الثلاثاء , 13 أكتوبر 2026

د. سامح صابر يكتب.. ​بلاغة الجسد وشعرية الحركة: دراسة دراماتورجية في المسرح الراقص


​شهدت الفنون الأدائية المعاصرة تحولاً إبستمولوجياً جذرياً في مفهوم «الدراماتورجيا»؛ فبعد أن ظلت لعقود طويلة محصورة في تفكيك النصوص اللغوية وهندسة الحبكات المكتوبة، اتسع المفهوم ليعبر عن «هندسة المعنى في الفضاء العرضي». ومع صعود مسرح ما بعد الدراما وتراجع هيمنة الكلمة المكتوبة، برزت الدراماتورجيا الجسدية في المسرح الراقص لتُعيد الاعتبار للجسد بصفته النص الأول، والأرشيف الحسي، والمولد الرئيسي للصراع والدلالة، بدلاً من كونه مجرد أداة لتنفيذ خطة نصية أو حركية مسبقة.
​أولاً: المفهوم والركائز البنيوية
​تُعرّف الدراماتورجيا الجسدية بأنها الممارسة العلمية والفنية التي تبحث في كيفية صناعة المعنى وتنظيم النسيج الزمني والمكاني للعرض عبر ديناميكية الجسد وحضوره الحيوي، بعيدًا عن السرد الشفهي أو الحبكة التقليدية.
وتتأسس هذه الممارسة على ثلاث ركائز رئيسية:
​الجسد كـ “مادة سيميوطيقية وأرشيف”: لا ينفذ الجسد إشارات نصية سابقة، بل يطرح ذاكرته العضلية، وتوتراته النفسية، وإشاراته الثقافية والاجتماعية كمنطلق أساسي لبناء المعنى.
​الطاقة والإيقاع بديلًا عن الحوار: يُشكل التوتر العضلي، والتضاد بين الشد والرخاوة، والسرعة والسكون المعادل الموضوعي للدراما والصراع، حيث يتولد التوتر العرضي من تضارب القوى الفيزيائية وطبيعة الطاقة المبذولة.
​الفضاء المتغير والتجسيد السينوغرافي: المكان في المسرح الراقص ليس رقعة ثابتة، بل كيان ديناميكي تُخلق حدوده عبر امتداد الأجساد وتقاطع خطوط سيرها، وتفاعلها المباشر مع المواد الصلبة والعناصر السينوغرافية (كالماء والتراب والحجارة) بصفة المادة شريكًا دراميًا في المقاومة والحركة.
​ثانياً: التجلي التطبيقي
​بلغت الدراماتورجيا الجسدية أوج نضجها في تيار المسرح الراقص (Tanztheater)، والذي اقترن باسم رائدته المخرجة والكوريغرافر الألمانية بينا باوش (Pina Bausch) ومدرسة “فوكوانغ”. خلافاً للباليه الكلاسيكي الذي يخضع الحركة لقواعد شكلية مسبقة لخدمة قصة خيالية، ينطلق المسرح الراقص من الأسئلة الإنسانية والصدمات والذاكرة، وتتحقق فيه الدراماتورجيا عبر آليات محددة:
​المنهجية القائمة على الأسئلة: استثارة الراقصين بأسئلة وجودية ونفسية (مثل: “كيف تعبر عن الخوف دون كلام؟” أو “ما هي الحركة التي تفعلها عندما تُرفض؟”). فتكون الإجابات الجسدية هي المادة الخام التي يُعاد تركيبها دراماتورجياً.
​التكرار والإنهاك: استخدام التكرار الآلي للحركات الجسدية ليكشف عن هشاشة الإنسان أو آلية المجتمع الحديث، فيتحول الإنهاك البدني من مجرد حركة إلى موقف درامي كاشف.
​المفارقة بين الصوت والحركة: كسر التوازي التقليدي، كأن الراقص يتحدث وهو في حالة تحرك شاق، أو يرقص بحركة هادئة على إيقاع أصوات صراخ أو موسيقى صاخبة، مما يخلق مفارقة دراماتورجية غنية.
​ثالثاً: أدوات الدراماتورج الجسدي في العمل الفني
​تتطلب كتابة وإخراج عرض يعتمد على الدراماتورجيا الجسدية أدوات تحليلية محددة:
​تحليل الحركة: اعتماد مفاهيم مثل (الوزن، الفضاء، الزمن، التدفق) لبناء الشخصية الجسدية.
​المونتاج الحركي: تركيب المشاهد بأسلوب السينما (التجاور، المقابلة، القطع المفاجئ) لبناء صدمات بصريّة.
​التواصل مع السينوغرافيا: تفاعل الجسد مع المادة الخام على المسرح (الماء، التراب، الحجارة)، حيث تصبح المادة شريكاً درامياً للجسد في المقاومة والحركة.
​​إن الدراماتورجيا الجسدية نقلت المسرح من منطق “الحكايات المنسوجة بالكلمات” إلى منطق “التجارب المعيشة بالجسد”. وفي المسرح الراقص بالتحديد، أصبح الجسد هو الساحات الصريحة للصراع، والشغف، والذاكرة الإنسانية، حيث لا يعود الرقص مجرد استعراض جمالي، بل تفكيكاً عميقاً للوجود البشري.
رابعاً: الدراماتورجيا الجسدية فى المسرح الراقص، عرض “تقوس الربيع”نموذجاً.
يُعد عرض “طقوس الربيع” (Le Sacre du printemps) الذي قدمته الرائدة الألمانية بينا باوش (Pina Bausch) عام 1975 برفقة فرقتها (Tanztheater Wuppertal) محطة تاريخية فارقة في مسار المسرح الراقص، إذ نجحت باوش في انتزاع موسيقى إيغور سترافينسكي الشهيرة من القوالب الكلاسيكية والأساطير القديمة، لتطرح بدلاً منها دراسة دراماتورجية وجسدية طازجة للغريزة، الخوف، والتضحية الصريحة.
​أولاً: البنية الدراماتورجية والمفهوم الإخراجي.
​طرحت بينا باوش على الراقصين سؤالاً مركزياً أثناء التدريبات كان بمثابة المحرك الدرامي للعرض بأكمله:
​”كيف سترقص لو علمت أنك ستموت حتماً بنهاية الرقصة؟”
​من هذا المنطلق، تخطت باوش الحكاية الأسطورية الروسية القديمة (القبيلة التي تضحي بعذراء لإرضاء آلهة الربيع)، وحولت العرض إلى مواجهة وجودية وفيزيائية بين الإنسان والضرورة القاسية، وبين الفرد والجماعة.
​ثانياً: السينوغرافيا العضوية (التربة والأجساد)
​صمم سينوغرافياً العرض رولف بورزيك (Rolf Borzik)، وتجلت عبقريته في القرار المادي البسيط والعميق:
​التربة على خشبة المسرح:
تُغطى أرضية المسرح بفرش كامل من التراب، ومع تصاعد الحركة، تتلطخ الأجساد والفساتين بالتراب، ويختلط العرق بالبقع الداكنة.
​الجسد كأرشيف حي للمجهود:
تحول الجسد من الهيئة المثالية النظيفة إلى هيئة منهكة ومستهلكة بفعل المقاومة الفيزيائية للتراب. تصبح أطراف الراقصين وأنفاسهم المتصاعدة جزئياً من الديكور والموسيقى الحية للعرض.
​الأزياء الدالة:
الراقصون بصدور عارية وسراويل بسيطة، والنساء بفساتين حريرية خفيفة شبه شفافة تُظهر اضطراب أنفاسهن وحركات أجسادهن بلا مكياچ أو تجميل زائف.
​ثالثاً: الديناميكية الحركية والتقسيم الصراعي.
​تعتمد الدراماتورجيا الجسدية لدى باوش على صراع درامي ذي قطبين واضحين:
​الاستقطاب الجنساني:
يُقسم العرض الأجساد إلى كتلتي النساء والرجال. ترتكز حركات النساء على الانقباض الجسدي، وضم الذراعين إلى الصدر لحماية الجسد، والتراجع الجماعي؛ بينما تتسم حركة الرجال بالاندفاع الأرضي، وإظهار القوة الفيزيائية، والسيطرة الفضائية.
​رمزيّة الثوب الأحمر:
يستقر ثوب أحمر قاني على أرضية التراب في بداية العرض. يمر الثوب من يد إلى يد كأنه ثقل مرعب أو نذير شؤم. لا أحد يريد ارتداءه، لأن من ترتديه أصبحت “المُختارة” للتضحية.
​الصراع بين الفرد والجماعة:
تتضامن النساء في البدء، لكن تحت وطأة الخوف والقانون الجماعي، تتراجع المجموعة لتترك امرأة واحدة مجردة مواجهة مصيرها المحتوم، مما يعكس آليات الهيمنة والتضحية التي تمارسها المجتمعات على أفرادها.
​رابعاً: رقصة الفناء:
​تصل المشهدية إلى ذروتها في المنفرد الختامي للراقصة المُختارة.
​الإنهاك الفيزيائي الحقيقي:
تستمر الراقصة في رقص حاد متسارع الاستجابة لإيقاعات سترافينسكي المعقدة والمستبدة، دون منح الجسد أي فرصة للراحة.
​تداخل التمثيل بالواقع:
لا تُمثل الراقصة الموت أو الإرهاق، بل تعيش إرهاقاً حقيقياً على الخشبة، ينقطع نفسُها، يرتجف قفصها الصدري، ويصبح كل قفزة محاولة أخيرة للتمسك بالحياة قبل الانهيار النهائي.
​المعنى الدراماتورجي:
الموت هنا ليس مجرد رمز مسرحي، بل نتيجة حتمية واستنزاف كامل لطاقة الجسد أمام السلطة والمصير.

​تُعد السينوغرافيا عند بينا باوش عنصراً دراماتورجياً فاعلاً وشريكاً حياً في صياغة المعنى، وليست مجرد إطار زائف أو خلفية ديكورية خاملة. لقد أحدثت باوش ثورة في المسرح الراقص عبر إحلال “الخامات الطبيعية الأولية” (كالتراب، الماء، والورود) محل الديكورات الخشبية والتقليدية، لتتحول هذه العناصر إلى مقاومات فيزيائية تؤثر بشكل مباشر على حركة الأجساد، أنفاسها، وتفاعلاتها النفسية.
​فيما يلي تحليل عميق لتوظيف هذه الخامات الثلاث في المسرح الراقص عند بينا باوش:
​1. التراب: مقاومة الثقل واستنزاف الذاكرة
​كما ظهر بوضوح في العرض “طقوس الربيع”، فإن فرش خشبة المسرح بطبقة سميكة من التراب يحيل الفضاء إلى طبيعة أولية خشنة ووحشية.
​المقاومة الفيزيائية والجهد العضلي: التراب ليس سطحاً ناعماً أو منزلقاً كالمسرح الخشبي المعتاد، بل هو سطح ممتص للطاقة يفرض على الأجساد مقاومة مضاعفة مع كل خطوة أو قفزة، مما يزيد من معدل الإرهاق الحقيقي للراقصين.
​الأرشيف المادي المرئي: مع تصاعد الحركة، تتطاير ذرات التراب لتلتصق بالعرق على الأجساد وتلطخ الملابس الفاتحة. يتحول الجسد تدريجياً إلى جزء من الطبيعة، في تلاحم بصري يعكس فكرة الفناء والعودة إلى الأرض.
​2. الماء: السيولة، التطهير، وتحدي الجاذبية
​استخدمت باوش الماء كعنصر سينوغرافي ضخم في أعمال محورية مثل “ڤولموند” و«قرنفل»، حيث تفرش المساحات المائية على الخشبة أو تنهمر الأمطار الصناعية:
​انكسار الحركة وتحييد التوازن: الرقص على مساحة مبللة أو مغطاة بالمياه يغير تماماً من ديناميكية التوازن الإنساني؛ فالانزلاق، والارتطام، وتطاير قطرات الماء مع كل حركة دائرية يخلق لوحات بصرية تحاكي الطقوس التطهيرية والانفعالات العاطفية الجامحة.
​التعبير عن السيولة النفسية: يرمز الماء عند باوش إلى التدفق الشعوري العميق والتقلبات المزاجية الحادة، حيث يفقد الراقصون السيطرة التقليدية على أجسادهم ليخضعوا لكتلة الماء وثقله، مما يولد شعوراً بالعجز تارة وبالحرية المطلقة تارة أخرى.
​3. الورود: المفارقة بين الرقة والعنف
​في أعمال مثل “قرنفل”، حيث تكتظ خشبة المسرح بمئات الآلاف من زهور القرنفل الحقيقية، تستخدم باوش النباتات الرقيقة لخلق مفارقة درامية صادمة.
​هشاشة الجمال تحت الأقدام: يتحرك الراقصون وسط حقل هائل من الورود، ومع تدفق الحركة العنيفة والركض السريع، تتعرض الورود للدهس والتمزق وتتناثر أوراقها في كل مكان.
​رمزية الضعف البشري: تسلط هذه السينوغرافيا الضوء على هشاشة الإنسان ومشاعره الرقيقة (الحب، الحنين، الضعف) وسط بيئة قاسية تسحقه دون هوادة، مما يمنح العرض شحنة شاعرية ومأساوية في آن واحد.
​​إن توظيف الخامات الطبيعية في مسرح بينا باوش يُحول العرض من مجرد أداء حركي استعراضي إلى تجربة حسية غامرة. فالتراب والماء والورد لا تُزين المسرح، بل تستفز الجسد البشري وتجبره على التفاعل العضوي الصادق، ليكون التلقي البصري والوجداني أقرب ما يكون إلى نبض الطبيعة الإنسانية ذاتها بضعفها وقوتها.أحدثت بينا باوش تحولاً جذرياً في تاريخ كوريغرافيا المسرح الراقص عندما ابتكرت منهجية “التنقيب بالأسئلة”، لبناء المادة الحركية والدرامية لعروضها.
​لم تكن باوش تملي حركات مسبقة الصنع أو خطوات باليه كلاسيكية، بل كانت تنطلق من عبارتها الشهيرة:
​”لست مهتمة بكيف يتحرك الناس، بل بما يحركهم.”
​آلية عمل المنهجية داخل البروفات
​تعتمد هذه المنهجية على تحويل الراقص من مجرد “منفذ حركي” إلى “مؤلف شريك وراوي حسي” للعرض عبر خطوات دراماتورجية متتالية.

شاهد أيضاً

محافظ الإسماعيلية ورئيس هيئة قصور الثقافة يفتتحان الدورة 26 لمهرجان الإسماعيلية الدولي للفنون الشعبية

تكريم الفنانة مشيرة إسماعيل في حفل افتتاح مهرجان الإسماعيلية الدولي للفنون الشعبية محافظ الإسماعيلية: المهرجان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *