الثلاثاء , 13 أكتوبر 2026

د. عامر عيد يكتب.. زيارة نتنياهو للإمارات والمقامرة الخطيرة للعرب .. الولايات المتحدة تتراجع عن الشرق الأوسط بعد فشلها في إعادة تشكيله (5-5)

تدهورت نظرة الأمريكيين إلى إسرائيل، فقد وجد استطلاع لمركز بيو في مايو الماضي أن 62% من الأمريكيين يحملون نظرة سلبية تجاه الحكومة الإسرائيلية، بزيادة 19 نقطة عن عام 2022؛ والإجماع المؤيد لإسرائيل الذي ساعد في تشكيل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط يتلاشى؛ لكن تقليص الالتزام ليس انسحاباً؛ ستظل لأمريكا مصالح في الشرق الأوسط؛ ومكافحة الإرهاب موضوع نادر يمكن للجميع الاتفاق عليه، فعندما هدد تنظيم الدولة الإسلامية بلاد الشام، وجدت أمريكا وإيران نفسيهما تقاتلان في الجانب نفسه؛ وحتى أمريكا الأقل انخراطاً قد تواصل شن هجمات على القاعدة وجماعات أخرى؛ وستواصل بيع الأسلحة للحلفاء، والتفاوض على الاتفاقيات التجارية، ورعاية محادثات السلام؛ ومن المرجح أن تستمر المساعدات العسكرية لإسرائيل سنوات، رغم أن بعض استطلاعات الرأي تظهر أن نسبة أكبر من الأمريكيين تعارضها؛ ما سيتغير هو فكرة أمريكا باعتبارها الضامن الأمني للمنطقة وحلال مشكلاتها، أي فكرة “أننا نتصل بواشنطن كلما واجهتنا مشكلة”.

روسيا والقوى الإقليمية

وتقدم الأحداث الأخيرة في اليمن لمحة عما يعنيه ذلك؛ فترامب لم يرفض فقط طلبات متعددة من الأمير سلمان لشن غارات جوية في اليمن، بل أجرى ممثلوه أيضاً محادثات في عُمان مع مبعوثين حوثيين، تعهدوا خلالها الالتزام بوقف إطلاق النار لعام 2025 والامتناع عن مهاجمة السفن الأمريكية في البحر الأحمر؛ وربما تكون هذه الأخيرة لمسة ترامبية بامتياز؛ فمن الصعب تصور رؤساء آخرين يبرمون اتفاقات جانبية مع “إرهابيين مصنفين” رسمياً؛ لكن التردد في الانخراط سيستمر بعد ترامب؛ ولا يستطيع أحد من خارج المنطقة ملء الفراغ؛ أوروبا أضعف من أن تفعل ذلك؛ وعندما طلبت السعودية مساعدة بريطانيا، عرضت الأخيرة طائرة واحدة للتزود بالوقود جواً؛ أما روسيا فلا تملك الوسائل، فهي غارقة في أوكرانيا، ولا الإرادة؛ إذ عرضت المساعدة على الحوثيين، إلى حد كبير نكاية بأمريكا؛ وهي ترى نفسها مستفيدة من الاضطرابات الإقليمية، لا مرشحة لإنهائها؛ أما الصين فلا تملك خبرة حديثة في تنفيذ عمليات عسكرية جادة خارج حدودها؛ وهذا يترك دول المنطقة نفسها، وأقواها دولها الثلاث غير العربية؛ تمتلك إيران صواريخها ووكلاءها، بينما تمتلك إسرائيل الجيش الأكثر قدرة في الشرق الأوسط؛ وهما، بمعنى ما، صورتان متقابلتان في المرآة، قويتان بما يكفي لتعطيل نظام إقليمي، لكن ليس لبناء واحد؛ والثالثة هي تركيا، القوة العسكرية والدبلوماسية التي تتنامى أيضاً بوصفها مصدراً للسلاح.

وقد تدخلت تركيا بصورة حاسمة في صراعات سابقة؛ فالمتمردون الذين أطاحوا بالأسد في نهاية المطاف أمضوا سنوات تحت الحماية التركية؛ كما صدت القوات التركية أمير حرب حاول الاستيلاء على العاصمة الليبية عام 2019؛ لكن إيران وإسرائيل وكثيراً من الدول العربية تنظر إلى الأتراك بريبة؛ وعلى المدى القصير، من المرجح أن تنقسم المنطقة إلى كتل، مع اصطفاف الدول العربية إلى جانب قوى غير عربية؛ أما الاستقرار طويل الأجل فسيتطلب منها أداء دور أكبر؛ ولكي تفعل ذلك، ستحتاج إلى جيوش أفضل، وتحالفات أقوى، وإلى ذلك الشيء الأكثر استعصاءً: التعاون؛ وهناك بعض المؤشرات المبكرة إلى إدراكها الحاجة إلى التغيير، على الأقل في دول الخليج المستقرة والغنية؛ خذ جيوشها مثلاً؛ فقد أمضت دول الخليج عقوداً في شراء معدات عسكرية أمريكية باهظة الثمن؛ ولم يكن كل ما اشترته مفيداً في الحروب التي وجدت نفسها تخوضها في النهاية؛ ومع تغير قوائم مشترياتها، ستبحث عن موردين جدد؛ فقد أظهرت إيران قيمة امتلاك برنامج للصواريخ الباليستية؛ ولا تستطيع السعودية شراء هذه الصواريخ من أمريكا، لكنها حصلت بالفعل على صواريخ من الصين، وربما استخدمتها ضد الحوثيين هذا الشهر الماضي؛ وفي العالم العربي، الجميع تقريباً حريص على شراء الطائرات المسيرة من تركيا، وهي من كبار منتجيها.

الإنتاج المشترك و”الأوسط الجديد”

وفي وقت سابق من هذا العام، وقعت الإمارات اتفاقاً لعشر سنوات لشراء مسيرات أوكرانية؛ ويتضمن الاتفاق بنداً للإنتاج المشترك، ستُبنى مصانع جديدة لتصنيعها؛ ويتوافق ذلك مع توجه متزايد في الإمارات وغيرها نحو إنتاج الأسلحة محلياً؛ كما تبحث هذه الدول عن حلفاء جدد؛ فمنذ يوليو الماضي، أعلنت السعودية اتفاقاً للدفاع المشترك مع باكستان وتركيا، وتحالفاً بحرياً لتأمين البحر الأحمر يضم أكثر من اثنتي عشرة دولة؛ وهذه الاتفاقات العسكرية، في شكلها الحالي، غامضة وطموحة أكثر منها عملية؛ فالتحالف البحري يضم بنغلاديش، التي تبعد خمسة آلاف كيلومتر ولا تمتلك قوة بحرية كبيرة قادرة على العمل في المياه البعيدة؛ لكنها تكشف اتجاه الحركة؛ وستظهر مزيد من هذه التحالفات المؤقتة؛ وسيكون بعضها قصير العمر، وربما يستمر بعضها الآخر؛ أن نسعى، وأن نبحث، وأن نجد والأهم من كل ذلك أن الدول العربية ستحتاج إلى الاتفاق على شكل المنطقة التي تريدها؛ قبل السابع من أكتوبر 2023، كان من الشائع سماع مسؤولين خليجيين يتحدثون عن “شرق أوسط جديد”، يركز على كسب المال أكثر من خوض الحروب؛ كانت فكرة جميلة، لكنها غير واقعية في منطقة تعج بصراعات مستعصية وحكومات عاجزة.

واليوم لا تستطيع السعودية والإمارات حتى العمل معاً في اليمن، رغم أن الحوثيين يمثلون خطراً على كليهما؛ ولم تتحول الجامعة العربية ولا مجلس التعاون الخليجي، وهو نادٍ يضم ست ممالك نفطية، إلى مؤسسات ذات فاعلية؛ وكانت مثل هذه النواقص نتيجة حتمية للحقبة الأمريكية في الشرق الأوسط؛ فأمريكا وحلفاؤها الإقليميون لم يشتركوا قط في أجندة سامية؛ لم يكن هناك مشروع ليبرالي ديمقراطي يربطهم معاً، كما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية؛ كما لم تعمل أمريكا على تعزيز النمو الاقتصادي بالطريقة التي فعلتها في آسيا؛ كل ما أرادته كان ببساطة استمرار تدفق النفط، وحماية إسرائيل، والحفاظ على قواعدها، ثم أضافت لاحقاً سحق الجهاديين إلى القائمة.

ولم يتطلب أي من هذه الأهداف أن تكون الدول العربية مقتدرة أو مزدهرة؛ بل إن بعضها كان أسهل تحقيقاً إذا لم تكن كذلك؛ وكان ذلك مناسباً لحلفائها الذين كان شاغلهم الرئيسي الحفاظ على أنظمتهم؛ وقد حققت أمريكا كل هذه الأهداف، لفترة من الزمن؛ لكن قواعدها اليوم تعرضت للضرب، وناقلات النفط التابعة لها تتعرض للهجمات، وأقرب حلفائها، إسرائيل، في حالة حرب منذ ثلاث سنوات؛ وحتى لو لم يكن ترامب قد حطم هذا النظام بتهور، فإن ما بنته أمريكا خلال الأعوام الخمسة والثلاثين الماضية لم يكن متيناً على الإطلاق، فقد كان عدد كبير جداً من دول المنطقة ضعيفاً أو منقسماً أو فاشلاً؛ والآن، من دون الضامن القديم الذي اعتادت هذه الدول الاتكاء عليه، ربما تجد نفسها مضطرة أخيراً إلى بناء شيء أفضل بنفسها.

تمت،

د. عامر عيد
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية

شاهد أيضاً

هيئة بحرية بريطانية: تضرر ناقلة بعد استهدافها بمقذوف في مضيق هرمز

الاخبارية – وكالات قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية اليوم الأحد إن ناقلة كانت متجهة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *