لم تعد مأساة غزة مجرد حرب طويلة أرهقت البشر والحجر، ولا مجرد أرقام تتزايد في نشرات الأخبار كل صباح ومساء، وإنما تحولت إلى كارثة إنسانية مفتوحة، يعيش فيها أكثر من مليوني إنسان بين الركام والخوف والحاجة، بينما يبدو العالم وكأنه اعتاد المشهد، وأصبح سقوط الضحايا خبرا عابرا وسط زحام الأزمات والصراعات الدولية.
لقد كان اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُعلن في أكتوبر 2025، برعاية وجهود وساطة شاركت فيها مصر وقطر والولايات المتحدة وتركيا، لحظة أمل حقيقية بعد سنوات من القتل والدمار. وأكدت الأمم المتحدة آنذاك ضرورة الالتزام الكامل بالاتفاق، وضمان دخول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وتحويل الهدنة إلى سلام دائم.
لكن ما جرى على الأرض خلال الشهور التالية يكشف أن كلمة «وقف إطلاق النار» لم تؤد بالنسبة إلى أهل غزة لعودة الحياة الطبيعية.. فوفق بيانات الأمم المتحدة، سجلت منذ بدء اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 وحتى سبتمبر 2026 مئات حالات القتل والإصابة في غزة، فيما استمرت الضربات والاشتباكات وقيود الحركة، وأصبح المدنيون يدفعون ثمن استمرار التوتر العسكري.. وقد وثقت الأمم المتحدة، حتى سبتمبر 2026، أكثر من 1,300 حالة وفاة فلسطينية منذ إعلان وقف إطلاق النار، إلى جانب آلاف المصابين.
وهنا يبرز السؤال المهم:
كيف يمكن الحديث عن سلام بينما لا يزال المواطن الفلسطيني يعيش تحت تهديد السلاح، ولا يعرف متى يستطيع أن يعود إلى منزله، أو ما إذا كان المنزل لا يزال قائما أصلا؟
غزة اليوم ليست فقط أرضا مدمرة، وإنما مجتمع كامل تعرض لتفكيك هائل.. أحياء سكنية اختفت.. مدارس تحولت إلى ملاجئ.. مستشفيات تعمل في ظروف شديدة الصعوبة ولا تجد ما تواجه به اصابات الذين يفدون اليها يوميا نتيجة القصف المتواصل للاحياء السكنية، ومئات الآلاف يعيشون داخلها في ظروف نزوح قاسية. وتؤكد الأمم المتحدة أن اتساع المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية والقيود المفروضة على الحركة يعرقلان وصول المساعدات ويزيدان المخاطر التي يتعرض لها المدنيون.
الأخطر مما سبق أن الكارثة الإنسانية لا تتوقف عند نقص الغذاء والدواء والمياه ومستلزمات الحياة.. فهناك كارثة اجتماعية ونفسية تتسع كل يوم..
أطفال فقدوا آباءهم وأمهاتهم، أسر فقدت منازلها، أمهات أصبحن المعيلات الوحيدات لأسرهن، وشباب وجدوا أنفسهم أمام مستقبل غامض بعد أن دمرت مدارسهم وجامعاتهم وأعمالهم.. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن الأسر التي تعيلها نساء تضاعفت تقريبا منذ بداية الحرب، لتصل إلى نحو 86 ألف أسرة، أي ما يقارب أسرة واحدة من كل أربع أسر في غزة.
هذه الأرقام لا تستطيع وحدها أن تنقل حجم المأساة.
فالقتيل قد يكون أبا أو أما أو طفلا أو شقيقا أو زوجا. والمصاب هو إنسان فقد القدرة على العمل أو الدراسة أو الحركة.
أما النازح فيعني في كثير من الأحيان أسرة فقدت المكان الذي كانت تسميه وطنا.
تخيل وقاحة المحتل المجرم وهو يستهدف الذين يسيرون فى شوارع غزة إلى المساجد لأداء صلاة الجمعة كما حدث يوم الجمعة الماضى ليقع بعضهم بين شهيد وجريح.. فهل هناك إجرام أكثر مما يفعله أحقر جيش احتلال فى التاريخ.
من أكثر المشاهد الإنسانية قسوة ذلك المتعلق بالأسر الفلسطينية المشتتة بين غزة ومصر وخارج المنطقة. فهناك فلسطينيون غادروا غزة خلال سنوات الحرب او قبلها، وأقام بعضهم في القاهرة وغيرها، ثم وجدوا أنفسهم أمام إجراءات وقيود وتعقيدات تحول دون عودتهم بالسهولة التي يتصورها الإنسان عندما يريد العودة إلى وطنه.
السفارة الفلسطينية في القاهرة تؤكد أن عودة الراغبين من مصر إلى قطاع غزة تتم من خلال آلية تنسيق محددة، وقد أعلنت بالفعل إجراءات لتسجيل الراغبين في العودة عبر معبر رفح.. كما أُعيد فتح المعبر في فبراير 2026 لحركة الأشخاص في الاتجاهين، بما في ذلك عودة فلسطينيين إلى غزة، ولكن ظلت حركة العبور محدودة جدا وتعرضت للإغلاق المؤقت خلال بعض الفترات وفقا لاهواء سلطات الاحتلال.
لكن وراء هذه الإجراءات الرسمية قصصا إنسانية لا تظهر في البيانات.
هناك أسر أبناؤها موزعون بين الداخل والخارج، وأزواج وزوجات تفصل بينهم الحدود، وأطفال يعيشون بعيدا عن أحد الوالدين، وأشخاص غادروا غزة للعلاج أو التعليم أو هربا من الحرب ثم أصبح الرجوع بالنسبة إليهم رحلة شديدة التعقيد والصعوبة ويعيشون فى القاهرة مع أسرهم بلا عمل وبلا دخل وبلا مساعدات من المؤسسات الدولية.
إن الأسرة التي تتوزع بين القاهرة وغزة لا تحتاج إلى خطاب سياسي حتى ندرك حجم معاناتها.. يكفي أن نتخيل أبا في القاهرة لا يعرف متى يرى أبناءه، أو أما في غزة تنتظر عودة أحد أفراد أسرتها، أو طفلا كبر سنوات بعيدا عن أحد والديه.
وهنا لا بد من سؤال المجتمع الدولي: إلى متى؟
إلى متى تبقى الاتفاقات حبرا على ورق بينما تستمر معاناة المدنيين؟ وإلى متى تتحول المساعدات الإنسانية إلى عملية مؤقتة بدلا من أن تكون حقا ثابتا للإنسان في الغذاء والدواء والماء والأمان؟
إن اتفاق شرم الشيخ لم يكن مجرد صورة جماعية لقادة ومسئولين أمام الكاميرات، وإنما كان يفترض أن يكون خطوة نحو إنهاء الحرب وتثبيت وقف إطلاق النار وفتح الطريق أمام المساعدات وإعادة إعمار غزة.. وقد أكدت الأمم المتحدة أن تنفيذ الاتفاق بصورة كاملة هو الطريق الضروري لإنهاء المعاناة وفتح أفق سياسي دائم.
إن ما يحدث الآن يضع المجتمع الدولي أمام مسئولية أكبر من إصدار البيانات.
فالكلمات لا تعيد بيتا تهدم، ولا تعيد طفلا فقد والديه، ولا تعالج جريحا، ولا تجمع أسرة تشتت أفرادها بين الحدود.
غزة تحتاج إلى أكثر من هدنة مؤقتة.. تحتاج إلى حماية المدنيين، وإلى وصول المساعدات دون عوائق، وإلى ضمان حرية الحركة الإنسانية، وإلى إعادة بناء المستشفيات والمدارس والمساكن والبنية الأساسية، وإلى معالجة مشكلة الأسر المشتتة، وإلى مسار سياسي واضح يضع حداًد دائما للحرب ويضمن حقوق الفلسطينيين والإسرائيليين في الأمن والسلام وفق القانون الدولي.
أما استمرار القتل في ظل إعلان وقف إطلاق النار، فهو يعني أن الكارثة لم تنته، وإنما تغير شكلها.
والعالم الذي اكتفى لسنوات بمشاهدة الصور القادمة من غزة، مطالب اليوم بأن يثبت أن حياة المدني الفلسطيني ليست أقل قيمة من حياة أي إنسان آخر.
فليس من الطبيعي أن يصبح قتل المدنيين خبرا يوميا، ولا أن يصبح الطفل الذي يعيش في الخيمة رقما في تقرير إغاثي، ولا أن تصبح الأسرة التي تنتظر عودة أحد أفرادها قصة عادية في زمن الحرب.
غزة تحتاج إلى ضمير عالمى حى ينقذ أهلها من هذه الكارثة الإنسانية.
غزة تنادي العالم: أوقفوا مسلسل القتل اليومى.
غزة تريد الغذاء والدواء ووسائل الاعاشة على وجه السرعة خاصة مع قرب حلول الشتاء.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
