الخميس , 8 أكتوبر 2026

د. حَمَادَةَ السَّيِّدِ عَلِيٍّ يكتب .. ‏إِعْدَامُ مَيِّتٍ


القِصَّةُ الحَقِيقِيَّةُ لِلْجَاسُوسِ الَّذِي أُلْهِمَ مِنْهُ فِيلْمُ «إِعْدَامُ مَيِّتٍ» تَخْتَلِفُ كُلِّيًّا عَنِ الدِّرَامَا؛ فَالشَّخْصِيَّةُ الوَاقِعِيَّةُ هِيَ «سُلَيْمَانُ التَّرَابِينُ»، مِنْ عَشِيرَةِ «الحُكُوك» التَّابِعَةِ لِقَبِيلَةِ التَّرَابِينِ العَرِيقَةِ المُمْتَدَّةِ بَيْنَ سِينَاءَ وَصَحْرَاءِ النَّقَبِ.
كَانَ سُلَيْمَانُ خَائِنَ المَعْدِنِ؛ إِذْ جَنَّدَهُ الِاحْتِلَالُ عَقِبَ نَكْسَةِ عَامِ 1967م، وَتَلَخَّصَ دَوْرُهُ الدَّنِيءُ فِي إِبْلَاغِ العَدُوِّ بِتَحَرُّكَاتِ خَلَايَا الفِدَائِيِّينَ وَرِجَالِ الصَّاعِقَةِ المِصْرِيَّةِ فِي سِينَاءَ خِلَالَ عَمَلِيَّاتِ المُقَاوَمَةِ وَحَرْبِ الِاسْتِنْزَافِ.
وَنَظَرًا لِسُهُولَةِ تَنَقُّلِهِ الدَّائِمِ دُونَ أَنْ يُثِيرَ الشُّكُوكَ، أَصْبَحَ عَمِيلاً مُقَرَّبًا وَمُفَضَّلاً لَدَى الْمُخَابَرَاتِ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ.
خِلَافًا لِنِهَايَةِ الفِيلْمِ السِّينَمَائِيِّ، لَمْ يَقُمْ وَالِدُ سُلَيْمَانَ بِتَصْفِيَتِهِ؛ لِعَدَمِ كَشْفِهِ أَمْرَهُ حِينَئِذٍ.
وَلَكِنْ مَعَ إِشْرَاقَةِ نَصْرِ أُكْتُوبَرَ المَجِيدِ عَامَ 1973م، أَدْرَكَ سُلَيْمَانُ أَنَّ الدَّائِرَةَ قَدْ دَارَتْ عَلَيْهِ، فَتَسَلَّلَ مَعَ أُسْرَتِهِ عَبْرَ الدُّرُوبِ الجَبَلِيَّةِ المُعَقَّدَةِ هَارِبًا إِلَى إِسْرَائِيلَ، حَيْثُ احْتَفَى بِهِمُ العَدُوُّ وَمَنَحَهُمُ الجِنْسِيَّةَ الإِسْرَائِيلِيَّةَ.
فِي الْمُقَابِلِ، كَانَتْ قَبِيلَةُ التَّرَابِينِ الْمِصْرِيَّةُ مَضْرِبَ الْمَثَلِ فِي الْوَطَنِيَّةِ وَالتَّعَاوُنِ مَعَ الْجَيْشِ الْمِصْرِيِّ، وَقَدَّمَتْ مِنْ أَبْنَائِهَا فِدَائِيِّينَ أَبْطَالًا.
وَفَوْرَ ثُبُوتِ خِيَانَةِ سُلَيْمَانَ، أَعْلَنَتِ القَبِيلَةُ بَرَاءَتَهَا التَّامَّةَ مِنْهُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، مُعْتَبِرَةً إِيَّاهُمْ خَوَنَةً مُجْرِمِينَ أُسْقِطُوا مِنْ طَيَّاتِ تَارِيخِهَا المُشَرِّفِ.
وَلَمْ تَنْتَهِ المَأْسَاةُ هُنَا، بَلْ وَرِثَ الِابْنُ «عَوْدَةُ سُلَيْمَانَ التَّرَابِينُ» (المَوْلُودُ عَامَ 1981م) جِينَاتِ الخِيَانَةِ عَنْ أَبِيهِ.
فَبَعْدَ أَنْ مَنَعَهُ حَرَسُ الحُدُودِ المِصْرِيُّ مِنَ الدُّخُولِ شَرْعِيًّا، اسْتَغَلَّ مَعْرِفَتَهُ بِالمَمَرَّاتِ الصَّحْرَاوِيَّةِ لِلتَّسَلُّلِ إِلَى سِينَاءَ مِرَارًا.
وَكُلَّمَا أُلْقِيَ القَبْضُ عَلَيْهِ وَتَمَّ تَرْحِيلُهُ مَعَ إِبْلاغِهِ بِأَنَّهُ شَخْصٌ غَيْرُ مَرْغُوبٍ فِيهِ، كَانَ يَتَذَرَّعُ بِرَغْبَتِهِ فِي زِيَارَةِ شَقِيقَاتِهِ المُنْتَسِبَاتِ لأُسَرٍ فِي العَرِيشِ؛ تِلْكَ الأُسَرِ الَّتِي تَبَرَّأَتْ مِنْهُ وَرَفَضَتْ وُجُودَهُ جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً.
لٰكِنَّ الحَقِيقَةَ بَرَزَتْ جَلِيَّةً؛ إِذْ كَانَ «عَوْدَة» يَتَسَلَّلُ لِتَصْوِيرِ المُعَدَّاتِ العَسْكَرِيَّةِ وَالمُعَسْكَرَاتِ المِصْرِيَّةِ بِآلَةِ تَصْوِيرٍ دَقِيقَةٍ، وَيَجْمَعُ المَعْلُومَاتِ لِيَبُثَّهَا إِلَى المُخَابَرَاتِ الإِسْرَائِيلِيَّةِ عَبْرَ جِهَازِ إِرْسَالٍ مُتَطَوِّرٍ.
وَفِي عَامِ 2000م، اشْتَبَهَ أَحَدُ جُنُودِ حَرَسِ الحُدُودِ المِصْرِيِّ البَاسِلِ فِي «عَوْدَةَ» وَهُوَ يَعْبَثُ بِجِهَازٍ غَرِيبٍ فِي مِنْطَقَةٍ حُدُودِيَّةٍ نَائِيَةٍ، فَتَمَّ إِلقَاءُ القَبْضِ عَلَيْهِ مُتَلَبِّسًا.
تَمَّتْ مُحَاكَمَتُهُ وَأُدِينَ بِجَرِيمَةِ الْجَاسُوسِيَّةِ فِي زَمَنِ السِّلْمِ، فَصَدَرَ بِحَقِّهِ حُكْمٌ بِالسِّجْنِ الْمُشَدَّدِ لِمُدَّةِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، قَضَاهَا كَامِلَةً فِي «لِيمَانِ طُرَة».
وَطَوَالَ تِلْكَ السَّنَوَاتِ، لَمْ تَتَوَقَّفْ إِسْرَائِيلُ عَنِ الضَّغْطِ وَالمُطَالَبَةِ بِإِفْرَاجِهِ، لَكِنَّ المَوْقِفَ المِصْرِيَّ ظَلَّ صَالِبًا وَرَافِضًا لِكُلِّ الضُّغُوطِ.
عَقِبَ انْتِهَاءِ مُدَّةِ العُقُوبَةِ بِالكَامِلِ، وَافَقَتْ مِصْرُ عَلَى تَرْحِيلِهِ فِي إِطَارِ صَفْقَةٍ لِتَبَادُلِ الأَسْرَى أُفْرِجَ بِمُوجِبِهَا عَنْ سَجِينَيْنِ مِصْرِيَّيْنِ كَانَا فِي السُّجُونِ الإِسْرَائِيلِيَّةِ.
وَفَوْرَ وُصُولِهِ إِلَى الْمَطَارِ، كَانَ فِي اسْتِقْبَالِهِ رَئِيسُ الْوُزَرَاءِ الْإِسْرَائِيلِيُّ نَفْسُهُ «بِنْيَامِين نَتَنْيَاهُو»، قَبْلَ أَنْ يَخْتَفِيَ «عَوْدَةُ» عَنِ الْأَنْظَارِ وَتُنْطَوَى صَفْحَتُهُ لِأَبَدِ الْآبِدِينَ.
بِذَلِكَ أُغْلِقَ مَلَفُّ هَذِهِ السُّلاَلَةِ الَّتِي اخْتَارَتْ بَاعَ الخِيَانَةِ عَلَى شَرَفِ الانْتِمَاءِ، لِتُطْرَدَ نِهَائِيًّا مِنْ سِجِلِّ المَجْدِ العَرَبِيِّ وَمِنْ تَارِيخِ سِينَاءَ العَظِيمِ.

الْكَاتِبِ الصَّحَفِيِّ الْمُتَخَصِّصِ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ

شاهد أيضاً

د. عادل عامر يكتب.. العمالة الوافدة في ليبيا بين الحاجة الاقتصادية واستنزاف النقد الأجنبي

يمثل ملف العمالة الوافدة في ليبيا أحد الملفات الاقتصادية والاجتماعية المتشابكة التي تتجاوز في آثارها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *