السبت , 10 أكتوبر 2026

د. كمال يونس يكتب .. الهروب من المسرح

يعاني الفنان المسرحي بشكل عام من عيوب عملية ظهور المسرحية للنور وعرضها على الجمهور بين بروفات مضنية ما بين حفظ الدور وبروفات تمتد لشهور وقد يعرض العمل أو لا ..ناهيك عن استهلاكه للوقت وعدم التوفيق في المواعيد بينه وبين الأعمال التليفزيونية والسينمائية مرتفعة العائد ومردوها في الشهرة بإذاعتها ، ومما فاقم هذه النظرة عدم تسجيل الأعمال المسرحية تليفزيونيا وعرضها على الجمهور ، ولا يغفل أن فرقة مسرح مصر الإفيهاتي بأعمالها المتردية وكثرة عرضها وانتشارها بددت قيمة المسرح وأعماله في نفوس الجمهور .
وفي تصريحات منشورة في أبريل 2026، وصف رئيس قطاع المسرح أيمن الشيوي هذه المشكلة بوضوح، مشيرًا إلى أن الفنان قد يقضي في المسرح عدة أشهر في البروفات ثم عدة أشهر أخرى في العروض، بينما يستطيع في بعض أعمال الدراما المصورة إنجاز العمل خلال فترة زمنية أقصر نسبيًا. وأضاف أن الفارق لا يتعلق بالمال وحده، وإنما أيضًا بالطاقة والوقت والانضباط المطلوب.
وهذا يؤثر بشكل جلي على قدرة المؤسسات المسرحية على استقطاب الممثلين للعمل في عروضها
وفي يوليو 2026 أكد رئيس البيت الفني للمسرح إيهاب فهمي أن ضعف المقابل المادي يمثل أحد التحديات التي تؤثر في إقبال بعض الفنانين على العمل المسرحي.
وأكد على هذا الممثل محمد رمضان، في حوار صحفي، بقوله : إن أجر عمل تلفزيوني واحد كان يمكن أن يوازي أو يزيد على ما حصل عليه من المسرح على مدى سنوات، مع تأكيده في الوقت نفسه على القيمة الفنية التي منحها المسرح له.
وأما عن لغة العروض فهي العامية والارتجال بلا حدود فرديا للنجم أو متفرقا على بعض المشاركين الآخرين بدون ضابط ولا احترام للنص حسب سطوة كل من المشاركين ، يحترم ولذا أصبح جليا هروب الكثير من الممثلين من النصوص المكتوبة بالفصحى لما تتطلبه من حفظ وتدريبات على النطق وضبط الكلمات ومخارج الحروف، والإحساس بالمعاني وتجسيد وأداء الشخصية بها ، والاهتمام بالفصحى وممارستها مسرحيا فقط أثناء الدراسة بالمعهد .
ولعل عروض اللغة العربية مخيفة لتعقب النقاد للخلل في تقديمها مما يجعل الفنانين يؤثرون السلامة فيبعدون عنها أو يهربون منها ، والأخطاء عامة في العروض المسرحية لا فرق بين عروض المحترفين الدارسين والهواة .
وفي مقال قديم لي بعنوان ضياع اللغة العربية في العروض المسرحية تناولت ىهذه الظاهرة التي تتفاقم بمرور الأيام ،وها هو نص المقال :
إن الحنين الجارف للأداء المسرحي بالعربية الفصحى لهو في حقيقته اتجاه محمود، ولكن من خلال متابعة دقيقة للأداء تبرز عدة ظواهر تستحق أن نتناولها بالدراسة في عروض قدمت باللغة العربية الفصحى خلال مهرجان المسرح العربي الذى نظمته الجمعية المصرية لهواة المسرح ، أو خلال المهرجان القومي الثالث للمسرح المصري والتي قدمها البيت الفني للمسرح، المسرح القومي روميو وجوليت ، والشباب ما أجملنا ،الطليعة البؤساء، أو عرض الحضيض الذى قدمه طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية ، وهو ما جعل لجنة التحكيم توصى بضرورة الاهتمام باللغة العربية نطقا وأداء وضرورة الاستعانة بالمصححين ، وعروض الهواة الفتى الطائر، والمسرح الجامعي هانيبال، التي أوصينا فيها أن تستعين الجامعة بأقسام اللغة العربية بكلية الآداب للتصحيح .
وأول تلك الظواهر أن كثيرا من تلك العروض لمعدين عن ترجمات أو مقتبسين أغفلوا ذكر العمل الأصلي الذى اقتبسوا عنه ،أو مؤلفين ممن لديهم الجرأة على القول بأنهم يكتبون للمسرح دون رصيد لغوى يمكنهم من استخدامها بشكل صحيح، أو استساغة معانيها ، وبالتالي إيفاء الأداء اللغوي مع الانفعال الخاص بالشخصية المؤداة حقه.
وثانيها وأبرزها : كثرة الأخطاء الفادحة نطق العربية نحوا وصرفا مما يدلل على سوء تعليم اللغة العربية في المدارس والجامعات ، وهجر الشباب لها في ظل بعد الخطاب الإعلامي عن استخدام العربية وتشجيع اللهجات المحلية في الفضائيات والقنوات الفضائية الرسمية، إلا في نشرات الأخبار وبعض البرامج الدينية أو الثقافية.
ثالثا : ظاهرة العودة إلى أنماط التمثيل القديمة من علو الصوت والمبالغة في الأداء ، مع انفصال المشاعر عن الحوار المؤدى وهنا البعد عن تفهم الحوار بالفصحى أو أداؤه بتقليد أعمى للأنماط القديمة الراسخة في الذهن عن الأعمال الفنية القديمة ،مما يؤدى إلى تساقط الحروف في حالة جمل الحوار الطويلة والمنولوجات، خاصة تلك التي تكون معبقة بالمشاعر من حزن أو فرح أو تهدج صوت بالبكاء أو الحديث الهامس في إغفال هام، أو عدم دراية بذوق الوقف المسرحي ، أو تقطيع جمل الحوار ، أو تفهم ماهيتها ووظيفتها في إبراز المعاني وتوصيلها للجمهور، ومع تساقط تلك الحروف تصعب المتابعة على الجمهور، وبدلا من اكتساب جمهور جديد يتذوق العربية ينتهى الأمر برفض الجمهور وملله ونفوره من تلك العروض الثقيلة التي يعتمد معظمها على كتابات لبعض عشاق الألفاظ المتحفية المهجورة، والتي تضمها كتب التراث، وقد بعدت تماما عن الاستخدام اليومي ، أو الاعتماد على ترجمات قديمة مليئة بتلك الألفاظ، مما يثقل على أذن الجمهور حيث يلجأ الممثل لعلو الصوت والأداء بصوت عال لا يتناسب والموقف الدرامي، وذلك دليل على سوء فهم ناتج عن عدم دراسة وتعمق في الشخصية مع افتقاد الممارسة الفعلية للأداء بالفصحى أو استخدامها.
رابعا: اللجوء إلى العامية حتى في المسرحيات المكتوبة بالعربية الفصحى بغية الإضحاك سواء في الحوار أو الأغاني مما يجعلها منفصمة عن الواقع ولم تنج منها مسرحية الملك لير، وروميو وجوليت إخراج د.سناء شافع، مما يدلل على قصور الجهود المبذولة لتقديم لغة سائغة يفهمها الجمهور.
ولم يحفل أحدمن المهتمين بأن يذكر أن ترجمة مسرحية الملك لير للدكتورة فاطمة موسى كانت من عناصر نجاح المسرحية الساحق وإعادة عرضها عدة شهور كل عام مع إغفال معظم النقاد لذلك والحديث فقط عن براعة الفخراني ونجوميته التي لا أنكر طبعا دورها في نجاح العمل وإنجاحه.
وفي مقالة لي بعنوان الترجمة المسرحية بين التقليد والتجديد أشرت إلى مواصفات الترجمات التي من وجهة نظري يمكن قبولها جماهيريا ،وهنا يجب وتجدر الإشارة على أن المترجم للنص الأدبي المسرحي قد يكون منفصما ومنفصلا عن الإحساس بجمهور المسرح وقابليته اللغوية ورغباته، وبعض المترجمين حين يتصدى لترجمة مسرحية شعرية يزيد من صعوبة الوضع حين يلجأ إلى صياغتها شعرا فيلجأ لغريب من الألفاظ المتحفية محافظة منه على الأوزان سواء أكان شعرا عموديا وهو نادر الاستخدام لرتابته أو اللجوء للشعر المنثور أو النثر المشعور أو الشعر الحديث وهو الأيسر في الاستخدام ولكن الحشو المقيت بالألفاظ الوحشية يصبح سمة غالبة حتى أنه يجب التنبيه على الجمهور بأن يصطحب معه معجما ليفتش فيه عن معانى كثير من الكلمات.
خامسا: الحاجة الشديدة للدراماتورج أو المستشار الأدبي والفني للنص وهو حلقة وصل فنية أدبية فاعلة لا تذلل فقط بعض العقبات من ناحية الفنية و لغة النص الأدبي وإكسابها صفة العصرية وفي نفس الوقت تراعى رغبات الجمهور وذائقته الآنية .

شاهد أيضاً

مهرجان القاهرة للسينما الفرنكوفونية يختتم دورته السادسة بالإحتفاء برواد السينما

في حضرة أساطير الفن المصرى وليلة وفاء إستثنائية :تلاميذ وأبناء رواد السينما وأسرهم يحتفلون بمئوية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *