السبت , 10 أكتوبر 2026

سيد الرشيدي يكتب .. من ذكريات الرعي: النَّعجة القطور وأيام الصبا الخوالي


لرعي الأغنام في البادية والريف أصولٌ وقوانينُ ونظام؛ فليس الرعي مجرد سعيٍ خلف الشياه، بل هو فنٌّ وتجربةُ حياةٍ تُصقل فيها النفوس وتتفتح فيها ذكريات الطفولة والصبا.
كنا نستيقظ مع تباشير الفجر الأولى، نخرج بالأغنام لترعى في حقول أبي وجيراننا؛ لأن الغنم بطبيعتها تحب أن تأكل العشب فجراً، وتستهويها الحركة والجري في الصباح الباكر، حتى إذا ما حمي عليها جو الصباح وتسامت الشمس في كبد السماء، لجأت إلى الظلال واستراحت هرباً من الحرارة.
كنا نخلط أغنامنا مع أولاد قبيلة “العوازم”، فنغدو مجموعة واحدة تجمعنا المحبة والألفة، نلعب ونمرح بين الحقول والخضرة والجمال. والبدو الذين يسكنون في الريف هم أكثر الناس سعياً ورعايةً للأغنام، وما هاجروا قديماً من أرض نجد والحجاز إلا بحثاً عن المرعى والعشب وتتبعاً لمواطن الغيث. وكنا نرى ونحن صغار كيف يمكث بدو الصحراء في الريف والقرى أياماً وأشهراً من أجل رعي أغنامهم؛ نظراً لأن الصحراء كانت قاحلة لا زرع فيها ولا ماء.
قواعد الرعي وتقاليده:
وللرعي أصول دقيقة كنا نلتزم بها؛ فكنا نجعل شخصاً يمشي أمام الغنم ليقطرها ويلفتها نحو المكان الذي نحب أن نرعى فيه. وكذلك يكون البعض منا على الجوانب يحمل كل منهم عصاه كي يمنع الغنم من التعدي على حقول الآخرين، وهو ما يُسمى في عرفنا بـ “مُباري الغنم”؛ حتى لا تأكل زرع الجيران.

وعندما نقيل بالغنم تحت ظل الأشجار الوارفة في الظهيرة، نقوم بحلب الماعز، ثم نسقي الخبز باللبن أو نشربه سائغاً طازجاً. وكانت هذه متعةً لا تُضاهى ولا تُقدّر بثمان، والآن نحن نتحسر عليها وعلى تلك الأيام الخالية، ونردد في أسى وشوق: “ألا تعود يوماً!”.
النَّعجة القطور
ومن أملح الذكريات التي تتراءى لنا دائماً قصة “النعجة القطور”.
كان صالح يخرج كل صباح بأغنامه ليرعى معنا في الحقول، وليستمتع باللعب معنا؛ فكنا نعلب لعبة العصا (التحطيب)، ولعبة خط النار، وشد الحبل. لكنَّ نعجةً من نعاجه لم تكن تدعه يستمتع باللعب مع أصحابه؛ فكلما همننا باللعب يرى النعجةَ قد ذهبت بعيداً لتأكل في الزروع المجاورة للمرعى، وتتبعها الأغنامُ خلفها.
فينادي عليه الناسُ من كل جانب:
“يا صالح حوش غنمك حتى لا تأكل الزرع!”
فيشتدُّ غضبه؛ لأنه يريد أن يلعب ولم يهنأ باللَّعب معنا، فاحتار في أمره: ماذا يفعل؟
فقلنا له:
“النعجة دي قطور، بتُقطر النِّعاج خلفها، لازم نقيِّدها (نربطها)؛ حتى لا تذهب بعيداً، وهذا أفضل حل”.
فقيَّدَنها فسكنت النعجةُ، فهنَأَ صالح باللَّعب معنا.
الذكريات والتحنان للماضي:
وعندما أذهب اليوم إلى قريتي (عرب الرشايدة) في صعيد مصر، ألتقي ببعض الأصدقاء الذين كنت أرعى معهم أيام الطفولة والصبا؛ فنتذكر الأيام الخوالي ونجتر الذكريات الجميلة.

نتذكر تلك “النعجة القطور” التي ما كانت تجعلنا نستريح ولا نقيل ولا نلعب العصا، وكيف كانت تذهب بعيداً عن محل الأغنام وتقطر الغنم خلفها بعيداً، فنضحك ملء قلوبنا على هذه الأيام الجميلة، ونتذكر طعم لبن الماعز، ومتعة الجري، ولعب العصا.
كنا عندما نخرج في الصباح الباكر يُوصينا الكبار: “خلوا بالكم من الذئب!”، وعندما نعود قبل الغروب، يقف كل شخص منا ليعدَّ أغنامه بعناية.
إنها ذكريات رائعة وجميلة لدرجة أنني كلما ذهبت إلى قريتي، أحنُّ لرعي الغنم ولكل بقعة ذهبت إليها وطئتها قدمي في ذلك الزمن الجميل.

شاهد أيضاً

قداسة البابا يفتتح المؤتمر العلمي الرابع لمعهد الدراسات القبطية

قداسة البابا: “هويتنا هي جذورنا كلما عدنا إلى الجذور كلما تمتعنا بعظمة هذه الجذور، وكلما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *