطورات الحرب في اليمن تتجاوز السعودية والحوثيين، لما لها من تأثير على الاقتصاد العالمي والأمن بشكل عام؛ وهنا نشير إلى أن الحوثيين، المدعومين من إيران، تمكنوا من تحقيق مكاسب ميدانية كبيرة على ساحل البحر الأحمر وبالقرب من مضيق باب المندب، مستفيدين من ضعف وانقسام القوات اليمنية المدعومة من السعودية؛ وأن امتلاك السعودية أسلحة متطورة وميزانية دفاع ضخمة لا يعني بالضرورة امتلاكها جيشا فعالا، حيث أن القوات السعودية واجهت منذ تدخلها في اليمن عام 2015 صعوبات في تحويل تفوقها التكنولوجي إلى نجاح عسكري، كما أن القوات اليمنية التي دعمتها ظلت منقسمة بين قوى وميليشيات وقبائل وفصائل ذات ولاءات مختلفة؛ في المقابل، نرى أن الحوثيين تطوروا خلال أكثر من عقدين من القتال، وحصلوا على أسلحة وصواريخ وطائرات مسيرة إيرانية، كما تمكنوا من توسيع قاعدة تجنيدهم لتشمل يمنيين من خارج مجتمعهم الزيدي، مستفيدين من الاستياء من الحكومة اليمنية والسعودية.

ونربط ذلك بطلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان دعما عسكريا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معتبرا أن المشكلة السعودية لا تتمثل في نقص الطائرات والأسلحة، بل في القدرة على تحويل القوة العسكرية إلى نتائج ميدانية وسياسية؛ ونحذر من أن أي تدخل أمريكي يجب أن يحدد هدفه بوضوح، سواء كان حماية السفن الأمريكية، أو الدفاع عن السعودية، أو إبعاد الحوثيين عن باب المندب، أو محاولة هزيمتهم وإعادة الحكومة اليمنية إلى السيطرة؛ ونخلص في هذا الصدد إلى أن امتلاك الأسلحة لا يساوي القدرة على تحقيق النصر، وأن واشنطن تحتاج إلى تحديد ما إذا كانت ستعالج أسباب الأزمة أم ستكتفي بضرب أبرز أعراضها.

مستشارون إيرانيون ساعدوا الحوثيين

واستغرق الحوثيون أقل من 48 ساعة للسيطرة على ساحل اليمن المطل على البحر الأحمر من القوات الموالية للحكومة، في ضربة قوية للمصالح الأمريكية ولحلفاء واشنطن في المنطقة؛ لكن الحوثيين لم يفعلوا ذلك بمفردهم؛ فقد كان مستشارون من الحرس الثوري الإيراني موجودين في الميدان، يساعدون في توجيه المعركة، بحسب أشخاص مطلعين على الهجوم تحدثوا إلى وكالة “أسوشيتد برس” الأمريكية للأنباء؛ ويمثل ذلك التدخل الإيراني الأكثر مباشرة لمصلحة حليف طهران منذ اندلاع الحرب الأهلية اليمنية عام 2014؛ ويُظهر هذا التدخل كيف عملت إيران على بناء الحوثيين وتحويلهم إلى شريك إقليمي رئيسي قادر على فتح جبهة جديدة في الحرب الأوسع مع الولايات المتحدة؛ وأدى أكبر توسع بري يحققه الحوثيون منذ سنوات، إلى جانب إغلاق خط أنابيب سعودي رئيسي، إلى تعزيز قدرتهم على خنق صادرات النفط السعودية، ما دفع أسعار الوقود العالمية إلى الارتفاع ومنح إيران أوراق ضغط أكبر.

وبدت الولايات المتحدة مترددة في مساعدة حليفتها السعودية، حتى في الوقت الذي اكتسب فيه الحوثيون زخماً في الحرب الأهلية اليمنية التي تجددت؛ وتحدثت وكالة “أسوشيتد برس” إلى 10 مسؤولين وعسكريين لتجميع رواية متكاملة عن الهجوم الحوثي؛ وكان من بينهم مسؤول حوثي رفيع، ومسؤولان إقليميان، وقائد عسكري يمني بارز، وعضو في مجلس القيادة الرئاسي الحاكم في اليمن؛ طبقا للوكالة؛ واستغل الهجوم الحوثي السريع، الذي امتد لمسافة 115 كيلومتراً (75 ميلاً برياً)، الانقسامات بين القوات المتحالفة مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والمدعومة من السعودية؛ وتمكن الحوثيون من اختراق الاتصالات الداخلية لإحدى أبرز هذه القوات، وهي قوات المقاومة الوطنية، ما أتاح لهم تتبع تحركاتها وإثارة الارتباك في صفوفها؛ ومع شروع القوات الموالية للحكومة في انسحاب محموم، فرّ قائد قوات المقاومة الوطنية إلى السعودية؛ أما مدينة المخا الساحلية الاستراتيجية، فقد تُركت دون دفاع، فيما غادر السكان في المدينة ليلاً، ما سمح للحوثيين بدخولها من دون مقاومة في 10 سبتمبر؛ كما عزز استيلاؤهم على جزر استراتيجية قريبة قدرتهم على مهاجمة شحنات النفط السعودية في البحر الأحمر.

دول الخليج وإعادة الضبط بعد الحرب!

وعلى صعيد متصل؛ دعت دول الخليج إلى إعادة صياغة العلاقة مع إيران، إذ حثّت الإمارات العربية المتحدة على تبني “عقلية جديدة”، فيما دعت قطر إلى إنشاء “إطار أمني” إقليمي يضم طهران، بعدما كشفت الحرب مدى هشاشة دول الخليج أمام الهجمات الإيرانية وألحقت ضررًا بمصداقية الولايات المتحدة في المنطقة؛ وفي حديثه خلال فعالية على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، وصف رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني الحرب على إيران، التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير، بأنها “جرس إنذار”؛ وقال إن على دول الخليج أن “تتحرك معًا، بمسؤولية، كمنطقة، وأن تضمن إقامة علاقات جيدة مع إيران”؛ وأضاف: “نحن نعمل من أجل ذلك؛ وشركاؤنا الإقليميون يؤمنون بهذا التوجه”؛ وفي فعالية منفصلة، ردد أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، الدعوات إلى إجراء حوار بين الدول العربية الخليجية وإيران، مضيفًا أن محادثات طهران مع واشنطن “لا تتحرك فعليًا إلى الأمام”؛ وقال: “نحن بحاجة إلى عقلية جديدة في هذه النوعية من النقاشات حول شكل المنطقة التي نريدها جميعًا”؛ وأوضح قرقاش أنه في حين يمكن أن تجري مناقشات بين الولايات المتحدة وإيران بشأن الاستقرار المستقبلي للمنطقة، فإن هذه المناقشات “ينبغي أن تجري أيضًا على المستوى الإيراني – العربي”.

وتعكس هذه التصريحات إدراكًا متزايدًا في دول الخليج بأن دول المنطقة، التي كانت قد حثت الولايات المتحدة على عدم خوض الحرب، ستضطر إلى إدارة علاقتها مع طهران بنفسها في أعقاب الحرب، في وقت تجد فيه واشنطن نفسها غارقة في الصراع؛ وقال الشيخ محمد بن عبد الرحمن: “من دون وجود إطار أمني يجمعنا جميعًا، نحن دول الخليج وإيران، ويضمن ألا يشكل أي منا تهديدًا للآخر، فإن هذه المنطقة لن تستطيع ببساطة الاستمرار بالطريقة نفسها التي كانت تسير بها من قبل”؛ وفي خطاب آخر ألقاه هذا الشهر، قال قرقاش: “إيران ستظل جارتنا، وفي مرحلة ما سيكون علينا أن نجد سبيلًا لاستعادة ما يمكن استعادته، الجغرافيا لا تترك لنا بديلًا عن الانخراط معها”؛ وفي وقت سابق من الشهر الحالي، التقى ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة دول بريكس في نيودلهي؛ والسعودية تبحث ميثاقًا لعدم الاعتداء كما ناقشت السعودية، منذ اندلاع الحرب، فكرة إبرام ميثاق لعدم الاعتداء بين دول الشرق الأوسط وإيران؛ وتأتي هذه الفكرة ضمن المحادثات التي تجريها الرياض مع حلفائها بشأن كيفية إدارة التوترات الإقليمية بعد انتهاء الصراع.

العرب وخيارات ترامب

وقالت سنم وكيل من مركز تشاتام هاوس، وهو المعهد الملكي للشؤون الدولية (Royal Institute of International Affairs) وهو أحد أعرق وأهم مراكز الفكر والدراسات في العالم المتخصص في تحليل القضايا الدولية والسياسات الخارجية: “في التفكير في اليوم التالي للحرب، يدرك قادة الخليج أن الضامن الخارجي أصبح أقل موثوقية، وأن علاقتهم بإيران محفوفة بالتوتر، وأن عليهم إدارة أمنهم بأنفسهم في غياب مرساة أمريكية يمكن الاعتماد عليها”؛ وأضافت: “إنها ضرورة، لكنها أيضًا فرصة، لأن إيران أُضعفت، وبات بإمكان دول الشرق الأوسط أن تمتلك قدرًا أكبر من زمام المبادرة في ترتيباتها الأمنية الخاصة”؛ وفي الوقت نفسه، تواجه الرياض أزمة جديدة بعدما أعاد الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن إشعال صراع مستمر منذ أكثر من عقد مع السعودية خلال الأسابيع الأخيرة، مطلقين رشقات شبه يومية من الصواريخ والطائرات المسيّرة على المملكة؛ وحتى الآن، قاوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مناشدات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بأن تشارك القوات الأمريكية إلى جانب الرياض في شن ضربات على الحوثيين.

الإمارات تغيّر مسارها نحو خفض التصعيد وتحملت الإمارات العبء الأكبر من الهجمات الإيرانية على جيران طهران العرب خلال الأشهر الأولى من الحرب، إذ أُطلق باتجاه الدولة الخليجية نحو ثلاثة آلاف صاروخ وطائرة مسيّرة؛ واتخذت أبوظبي في البداية الموقف الأكثر تشددًا بين القوى الخليجية، وردت بعشرات الغارات الجوية على الجمهورية الإسلامية؛ لكن الإمارات سعت منذ ذلك الحين إلى خفض حدة التوتر، في إطار حرصها على حماية مكانتها باعتبارها المركز الأبرز في المنطقة للتمويل والتجارة والسياحة؛ وفي هذا السياق، التقى ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان هذا الشهر على هامش قمة بريكس في الهند؛ وإيران أضعف، لكنها لا تزال قادرة على تهديد الخليج ويتمثل القلق الأوسع لدى الدول العربية الخليجية في كيفية التعامل مع إيران ما بعد الحرب، دولة أضعف مما كانت عليه، لكنها لا تزال تشكل تهديدًا؛ فقد أثبتت طهران قدرتها على توجيه ضربات في أنحاء المنطقة، وكذلك قدرتها على خنق حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا بالغ الأهمية لصادرات دول الخليج ووارداتها؛ وتلعب قطر دورًا محوريًا في الجهود الدبلوماسية الرامية إلى وقف الحرب الأمريكية – الإيرانية.

ولا توجد في الوقت الراهن محادثات مباشرة بين واشنطن وطهران، لكن الوسطاء أبقوا قنوات الاتصال الخلفية مفتوحة؛ ومن المتوقع أن يجري القادة العرب محادثات مع ترامب لبحث الأزمة بشكل متعمق بعد اللقاءات التى تمت في نيويورك على هامش اجتماعات الأمانة العامة للأمم المتحدة مؤخراً؛ وكان ترامب قد قال لشبكة “فوكس نيوز” خلال عطلة نهاية الأسبوع إنه سيكون “على الأرجح” منفتحًا على لقاء الرئيس الإيراني؛ وقال إنه في “مرحلة اتخاذ القرار”، وإن الخيارات أمامه تتراوح، بحسب ما نقلته الشبكة، بين “محو إيران”، أو تركها “تتعفن اقتصاديًا”، أو التوصل إلى اتفاق معها.

وإلي لقاء أخر باذن الله.


الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية

شاهد أيضاً

في سابقة تاريخية بالمملكة.. العاهل المغربي يكلف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة

كتب عادل البكل في خطوة غير مسبوقة في تاريخ الحياة السياسية المغربية، كلف العاهل المغربي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *