تَخْرُجُ عَلَيْنَا بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ تَصْرِيحاتٌ جَوْفاءُ، يُطْلِقُهَا مَن يَعِيشُونَ أَوْهَامَ القُوَّةِ المُطْلَقَةِ مِنْ أَمْثَالِ “سْمُوتْرِيتْش”؛ تَصْرِيحاتٌ لا تُعَبِّرُ إِلا عَنْ مَخَايِلَ غَارِقَةٍ فِي الخَيَالِ وَأَحْلامِ يَقَظَةٍ لا تَسْتَنِدُ إِلَى أَيِّ وَاقِعٍ، لِيَبْقَى الرَّدُّ المِصْرِيُّ أَبَدِيًّا، حَاسِمًا، وَثَابِتًا ثَبَاتَ الجِبَالِ: سِينَاءُ مِصْرِيَّةٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ – صُغْرَاهَا وَكُبْرَاهَا، وَدُونَهَا أَرْوَاحُ المِصْرِيِّينَ كَافَّةً.
وَفِي هَذِهِ الأَيَّامِ المَجِيدَةِ وَالمُبَارَكَةِ مِنْ ذِكْرَى نَصْرِ أُكْتُوبَرَ العَظِيمِ، يَجْدُرُ بِمَنْ يَتَوَهَّمُونَ العَظَمَةَ أَنْ يَكُفُّوا عَنِ الهَذَيَانِ، وَأَنْ يَسْتَرْجِعُوا شَرِيطَ التَّارِيخِ بِدِقَّةٍ وَوَعْيٍ؛ فَإِنَّ المَشْهَدَ المِصْرِيَّ لَيْسَ المَشْهَدَ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ تُرْهِبَهُ كَلِمَاتُ المَجَانِينِ، بَلْ هُوَ سِجِلٌّ حَافِلٌ بِالصُّمُودِ الَّذِي لا يُكْسَرُ.
كَانَ المِصْرِيُّونَ مُنْذُ المَلْحَمَةِ المَجِيدَةِ لِعُدْوَانِ عَامِ ١٩٥٦ يَخُوضُونَ كِفَاحًا مُسْتَمِرًّا، مُرُورًا بِمَلْحَمَةِ الصُّمُودِ بَعْدَ عَامِ ١٩٦٧، وَوُصُولًا إِلَى مُعْجِزَةِ العُبُورِ العَظِيمِ فِي أُكْتُوبَرَ ١٩٧٣؛ إِذْ سَقَطَتْ كِبْرِيَاءُ مَا كَانَ يُسَمَّى “الجَيْشَ الَّذِي لا يُقْهَرُ” تَحْتَ أَقْدَامِ خَيْرِ أَجْنَادِ الأَرْضِ، وَتَحَوَّلَتْ كُلُّ اسْتِحْكَامَاتِهِ الصُّلْبَةُ إِلَى رُكَامٍ.
وَبَدَلاً مِنَ المَضِيِّ فِي هَذِهِ الحَرْبِ الكَلَامِيَّةِ وَ«الجَعْجَعَةِ» الفَارِغَةِ، احْرِصُوا إِنْ كَانَ لَدَيْكُمْ ذَرَّةٌ مِنْ حِكْمَةٍ عَلَى قِرَاءَةِ المَيْدَانِ الحَالِيِّ.
انْظُرُوا إِلَى إِيرَانَ؛ تِلْكَ الدَّوْلَةِ الَّتِي تَبْعُدُ عَنْكُمْ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ كِيلُومِتْرٍ، وَالَّتِي تُعَانِي مِنْ عُقُوبَاتٍ اقْتِصَادِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ خَانِقَةٍ مُنْذُ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ، بَلْ وَلَا تَمْتَلِكُ طَيَرَانًا حَرْبِيًّا حَدِيثًا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ أَوْ مَنْظُومَاتِ دِفَاعٍ جَوِّيٍّ مُتَطَوِّرَةً تَسْتَطِيعُ مُقَارَعَتَكُمْ، وَمَعَ كُلِّ ذَلِكَ الحِصَارِ، قَضَتْ عَلَى الأَوْهَامِ وَاسْتَطَاعَتْ أَنْ تُهِينَ شَرَفَ وَهَيْبَةَ العَسْكَرِيَّةِ الإِسْرَائِيلِيَّةِ مَرَّتَيْنِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ.
وَفِي الحَقِيقَةِ وَالوَاقِعِ، إِنَّ خَيْبَتَكُمُ المَيْدَانِيَّةَ وَضَعْفَكُمُ العَسْكَرِيَّ الذَّاتِيَّ الصَّرِيحَ هُمَا اللَّذَانِ دَفَعَاكُمْ لِلْهَرُوبِ إِلَى المَطَالِبِ وَالمُفَاوَضَاتِ الدَّوْلِيَّةِ مِنْ أَجْلِ إِيقَافِ الحَرْبِ وَإِنْقَاذِ المَوْقِفِ، نَاهِيكُمْ عَنِ الفَشَلِ الاِسْتِخْبَارِيِّ الذَّرِيعِ الَّذِي مُنِيَ بِهِ جِهَازُ “المُوسَادِ” فِي أَدَائِهِ وَتَقْدِيرِهِ لِلْمَوْقِفِ وَالعَوَاقِبِ، وَهُوَ الفَشَلُ الَّذِي انْتَهَى صَرَاحَةً بِالإِطَاحَةِ بِرَئِيسِهِ “دِيفِيدْ بَرْنِيعَا”.
فَيَا أَيُّهَا الفَاشِلُونَ الَّذِينَ لَا يَجِيدُونَ سِوَى صِنَاعَةِ الكَلَامِ: إِذَا كُنْتُمْ قَدْ عَجَزْتُمْ كُلَّ هَذَا العَجْزِ أَمَامَ “الجُمْهُورِيَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ الإِيرَانِيَّةِ” وَفَشِلْتُمْ فِي المُوَاجَهَةِ رَغْمَ الفَارِقِ اللُّوجِسْتِيِّ، فَمَا بَالُكُمْ بِالمِصْرِيِّينَ؟ إِنَّ “جُمْهُورِيَّةَ مِصْرَ العَرَبِيَّةَ” — بِتَارِيخِهَا المَجِيدِ، وَجَيْشِهَا العَظِيمِ المُمْتَلِكِ لِأَعْتَى التَّرْسَانَاتِ، وَشَعْبِهَا الصَّامِدِ البَالِغِ ١٢٠ مِلْيُونَ جُنْدِيٍّ — إِذَا خَطَتْ خُطْوَةً وَاحِدَةً فَقَطْ نَحْوَ المَيْدَانِ، لَأَعَادَتْ كِتَابَةَ الخَرَائِطِ قَاطِبَةً، وَلَأَنْهَتْ كُلَّ أَوْهَامِكُمْ وَأُطُرِكُمْ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَجَعَلَتْ مِنْ سِينَاءَ المِصْرِيَّةِ أَعْظَمَ مَقْبَرَةٍ لِكُلِّ مَنْ تُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ المَسَاسَ بِشِبْرٍ مِنْ تُرَابِهَا.
الْكَاتِبِ الصَّحَفِيِّ الْمُتَخَصِّصِ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
