السبت , 10 أكتوبر 2026

شحاته زكريا يكتب.. توطين العقل لا استيراد الحديد.. ما وراء الحلم الكوري في مصر


في العلاقات الدولية هناك شراكات تبنى لتمرير مرحلة وهناك شراكات أخرى تولد لتعيد تعريف المستقبل. والحديث الذي يتجدد اليوم بين القاهرة وسيول ينتمي بلا شك إلى الصنف الثاني. لسنا هنا بصدد بروتوكول دبلوماسي تقليدي تتبادل فيه الوفود الابتسامات الرسمية أمام العدسات بل أمام اختبار حقيقي لوعينا الاستراتيجي: كيف نتعامل مع دولة لم تنهض بثروات باطنية هبطت عليها من السماء بل نهضت بقوة العقل والتنظيم حين أغلقت كل الأبواب في وجهها؟
كوريا الجنوبية ليست مجرد اسم لامع على شاشات التلفاز أو في نشرات الأخبار إنها درس حي في كيفية الخروج من قاع الهزيمة والفقر. قبل سبعة عقود فقط كانت شبه الجزيرة الكورية أرضا محروقة مزقتها الحرب الأهلية لا تملك من مقومات البقاء إلا بقايا رماد. لم يكن لدى الكوريين براميل نفط يبيعونها ليشتروا بها رفاهية مستعارة ولا مساحات شاسعة تكفيهم زراعيا كان رهانهم الوحيد والصارم هو الاستثمار في الإنسان كيف يتحول الطالب إلى باحث والعامل إلى صانع والمهندس إلى مبتكر يناطح أعتى مدارس الصناعة في الغرب والشرق من هنا تحديدا يتحدد الفارق بين أن نكون شركاء لكوريا أو نبقى مجرد مستهلكين لبضائعها. إذا دخلنا هذه الشراكة بمنطق المستورد الذي يملك سوقا تضم أكثر من مئة مليون مستهلك ويريد ملء المتاجر بأحدث الأجهزة والسيارات وقضبان القطارات فإننا لم نغادر مربعنا القديم قيد أنملة. هذا مسار سهل ومجرب لكنه مسار مستنزف لا يبني مستقبلا. القيمة الحقيقية التي نحتاجها من سيول ليست في عدد الحاويات التي تفرغ شحناتها في موانئنا بل في نقل تلك الخلطة السرية التي حوّلت شركاتهم من ورش تجميع متواضعة إلى أساطير عالمية. حين نتابع الخطوات المشتركة في توطين صناعات النقل وعربات السكك الحديدية والإلكترونيات نشعر أن هناك شيئا مختلفا يتحرك في العمق. النقطة الفاصلة هنا لا تتعلق فقط بتوفير فاتورة النقد الأجنبي رغم أن هذا هدف ملح وحيوي بل في زرع ثقافة الإتقان الكورية داخل المصنع المصري. التصنيع ليس مجرد آلات حديدية تدار بالكهرباء بل هو انضباط صارم ونظام جودة لا يقبل بنصف حل وعقيدة عمل ترى في كل خطأ صغير فرصة للتطوير لا مبررا للتسويف. لكن الصراحة تقتضي أن نعترف بأن الشريك الكوري مهما بلغت درجة التفاهم السياسي والودي معه لن يقدم مفاتيح نهضته بالمجان. رجل الأعمال في سيول لا يتحرك بالعواطف إنه يبحث عن بيئة استثمارية مستقرة وتشريعات واضحة لا تتبدل مع كل تغيير إداري وقضاء تجاري سريع وناجز وموانئ وبنية لوجستية تختصر زمن النقل وتكلفة الإنتاج. ومصر بما أنجزته في بنيتها التحتية وتطوير محور قناة السويس تمتلك اليوم أوراق قوة حقيقية تجعلها الشريك الأكثر جاذبية لكوريا للدخول إلى الأسواق الإفريقية والأوروبية. غير أن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا بجرأة ماذا سنفعل نحن داخل ورشنا ومصانعنا؟ التوطين الحقيقي للصناعة لا يتحقق بتجميع قطع مستوردة وتثبيت مساميرها محليا لنلصق عليها شعار صنع في مصر هذا التفاف لا يصنع تنمية مستدامة. التوطين يبدأ حين تبنى حول المصانع الكبرى مئات الورش والمصانع الصغيرة والمتوسطة التي تغذي خطوط الإنتاج بقطع غيار مصرية الصنع بمواصفات قياسية معتمدة عالميا. التوطين يعني أن يقف المهندس المصري الشاب بجوار الخبير الكوري ليسجل الملاحظات ويفكك الشفرات ثم يبدأ في الابتكار والتعديل بما يلائم بيئتنا واحتياجاتنا. إن العالم من حولنا يتشكل من جديد في تحالفات اقتصادية وتكنولوجية شرسة والاعتماد على الحلول الجاهزة لم يعد خيارا آمنا لأحد. لقد برهنت الأزمات الدولية المتلاحقة من اضطراب سلاسل الإمداد إلى تقلبات أسعار الطاقة والعملات أن الدولة التي لا تملك مفاتيح إنتاجها وتكنولوجيتها تظل رهينة لقرارات الآخرين وظروفهم. الشراكة مع كوريا الجنوبية تفتح لنا نافذة استثنائية ليس فقط للعبور نحو أسواق جديدة بل لكسر ذلك الحاجز النفسي الذي أقنعنا لعقود بأن التكنولوجيا المعقدة حكر على غيرنا. وإذا كانت سيول قد استطاعت أن تصنع معجزتها في سنوات معدودة بإرادة حديدية وعمل متواصل فإن مصر بتاريخها وعقولها وطاقاتها البشرية الهائلة ليست بأقل قدرة على خوض الرهان نفسه والانتصار فيه.
المسألة كلها تتلخص في كلمة واحدة: الإرادة. إرادة التعلم بلا خجل وإرادة العمل بلا كلل وإرادة بناء اقتصاد يقف على قدميه بثبات لا ينتظر ما تجود به مصانع الآخرين بل يفرض احترامه بما تنتجه أيادي أبنائه.

شاهد أيضاً

د. جيهان رفاعى تكتب.. بينَ القلمِ .. والمِطرقةِ

سوقُ العملِ فى مصر ميدانُ كِفاح، وسَبيلُ نّجاح، فِيهِ تَتَنافسُ العُقول، وتَتَمايزُ الفُصول والمواسم فى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *