أجرت الولايات المتحدة وإيران ثلاث ساعات من المحادثات غير المباشرة في الأمم المتحدة في 22 سبتمبر الماضي، تولى خلالها مبعوثون قطريون نقل الرسائل بين الجانبين؛ وكانت تلك أول محادثات من نوعها منذ يونيو الماضي؛ ووصفها ترامب بأنها “مثمرة للغاية”؛ لكنه، في الوقت نفسه، كرر في خطابه أمام الجمعية العامة تهديده بـ”إبادة” إيران؛ وفي الجلسات الخاصة، كان الدبلوماسيون أقل حماسة في وصف المحادثات؛ فقد أتاحت للطرفين فرصة لإعادة تأكيد مواقفهما، لكن الصيغة لم تكن ملائمة لتحقيق اختراق، كما أن المواقف لا تزال متباعدة للغاية؛ تريد إيران أن تعود أمريكا إلى “مذكرة التفاهم”، وهي الاتفاقية قصيرة العمر التي وُقعت في يونيو الماضي؛ أما ترامب فيفضل إلغاء مذكرة التفاهم، التي لم يكن مقرراً أصلاً أن تكون سوى اتفاق مؤقت لمدة 60 يوماً، والتفاوض على اتفاق جديد؛ والتقى الرئيس الأمريكي أيضاً مسؤولين من دول الخليج، إلى جانب تركيا وأربع دول عربية أخرى؛ ومرة أخرى، جاءت الرسائل متناقضة، تحدث عن وجود “زخم كبير” نحو التوصل إلى اتفاق، لكنه حذر أيضاً من أنه قد يقصف موقعاً نووياً في إيران.
السياسة والحرب الاقتصادية
وفي الوقت نفسه، يواصل الطرفان حربهما الاقتصادية؛ فقد هاجمت إيران ما لا يقل عن خمس ناقلات في مضيق هرمز خلال الأسبوع الماضي؛ وفي 23 سبتمبر الماضي، فرضت أمريكا عقوبات تستهدف الشركات الأجنبية التي تزود الطائرات الإيرانية بالوقود أو تقدم لها خدمات، وهو ما سيمنع، عملياً، شركات الطيران الإيرانية من السفر إلى معظم الوجهات في الخارج؛ وبينما تطول الحرب في إيران، تصاعدت الحرب في اليمن؛ ففي هذا الشهر، تخلى الحوثيون، وهم جماعة مدعومة من إيران، عن وقف إطلاق النار الذي أُبرم عام 2022 مع خصومهم المدعومين من السعودية؛ واستولوا على جزء من الساحل الجنوبي الغربي لليمن؛ ومنحهم ذلك قبضة أقوى على باب المندب، الممر المائي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، حيث كانوا يسعون بالفعل إلى فرض حصار على السفن السعودية؛ كما استأنف الحوثيون هجماتهم على السعودية نفسها.
ففي 15 سبتمبر الماضي، قالت السعودية إنها اعترضت طائرة مسيرة قرب مكة، وبعد أربعة أيام، أصاب صاروخ حوثي خزان وقود في مطار الرياض، في أول هجوم لهم على العاصمة السعودية منذ سنوات؛ وبشكل منفصل، ضربت ميليشيات عراقية أهم خط أنابيب نفطي في المملكة السعودية، وأخرجته من الخدمة لأكثر من أسبوع، قبل أن يستأنف عملياته في 22 سبتمبر من العام الحالي؛ ومع ذلك، لم يدفع أي من هذا أسعار النفط إلى مستويات كارثية، وهي الأداة الرئيسية التي تأمل إيران استخدامها للضغط على ترامب من أجل التوصل إلى اتفاق؛ فقد ارتفع سعر خام برنت إلى 109 دولارات للبرميل بعد الهجوم الحوثي وضرب خط الأنابيب، ثم تراجع؛ وكان عند نحو 102 دولار؛ وهذا الرقم، بالطبع، لا يروي القصة كاملة، فأسواق الطاقة الأوسع تمر بظروف صعبة؛ وقد تجاوز سعر خام برنت “المؤرخ”، للتسليم بعد بضعة أسابيع، 130 دولاراً للبرميل هذا الشهر؛ كما أصبحت المنتجات المكررة شحيحة، وبلغ متوسط سعر الديزل في أمريكا الآن 6.52 دولارات للغالون، وهو أعلى مستوى على الإطلاق.
الضغط الاقتصادي ورهان الفوضى
لكن ترامب لا يزال متمسكاً بموقفه، رغم أن أسعار الوقود تهدد حزبه الجمهوري بهزيمة ثقيلة في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر القادم؛ أمل ترامب يتغلب على التجربة من جانبها، لا تزال أمريكا تأمل أن يدفع الضغط الاقتصادي إيران إلى الاستسلام؛ فالحصار المفروض منذ شهرين على الملاحة الإيرانية يتسبب في فوضى؛ ومع تعطل الموانئ، تواجه إيران صعوبة في تحويل تجارتها إلى الطرق البرية، مئات الشاحنات عالقة في طوابير تستمر أياماً على الحدود؛ والريال يسجل أدنى مستوى قياسي تلو الآخر؛ والتضخم يقترب من خانة الأرقام الثلاثية؛ كما أن وقف رحلات شركات الطيران الإيرانية سيعطل سلاسل إمداد الأدوية في البلاد؛ وقد أقر مسعود بزشكيان، الرئيس الإيراني، بعمق الأزمة؛ ويتذمر محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، من المتشددين الذين يرفضون الدبلوماسية؛ لكن النظام، مثل ترامب، مستعد لتحمل مزيد من الألم؛ ولا يستطيع أي من الطرفين حسم الحرب بصورة قاطعة لمصلحته.
والرأي السائد في واشنطن وطهران والخليج هو أن الحرب ستستمر حتى نهاية العام؛ وقد أبلغ محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، الأمريكيين بألا يتعجلوا العودة إلى مذكرة التفاهم؛ فهو يفضل أن يواصلوا الحصار ويسعوا إلى اتفاق جديد؛ وتشترك معظم دول الخليج في هذا الرأي، باستثناء قطر وعُمان؛ كما أن إيران ليست في عجلة من أمرها لإبرام اتفاق قد يخفض أسعار النفط ويمنح ترامب دفعة قبل انتخابات التجديد النصفي؛ أما محللو بنك “جيه بي مورغان تشيس” فقد تخلوا عن محاولة توقع ما سيحدث تالياً؛ وكتبوا في 17 سبتمبر: “ببساطة، لا نعرف كيف نصوغ نموذجاً لنهاية اللعبة”؛ وليست هذه المرة الأولى التي تتعثر فيها أمريكا في مستنقع شرق أوسطي؛ فقد جربت خلال العقود الماضية تقريباً كل أشكال التدخل العسكري في المنطقة؛ أرسلت قوة برية هائلة لإسقاط صدام حسين في العراق، واستخدمت القوة الجوية لإسقاط الرئيس القذافي في ليبيا، وسلحت المتمردين السوريين، ودعمت تحالفاً بقيادة السعودية دخل الحرب في اليمن عام 2015؛ نجحت بعض هذه التدخلات في تغيير الأنظمة، لكنها تركت الفوضى وراءها؛ وفشل بعضها الآخر تماماً؛ ولم يؤد أي منها إلى نتيجة مفيدة للمصالح الأمريكية.
وإلي لقاء قادم بإذن الله.
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
