الثلاثاء , 6 أكتوبر 2026

د. حَمَادَةَ السَّيِّدِ عَلِيٍّ يكتب.. ‏لِمَاذَا يَبْقَى أُكْتُوبَرُ خَالِدًا فِي قُلُوبِ وَعُقُولِ الْمِصْرِيِّينَ؟


لَمْ يَكُنِ الْجَيْشُ الْمِصْرِيُّ قَبْلَ الْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ يُونْيُو لِعَامِ 1967م، سِوَى صُورَةٍ صَارِخَةٍ لِلْكَارِثَةِ فِي أَبْهَى تَجَلِّيَاتِهَا؛ إِذْ يَظُنُّ الْكَثِيرُونَ أَنَّ مِصْرَ قَدْ فُوجِئَتْ بِالْهُجُومِ، لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ أَقْسَى مِنْ ذَلِكَ؛ فَقَدْ بَدَأَ مَا سُمِّيَ بِـ”الْفَتْحِ التَّعْبَوِيِّ” قَبْلَ الْمَعْرَكَةِ بِثَلَاثَةِ أَسَابِيعَ، حَيْثُ تَدَفَّقَتْ آلَافُ الْقِطَعِ الْعَسْكَرِيَّةِ إِلَى عُمْقِ سِينَاءَ فِي اسْتِعْرَاضٍ جَمَاهِيرِيٍّ حَاشِدٍ خَالِفًا الطُّرُقَاتِ الْمَدَنِيَّةَ.
كَانَتِ الْمَشَاهِدُ تُوحِي بِقُوَّةٍ أُسْطُورِيَّةٍ تَسْتَدْعِي تَصْفِيقَ الْجَمَاهِيرِ الشَّغُوفَةِ، لَكِنَّ الْوَاقِعَ الْخَلْفِيَّ كَانَ يَمُوجُ بِعَبَثِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ؛ إِذْ تَغَيَّرَتْ خِطَطُ الْعَمَلِيَّاتِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ مُتَتَالِيَةً خِلَالَ ثَلَاثَةِ أَسَابِيعَ، مِمَّا أَرْهَقَ الْعَتَادَ وَأَضَاعَ التَّشْكِيلَاتِ الْعَسْكَرِيَّةَ فِي تِيهٍ مُضْنٍ بَيْنَ الطُّرُقَاتِ.
وَلَمْ تَكُنِ الْمُخَابَرَاتُ الْحَرْبِيَّةُ أَقَلَّ إِخْفَاقًا؛ إِذْ ظَلَّتْ تُرْسِلُ تَقَارِيرَ مُطْمَئِنَّةً تُؤَكِّدُ عَدَمَ قُدْرَةِ الْعَدُوِّ عَلَى الْمُبَادَأَةِ، بَلْ وَتَكْتُبُ تَقْرِيرًا كَارِثِيًّا يَدَّعِي تَجَمُّعَ الْقُوَّاتِ الْمُعَادِيَةِ فِي الْجَنُوبِ، مِمَّا دَفَعَ الْقِيَادَةَ لِتَرْكِيزِ 70% مِنْ قُوَّاتِهَا هُنَاكَ، وَهُوَ الْمِصْيَدَةُ الَّتِي حَسَمَتِ الْهَزِيمَةَ.
وَحِينَ اكْتُشِفَ الخَطَأُ قَبْلَ الحَرْبِ بِيَوْمَيْنِ، كَانَتِ السَّاعَةُ قَدْ فَاتَتْ، وَلَمْ يُعِرِ الْمُشِيرُ عَبْدُ الْحَكِيمِ عَامِرٍ لِلْمَعْلُومَاتِ الْأَخِيرَةِ أَيَّ اهْتِمَامٍ.
وَفِي الوَقْتِ الَّذِي كَانَتِ المَمْلَكَةُ الأُرْدُنِيَّةُ الهَاشِمِيَّةُ تَضَعُ قُوَّاتِهَا تَحْتَ القِيَادَةِ المِصْرِيَّةِ إِثْرَ تَصَاعُدِ الأَحْدَاثِ، كَانَتِ القِيَادَةُ العَسْكَرِيَّةُ فِي القَاهِرَةِ تُعَانِي غَيْبُوبَةً كَامِلَةً؛ حَيْثُ صَدَرَ قَرَارٌ بِتَعْطِيلِ جُزْءٍ مِنَ الدِّفَاعَاتِ الجَوِيَّةِ صَبَاحَ يَوْمِ النَّكْسَةِ لِتَأْمِينِ طَائِرَةِ المُشِيرِ الزَّائِرَةِ لِلْجَبْهَةِ، مِمَّا فَتَحَ السَّمَاءَ أَمَامَ الطَّيَرَانِ المُعَادِي لِيَدُكَّ المَطَارَاتِ المِصْرِيَّةَ.
بَلْ إِنَّ إِشَارَاتِ الإِنْذَارِ المُبَكِّرِ المُنْطَلِقَةَ مِنَ العَرِيشِ وَمِنَ الأُرْدُنِّ لَمْ تَجِدْ مَنْ يَفْهَمُهَا أَوْ يَتَعَامَلُ مَعَهَا بِجِدِّيَّةٍ.
لَمْ تَكُنْ 5 يُونْيُو مُجَرَّدَ نَكْسَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ، بَلْ كَانَتْ فَضِيحَةً مُرَوِّعَةً أَرْبَكَتِ الْوِجْدَانَ الْقَوْمِيَّ.
وَهُنَا تَكْمُنُ إِجَابَةُ السُّؤَالِ: لِمَاذَا نَحْتَفِلُ بِأُكْتُوبَرَ؟ لِأَنَّهُ فِي غُضُونِ سِتِّ سَنَوَاتٍ فَقَطْ — وَهِيَ لَحْظَةٌ عَابِرَةٌ فِي عُمْرِ الأُمَمِ — أُعِيدَ بِنَاءُ هَذَا الجَيْشِ العَظِيمِ مِنَ الصِّفْرِ عَلَى عَقِيدَةٍ قِتَالِيَّةٍ صَلْبَةٍ وَمُمَهَّدَةٍ بِالعِلْمِ.
تَحَوَّلَتِ المُخَابَرَاتُ الكَارِثِيَّةُ إِلَى جِهَازٍ صَارِمٍ يَقُودُ خِدَاعًا اسْتِرَاتِيجِيًّا دَوَّخَ أَعْتَى القُوَى الدَّوْلِيَّةِ، وَتَحَوَّلَ التَّفَكُّكُ العَمَلِيَّاتِيُّ إِلَى انْضِبَاطٍ أُسْطُورِيٍّ عَبَرَ بِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ مِلْيُونِ جُنْدِيٍّ أَصْعَبَ المَوَانِعِ المَائِيَّةِ وَأَعْتَى الخُطُوطِ الدِّفَاعِيَّةِ فِي سَاعَاتٍ مَعْدُودَاتٍ.
كَانَ أُكْتُوبَرُ انْتِصَارَ المَنْهَجِيَّةِ وَالتَّخْطِيطِ عَلَى الفَهْلَوَةِ وَالمَحْسُوبِيَّةِ، وَانْتِصَارَ الإِنْسَانِ المِصْرِيِّ عَلَى انْكِسَارِهِ الدَّاخِلِيِّ؛ لِذَلِكَ سَيَبْقَى أُكْتُوبَرُ مِيثَاقَ شَرَفِنَا الأَغَرَّ مَهْمَا طَالَ الزَّمَنُ.
وَفِي الْوَاقِعِ إِنَّ احْتِفَالَنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ اسْتِعَادَةٍ لِلْمَاضِي، بَلْ هُوَ تَجْدِيدٌ لِعَهْدٍ لَا يَمُوتُ؛ عَهْدِ الْوَفَاءِ لِدِمَاءِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ شَهِيدٍ مَدْفُونِينَ فِي رِمَالِ سِينَاءَ، وَوَلَاءٍ لِأُمَّةٍ تَسْتَعِدُّ لِيَوْمٍ حَتْمِيٍّ تُرَدُّ فِيهِ الْمَظَالِمُ.
عَهْدٌ يَمْتَدُّ مِنْ سَادِسِ أُكْتُوبَرَ المَجِيدِ إِلَى كُلِّ مَعْرَكَةٍ تَخُوضُهَا الأُمَّةُ لِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ أَرْضِهَا وَمُقَدَّسَاتِهَا.
وَسَيَأْتِي اليَوْمُ الَّذِي يُرَدُّ فِيهِ الصَّاعُ صَاعَيْنِ بِحَقِّ كُلِّ مَنْ أُرِيقَتْ دِمَاؤُهُ، وَكُلِّ أُمٍّ فَجَعَهَا العُدْوَانُ.
رَحِمَ اللهُ أَبْطَالَنَا الأَبْرَارَ، وَصُنَّاعَ أُكْتُوبَرَ العِظَامَ، المَجْدُ لِلشُّهَدَاءِ، وَالعِزَّةُ لِلْوَطَنِ.

الْكَاتِبِ الصَّحَفِيِّ الْمُتَخَصِّصِ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ.

شاهد أيضاً

د. حَمَادَةَ السَّيِّدِ عَلِيٍّ يكتب.. سِيناءُ المِصرِيَّةُ عَصِيَّةٌ عَلَى الأَوهامِ: دُرُوسٌ مِنَ التّارِيخِ وَالمَيدانِ

تَخْرُجُ عَلَيْنَا بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ تَصْرِيحاتٌ جَوْفاءُ، يُطْلِقُهَا مَن يَعِيشُونَ أَوْهَامَ القُوَّةِ المُطْلَقَةِ مِنْ أَمْثَالِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *