الثلاثاء , 6 أكتوبر 2026

د. جيهان رفاعى يكتب.. بفضلِ أبي تعلمتُ معنى النصرِ والانتماءِ



لم أقرأ نصر أكتوبر فى كتاب، بل رأيته فى عين أبى، واحتضنت فخره فى كنفه، كنت أظن أن البطولة حكاية فى الكتب، فرأيت النصر يبترق فى ملامحه، وعرفت معنى الوطن من صدق مشاعره.
كان أبى يجلس أمام التليفزيون فى احتفالات عيد النصر، وكنت صغيرة أجلس على الأرض أمامه. لا أفهم ما معنى العبور، ولا معنى خط بارليف، لكنى كنت أفهم شيئا واحدا: أن أبى الذى لا يبكى، كانت عيناه تلمعان بالدموع. ووجهه يضحك بفخر، وصوته يهمس لى: شوفى يا بنتى..
الجيش علمني إن الأرض عرض، وأن من يصون الأرض يصون العرض. وإن اللي يفرط في شبر منها يفرط في شرفه. وعلمني إن النصر صبر وجبر، وعزم وحزم وليس طلقة ومدفع، النصر كلمة صدق، ووقفة رجال، وحب مالوش آخر للبلد دي، وأن الانتماء ليس كلمة تقال، بل دم يسيل وعهد لا ينال..
عايزك تفخري ببلدك، افخرى بكل من لبس ثوب الجندية فهو بطل، من عبر وزرع النصر ومن حصد. وعايزك تفخري أكتر إنك مصرية.. بنت مصر اللي عمرها ما انكسرت. خليكي دايماً رافعة راسك، وحبي بلدك، واعرفي إن الانتماء مش أغنية بنسمعها، الانتماء دم بيجري في العروق.
نحن عَبَرنا في أكتوبر.. وانتي كملي العبور بنجاحك وتميزك. كونى نصرا جديدا لمصر، فإن مصر لا تلد إلا نصرا، ولا تربى إلا فخرا. اعبرى بالعلم والنجاح، فمصر لا تريد إلا أبناء يرفعون هامتها عزا وفخرا…
كان أبى الله يرحمه يعيدُ عليَّ الحكايةَ كلَّ عامٍ كأني أسمعها لأولِ مرةٍ، وأنا أعيدُ النظرَ إلى الشاشةِ كأني أرى أبطالاً من نورٍ.
كبرتُ وعرفتُ أن أبي لم يكن يشاهدُ احتفالاً، كان يُربي فيَّ انتماءً. كان يغرسُ في قلبي الصغير أن مصرَ ليست أرضاً نسكنها، بل هي أمٌ تسكنُنا.
فيا مصرُ..
يا من عبرَ جيشُكِ القناةَ فعبرتِ بنا من الهزيمةِ إلى الكرامةِ، ومن الانحناءِ إلى الشموخِ. يا من علمتِ الدنيا أن الجنديَّ المصريَّ إذا قالَ “الله أكبر” اهتزت لها الجبالُ، وسقطت لها حصونُ المستحيلِ.
و يا جيشَ مصرَ العظيم..
عبرتَ فعَبَرتْ معك الأمةُ، وانتصرتَ فانتصرَ معك التاريخُ. عبرتَ قناةً من ماءٍ، ففتحتَ قناةً من كرامةٍ، ورويتَ أرضاً بدماءٍ، فأنبتَّ مجداً لا يبيدُ، وفخراً لا يغيبُ.
يا من جعلتَ المستحيلَ ممكناً، والبعيدَ قريباً، والليلَ نهاراً، والهزيمةَ انتصاراً.
إذا ذكرَ الناسُ البطولةَ فأنتَ معناها، وإذا ذُكرَ الوفاءُ فأنتَ مبناها، وإذا ذُكرَ العطاءُ فأنتَ أسماها وأغلاها.
جنودٌك كالأسودِ في الشدةِ، قلوبٌهم كالأمهاتِ في الرحمةِ، عيونٌهم لا تنامُ لتحرسَ، وأيادٍيهم لا تكلُّ لتبني وتحمي.
سلامٌ عليكم طبتم، وطابَ ممشاكم، وطابَ مرقدُ شهدائكم، وطابت مصرُ بكم، وطابت بكم الحياةُ.
سلامٌ على جيشٍ لم ينم ليحرسَ نومنا، ولم يشبع ليُطعمنا أماناً. سلامٌ على كلِّ يدٍ حملت سلاحاً، وكلِّ قلبٍ حملَ وطناً.

أما أنتَ يا أبي..
فقد عبرتَ أنتَ أيضاً.. عبرتَ إلى السماءِ، وتركتني هنا، كلما جاءت ذكرى نصر أكتوبرُ جلستُ وحدي أمامَ التليفزيونِ، أبحثُ عن حِضنك الذي كان يسعُ الدنيا، وأبحثُ عن صوتِكَ الذي كان يقولُ: “دي مصر يا بنتي.. اوعي تنسيها”.
لن أنساها يا أبي.. لن أنساها.
وكلُّ أكتوبرَ وأنتَ في الجنةِ فخورٌ بنا، ونحنُ هنا فخورونَ بكَ وبمصرَ وبجيشِها الذي لا يُقهر.

شاهد أيضاً

طلال أبوغزاله يكتب.. حماية القيم الإنسانية

تُعدّ الملكية الفكرية حجر الأساس للتقدم البشري، فهي تحمي نتاج العقل؛ بدءا من الكتب التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *