الجمعة , 9 أكتوبر 2026

د. عامر عيد يكتب.. زيارة نتنياهو للإمارات والمقامرة الخطيرة للعرب .. الولايات المتحدة تتراجع عن الشرق الأوسط بعد فشلها في إعادة تشكيله (1-5)

إن تعميق العلاقات الدبلوماسية والعسكرية، في ظل الإبادة الجماعية في غزة، ينطوي على مخاطر تفاقم الغضب الشعبي الناجم عن القمع والفساد والمصاعب الاقتصادية؛ ومع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، يواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ضغوطاً متزايدة عقب تقارير إعلامية توثق فشله المزعوم في التعامل مع تحذيرات بشأن هجمات حركة حماس في 7 أكتوبر 2023؛ وأثارت صحيفة “هآرتس” ضجة واسعة في 8 سبتمبر الماضي، عندما أفادت بأن رئيس دولة الإمارات، محمد بن زايد، الذي يُعد ربما أقرب حليف عربي لنتنياهو، كان قد وجه “تحذيراً صريحاً” لرئيس الوزراء الإسرائيلي قبل الهجوم بنحو عشرة أيام؛ كما أفادت مجلة “ذا أتلانتيك” بأن مسؤولين مصريين نبهوا إسرائيل مراراً وتكراراً إلى هجوم وشيك لحماس، حيث سافر رئيس المخابرات المصرية آنذاك، عباس كامل، إلى تل أبيب قبل أيام من 7 أكتوبر لتسليم تحذير شخصياً.

دول عربية ضد إيران!

وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية في 25 سبتمبر الماضي أن نتنياهو لم يكشف عن هذه التحذيرات لقادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية خلال اجتماع أمني رفيع المستوى عُقد في 1 أكتوبر 2023؛ وقبل أسابيع قليلة من انتخابات 27 أكتوبر، لجأ نتنياهو إلى صديقه القديم في أبوظبي، محمد بن زايد؛ وفي يوم الأحد، سافر نتنياهو جواً إلى الإمارات لحضور ما كان يُفترض أن يكون اجتماعاً سرياً؛ وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن الاجتماع، الذي استمر ساعة واحدة، عُقد في المطار، وتلته محادثات استمرت عدة ساعات مع مسؤولين من دول عربية أخرى؛ لم يكشف أي من الطرفين عن تفاصيل دقيقة للمحادثات، لكن وسائل إعلام إسرائيلية أوردت نبأً مدوياً، فقد طلب نتنياهو من بن زايد نفي التقارير التي تحدثت عن التحذير، إلا أن بن زايد رفض ذلك، إذ لم تكن الإمارات راغبة في الانجرار إلى أتون السياسة الداخلية الإسرائيلية قبيل الانتخابات؛ وتواصل حكومات عربية رئيسية التعامل مع إسرائيل وكأن الأمور تسير بشكل طبيعي، حتى في الوقت الذي ترتكب فيه إسرائيل فظائع في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا ومناطق أخرى.

وقد وصف مكتب نتنياهو التقارير التي تحدثت عن هذا الطلب بأنها “أخبار كاذبة”؛ وفي اليوم التالي، صرّح نتنياهو عبر منصة “إكس” بأن “دولاً وجهات أجنبية معادية، بما في ذلك دول عربية”، تقف وراء “افتراءات دموية كاذبة” تهدف إلى إسقاط حكومته، وذلك رغم ما أُفيد عن طلبه المساعدة من رئيس الإمارات؛ إن الاجتماعات التي تعقد بين كبار المسؤولين الإسرائيليين والعرب في ظل عدوان إسرائيلي غير مسبوق تسلط الضوء على واقع مستمر منذ سنوات، إذ تواصل حكومات عربية رئيسية التعامل مع إسرائيل وكأن الأمور تسير بشكل طبيعي، حتى في الوقت الذي ترتكب فيه إسرائيل فظائع في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا ومناطق أخرى؛ وقد ركز الاجتماع الموسع في أبوظبي، الذي ذكرت هيئة البث الإسرائيلية “كان” أنه ضم مسؤولين من دول لا تقيم علاقات مع إسرائيل، على التعاون الإقليمي لمواجهة إيران.

تجاوزات العرب والتطبيع الإسرائيلي

وأشارت “كان” إلى أن طائرات قادمة من المغرب وليبيا وقطر، والأخيرة، التي قصفت إسرائيل عاصمتها قبل عام واحد فقط، قد حطت في أبوظبي أثناء زيارة نتنياهو؛ ومع ذلك، يبدو أن الحكومات العربية تعتقد أنها قادرة على الفصل بين علاقاتها مع إسرائيل وبين عدوان إسرائيل التوسعي ومواقف الرأي العام العربي؛ وبعبارة أخرى، فهي ترغب في أن تُترك لها حرية المضي قدماً في علاقات دبلوماسية طبيعية مع إسرائيل، مع الاكتفاء بإدانة جرائم الحرب الإسرائيلية من حين لآخر وتنظيم عمليات إيصال المساعدات للفلسطينيين المنكوبين؛ إنها لعبة خطيرة؛ لقد وظّف نتنياهو تعاملاته مع القادة العرب لتبرير العدوان الإسرائيلي؛ فمنذ بدء الإبادة الجماعية في غزة، سعى إلى تصوير الحرب على أنها تتماشى مع الأهداف العربية العريضة المتمثلة في محاربة الإرهاب، بل إنه ألمح إلى أن قادة عرباً أخبروه سراً بموافقتهم على سياسة الحرب الإسرائيلية.

من منظور جوهري، تتجاوز العلاقات العربية مع إسرائيل مجرد تقويض الفلسطينيين؛ فهي في الواقع تُمكّن العدوان الإسرائيلي؛ لم تؤدِ حرب الإبادة الجماعية والعدوان التوسعي اللذان شنتهما إسرائيل بعد 7 أكتوبر إلى قلب موازين العلاقات الإسرائيلية العربية بالقدر الذي توقعه بعض المراقبين؛ تواصل الإمارات توسيع علاقاتها التجارية والأمنية مع إسرائيل؛ فقد ارتفع حجم التجارة الثنائية بنسبة 11% ليصل إلى 3.2 مليار دولار في عام 2024، كما اعترضت بطارية “القبة الحديدية”، التي تديرها إسرائيل، صاروخاً إيرانياً فوق الأراضي الإماراتية في شهر مايو الماضي؛ ووقعت مصر اتفاقية لتوريد الغاز الطبيعي مع إسرائيل بقيمة 35 مليار دولار في عام 2025، بينما أعلن كل من المغرب وإسرائيل في 16 سبتمبر الماضي عن رفع مستوى علاقاتهما الدبلوماسية لتشمل تبادل السفراء وافتتاح سفارات كاملة؛ لقد حافظت دول “اتفاقيات أبراهام”، ولا سيما الإمارات والمغرب، على علاقاتها مع إسرائيل أو عززتها، حتى في ظل الدمار الذي ألحقته إسرائيل بقطاع غزة.

وكانت كل من مصر والأردن قد طبعتا علاقاتهما مع إسرائيل قبل عقود من توقيع الاتفاقيات عام 2020، وتؤكد استمرار علاقاتهما الحقيقة ذاتها، لقد فصل مسار التطبيع إلى حد كبير بين التعاون مع إسرائيل وبين الفظائع التي ترتكبها بحق الفلسطينيين واللبنانيين وغيرهم في المنطقة؛ بل إن هناك نقاشاً مستمراً، سواء في إسرائيل أو الولايات المتحدة، حول توسيع نطاق الاتفاقيات لتشمل دولاً عربية أخرى؛ ولا يزال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونتنياهو يضعان المملكة العربية السعودية نصب أعينهما؛ إذ صرح ترامب في يوليو الماضي بأن إبرام اتفاق نووي مدني بين الولايات المتحدة والسعودية “مرهون تماماً” بانضمام المملكة إلى الاتفاقيات؛ ومن جانبها، أكدت السعودية مراراً أنها لن تقبل اتفاق تطبيع دون إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة.

وإلي لقاء قادم بإذن الله.


الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية

شاهد أيضاً

د. عامر عيد يكتب.. ضغوط إيران والحوثيين تدفع الخليجيين لإعادة حساباتهم .. تركيا تستبعد دورًا عسكريًا في اليمن والعسكريون الأمريكيون منقسمون وتقلبات ترامب تبحث عن تحالفات جديدة (1-4)

عندما طلبت السعودية وحلفاؤها اليمنيون مساعدة الولايات المتحدة لوقف تقدم المتمردين الحوثيين، كانوا يأملون في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *