الخميس , 8 أكتوبر 2026

السفيرة ماجي دميان تكتب: جندي مجهول.. ونصر لا ينسى

في كل انتصار عظيم أسماءٌ تُكتب في كتب التاريخ، وأسماء أخرى لا يعرفها أحد، لكنها تبقى حاضرة في ذاكرة الوطن. وفي نصر أكتوبر المجيد، ربما كان أكثر المشاهد إنسانية وتأثيرًا ذلك الجندي الذي خرج من بيته يحمل سلاحه، وذهب إلى جبهة القتال دفاعًا عن أرضه، ثم رحل دون أن يعرف أحد اسمه، أو عائلته، أو حتى تفاصيل حكايته. مات من أجل مصر، وبقيت مصر شاهدة على تضحيته.

هؤلاء الجنود المجهولون هم الوجه الأكثر صدقًا للحرب؛ لم يبحثوا عن شهرة، ولم ينتظروا تكريمًا، ولم يسألوا ماذا سيكتب التاريخ عنهم. كان يكفيهم أن تعود راية مصر مرفوعة فوق أرضها، وأن يشعر أبناؤها بأن كرامة الوطن قد استعادت مكانتها.

وفي السادس من أكتوبر عام 1973، لم يكن العبور مجرد عملية عسكرية ناجحة، بل كان لحظة استعادة للثقة والإرادة. عبر الجنود قناة السويس، واقتحموا خط بارليف، وحققوا إنجازًا عسكريًا أعاد إلى المصريين يقينهم بأن المستحيل ليس قدرًا، وأن الوطن الذي يملك إرادة الدفاع عن أرضه قادر على تغيير المعادلات.

وكان وراء هذا الإنجاز قيادة أدركت أن الحروب لا تُدار بالشجاعة وحدها، وإنما تحتاج إلى عقل يخطط، وصبر يحسب خطواته بدقة. وهنا يبرز الرئيس الراحل محمد أنور السادات، الذي تعامل مع المعركة باعتبارها قضية وطنية متكاملة، فاختار توقيت الحرب، وأدار المواجهة بحسابات دقيقة، واستند إلى إرادة الجيش المصري وقدرته على استعادة زمام المبادرة.

ولم تتوقف حكمة السادات عند ميادين القتال. فقد أدرك أن الانتصار الحقيقي لا يكتمل باستعادة الأرض فقط، وإنما بفتح الطريق أمام مرحلة جديدة تنهي حالة الحرب وتمنح الوطن فرصة للبناء والاستقرار. ومن هنا انتقل من إدارة المعركة العسكرية إلى إدارة معركة السلام، مؤمنًا بأن الدماء التي سالت على أرض سيناء يجب أن تكون بداية لحياة أكثر أمنًا واستقرارًا للمصريين.

وهنا تتجلى عظمة أكتوبر في معناها الأوسع: لم يكن النصر لحظة عبور للقناة فقط، بل كان عبورًا من الانكسار إلى الثقة، ومن الحرب إلى السلام، ومن استنزاف طاقات الوطن إلى إعادة توجيهها نحو البناء.

لكن وسط كل الحديث عن القادة والخطط والقرارات، يبقى الجندي المصري هو البطل الذي لا ينبغي أن يغيب. هناك من عاد إلى أسرته، وهناك من عاد يحمل جراحه، وهناك من لم يعد أبدًا. وبين هؤلاء يقف الجندي المجهول، الذي ربما لا نعرف اسمه، لكننا نعرف وطنه الذي مات من أجله.

في ذكرى أكتوبر، لا ينبغي أن نتذكر النصر فقط، بل نتذكر أيضًا ثمنه. نتذكر كل أم انتظرت ابنها، وكل أب ودّع نجله، وكل زوجة عاشت على أمل عودته، وكل جندي مجهول صنع بدمه جزءًا من هذا النصر.

رحم الله شهداء أكتوبر، وحفظ مصر، وبقي نصر أكتوبر شاهدًا على أن الأوطان لا يحميها الكلام، وإنما يحميها رجال يؤمنون بها، ويضحون من أجل أن تبقى رايتها مرفوعة.
*د. ماجي دميان
سفير دبلوماسي بالمنظمة الحكومية بالأمم المتحدة و مستشار العلاقات الدولية بمجلس الاقتصاد العالمي.

شاهد أيضاً

مأمون الشناوي يكتب .. السد العالي ونصر أكتوبر العظيم !!

ظل السد العالي هو الإنجاز الأعظم في تاريخ مصر قديمه وحديثه ، ولأن التاريخ كان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *