رَغْمَ الفَارِقِ الشَّاسِعِ فِي المَوَازِينِ المَادِّيَّةِ، وَاتِّسَاعِ الهُوَّةِ العَدَدِيَّةِ وَالتَّكْنُولُوجِيَّةِ فِيمَا بَيْنَ التَّرْسَانَاتِ، وَرَغْمَ التَّفَوُّقِ العَسْكَرِيِّ الهَائِلِ الَّذِي حَظِيَتْ بِهِ إِسْرَائِيلُ بِدَعْمٍ غَيْرِ مَحْدُودٍ وَإِسْنَادٍ لُوجِسْتِيٍّ عَالَمِيٍّ، حَيْثُ خَاضَتِ المَعْرَكَةَ بِأَحْدَثِ مَا أَفْرَزَتْهُ مَصَانِعُ التَّسْلِيحِ الدَّوْلِيَّةِ، نَاهِيكَ عَنِ الجِسْرِ الجَوِّيِّ الأَمْرِيكِيِّ التَّارِيخِيِّ المَفْتُوحِ لِتَزْوِيدِهَا بِأَعْتَى الأَسْلِحَةِ وَأَكْثَرِهَا تَطَوُّرًا؛ وَفِي الوَقْتِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ الدَّوْلَةُ المِصْرِيَّةُ تُوَاجِهُ تَحَدِّيًا جَسِيمًا وَخَنْقًا فِي التَّكَافُؤِ التَّسْلِيحِيِّ، اسْتَطَاعَتْ مِصْرُ بِمَنْهَجِيَّةِ العَقْلِ العَسْكَرِيِّ الخَالِصِ وَإِيمَانِ الجُنْدِيِّ أَنْ تُقَلِّبَ المَوَازِينَ رَأْسًا عَلَى عَقِبٍ، وَتُعِيدَ رَسْمَ خَرِيطَةِ الجُرْأَةِ العَالَمِيَّةِ.
وَفِي الوَاقِعِ لَمْ تَكُنْ لَحْظَةُ الصِّفْرِ أُولَى مَحَطَّاتِ العَبْقَرِيَّةِ، بَلْ سَبَقَتْهَا “خُطَّةُ الخِدَاعِ الإِسْتْرَاتِيجِيِّ” المُمَهَّدَةُ بِدِقَّةٍ؛ حَيْثُ أُدِيرَتْ مَنْظُومَةٌ إِعْلَامِيَّةٌ وَعَسْكَرِيَّةٌ مُحْكَمَةٌ أَعْمَتِ اسْتِخْبَارَاتِ العَدُوِّ عَنْ حَقِيقَةِ الجَاهِزِيَّةِ.
وَمَعَ شَارَةِ البَدْءِ، انْطَلَقَ سِلَاحُ المَهَنْدِسِينَ العَسْكَرِيِّينَ لِيَسْحَقَ كِبْرِيَاءَ “خَطِّ بَارْلِيفَ” التُّرَابِيِّ عَبْرَ فِكْرَةٍ عَبْقَرِيَّةٍ غَيْرِ مَسْبُوقَةٍ، حَيْثُ فُتِحَتِ الثَّغَرَاتُ بِالمِيَاهِ المَضْغُوطَةِ لِتَسْقُطَ الأَسْوَارُ المَنِيعَةُ فِي سَاعَاتٍ مَعْدُودَاتٍ.
وَلِتَكْتَمِلَ خُطُوطُ السِّرِّيَّةِ وَالأَمْنِ، اسْتُخْدِمَتْ “الشَّفْرَةُ النُّوبِيَّةُ” كَوَسِيلَةِ اتِّصَالٍ مُغْلَقَةٍ عَصِيَّةٍ عَلَى الفَكِّ وَالتَّشْفِيرِ، فَرَسَمَتْ صُورَةً خَالِدَةً لِتَكَامُلِ الفِكْرِ المِصْرِيِّ الأَصِيلِ.
وَلَمْ تَكُنْ حَرْبُ أُكْتُوبَرَ الْمَجِيدَةُ لَدَى الْمِصْرِيِّينَ مُجَرَّدَ جَوْلَةٍ قِتَالِيَّةٍ عَابِرَةٍ لِاسْتِرْدَادِ الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ حَسْبُ، بَلْ كَانَتْ قَضِيَّةَ شَرَفٍ عُلْيَا، وَثَأْرًا نَفْسِيًّا وَوَطَنِيًّا لِكُلِّ مُوَاطِنٍ، وَعَقِيدَةً عَسْكَرِيَّةً رَاسِخَةً تَغَلْغَلَتْ فِي وِجْدَانِ وَدِمَاءِ كُلِّ ضَابِطٍ وَجُنْدِيٍّ.
مِنْ هُنَا، تَجَسَّدَتْ أَرْوَعُ صُوَرِ التَّفَانِي؛ حَيْثُ رَأَيْنَا البَطَلَ المِصْرِيَّ يَرْتَقِي السَّاتِرَ التُّرَابِيَّ الشَّاهِقَ، حَامِلًا عَلَى كَتِفَيْهِ أَعْتِدَةً ثَقِيلَةً وَمَدَافِعَ يَحْتَارُ العَقْلُ فِي إِمْكَانِيَّةِ حَمْلِهَا فِي الظُّرُوفِ الِاعْتِيَادِيَّةِ، صَاعِدًا المُنْحَدَرَاتِ الحَادَّةَ فِي هَجِيرِ النَّهَارِ القَائِظِ وَهُوَ صَائِمٌ؛ لَقَدْ كَانَ يَحْدُوهُ إِيمَانٌ يَقِينِيٌّ لَا يَتَزَعْزَعُ، وَإِرَادَةٌ صُلْبَةٌ لَا تَعْرِفُ الِانْكِسَارَ.
وَفِي الحَقِيقَةِ إِنَّ مَا حَقَّقَتْهُ الدَّوْلَةُ المِصْرِيَّةُ هُوَ مُعْجِزَةٌ عَسْكَرِيَّةٌ مُكْتَمِلَةُ الأَرْكَانِ، تَجَلَّتْ فِي مَحَطَّاتٍ فَارِقَةٍ؛ أَبْرَزُهَا “مَعْرَكَةُ المَنْصُورَةِ الجَوِيَّةِ” التَّارِيخِيَّةُ، الَّتِي صُنِّفَتْ كَأَكْبَرِ وَأَطْوَلِ مَعْرَكَةٍ جَوِيَّةٍ فِي تَارِيخِ الطَّيَرَانِ العَسْكَرِيِّ الحَدِيثِ، وَفِي الصُّمُودِ الأُسْطُورِيِّ لِـ “المَزْرَعَةِ الصِّينِيَّةِ” الَّذِي رَسَمَ أَبْهَى آيَاتِ البَسَالَةِ وَالفِدَاءِ، ثُمَّ امْتَدَّتْ بُطُولَاتُ المَفَاصِلِ إِلَى بَوَاسِلِ “السُّوَيْسِ”، حَيْثُ تَلاحَمَتِ المُقَاوَمَةُ الشَّعْبِيَّةُ البَاسِلَةُ مَعَ القُوَّاتِ المُسَلَّحَةِ العِظَامِ لِتُسَجِّلَ صُمُودًا خَالِدًا كَسَرَ كِبْرِيَاءَ المُنْتَصِرِ المَوْهُومِ وَأَذَلَّ غَطْرَسَتَهُ.
وَلَا بُدَّ مِنَ التَّأْكِيدِ عَلَى أَنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي اسْتَطَاعَتْ بِعَزِيمَتِهَا أَنْ تَصْنَعَ هَذِهِ الْمُعْجِزَةَ الْخَالِدَةَ بِمُفْرَدَاتِ الْإِرَادَةِ الْحُبْلَى بِالْكَرَامَةِ، وَالتَّخْطِيطِ الْعِلْمِيِّ الدَّقِيقِ، وَالرَّغْبَةِ الْعَارِمَةِ فِي الْحَيَاةِ بِعِزَّةٍ وَسِيَادَةٍ، لَقَادِرَةٌ – بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ – عَلَى أَنْ تَحْمِيَ تُرْبَهَا الْوَطَنِيَّ الْمُقَدَّسَ، وَأَنْ تُعِيدَ صُنْعَ الْمَعَاجِزِ بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ فِي كُلِّ أَوْقَاتِ الِاخْتِبَارِ وَالتَّحَدِّي.
وَخِتَامًا، إِنَّ مَلْحَمَةَ أُكْتُوبَرَ الْمَجِيدَةَ لَمْ تَكُنْ صَفْحَةً تُطْوَى فِي سِجِلَّاتِ التَّارِيخِ الْمَاضِي، بَلْ هِيَ مَنَارَةٌ إِسْتْرَاتِيجِيَّةٌ مُتَجَدِّدَةٌ، وَشَفْرَةٌ جِينِيَّةٌ تَسْرِي فِي أَوْرِدَةِ الْأُمَّةِ الْمِصْرِيَّةِ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ. إِنَّهَا التَّأْكِيدُ الْخَالِدُ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ الْمَعْضُودَ بِالْعَقْلِ وَالْإِرَادَةِ لَا يَمُوتُ، وَأَنَّ صُنَّاعَ نَصْرِ أُكْتُوبَرَ قَدْ أَوْرَثُوا هَذَا الْوَطَنَ دِرْعًا صَلْبًا وَسَيْفًا بَتَّارًا؛ لِيَبْقَى الْحِصْنُ الْمِصْرِيُّ الْمَنِيعُ قَادِرًا عَلَى الدَّوَامِ عَلَى صَوْنِ مُقَدَّرَاتِهِ، وَرَدْعِ كُلِّ مَنْ تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ بِالْمَسَاسِ بِسِيَادَتِهِ وَعِزَّتِهِ.
الْكَاتِبِ الصَّحَفِيِّ الْمُتَخَصِّصِ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
