أثارت الهجمات المتكررة على مطار الملك خالد الدولي في الرياض مخاوف بشأن قدرة السعودية على الحفاظ على صورتها كملاذاً آمناً للاستثمارات العالمية، بعدما تعرض المطار لثلاث هجمات خلال أسبوع، أُلغيت على إثرها رحلات جوية أو حُوّلت عن مساراتها، وعُلقت العمليات فيه؛ وسُلطت الأضواء على تأخر السلطات السعودية في الإعلان عن الهجوم الأخير، إذ تداولت الشائعات بشأن وقوع إصابات منذ فترة الظهيرة، بينما أصدرت السفارتان الكندية والأمريكية تحذيراتهما قبل أن تعلن السلطات السعودية رسمياً وقوع الحادث مساء السبت الماضي؛ واعتبرت أن التمسك بإظهار الهدوء بدأ يأتي بنتائج عكسية، في ظل تنامي القلق الشعبي وتوجه شركات إلى مطالبة موظفيها بالعمل من المنزل؛ ومنذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية في 28 فبراير من العام الحالي، فرضت حكومات خليجية قيوداً على التغطية الإعلامية، وجرّمت منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، رغم مشاهدة السكان الانفجارات وسماعهم دويها.
المؤتمرات الدولية وتصاعد هجمات الحوثيين
وفي السعودية، ترافقت الرسائل الرسمية مع حملات لإظهار الولاء، لكن الهجمات المتكررة بدأت تضعف الثقة في الرواية التي تقدمها المملكة باعتبارها بعيدة عن تداعيات الحرب؛ وتزامن التصعيد مع استهداف الحوثيين منشآت نفطية سعودية والطيران المدني، وإعلانهم المجال الجوي السعودي منطقة عمليات عسكرية، بعدما تمكنت القوات اليمنية المدعومة من الرياض من صد تقدم للجماعة في محيط مضيق باب المندب؛ ونرى أن المخاطر تتجاوز تعطيل الرحلات الجوية، إذ تهدد صورة السعودية بوصفها وجهة آمنة لتريليونات الدولارات من الاستثمارات والأصول المالية ومراكز البيانات والصناعات الجديدة، خصوصاً مع استعداد الرياض لاستضافة مؤتمر البترول العالمي، بمشاركة مسؤولين تنفيذيين من شركات كبرى، يليه مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار الذي يستقطب كبار ممولي وول ستريت؛ ورغم تأكيد المنظمين إقامة المؤتمرين في موعدهما، أشارت الوكالة إلى أن بعض المسؤولين التنفيذيين والأمريكيين يعيدون النظر في خطط حضورهم، وسط مخاوف من تصعيد جديد؛ وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن أن واشنطن تدرس المشاركة في ضربات ضد الحوثيين، في خطوة قد تؤدي إلى استمرار تعرض المنطقة لهجمات انتقامية من جماعة أنصار الله (الحوثي) أو إيران.
وكشفت الهجمات الصاروخية التي استهدفت مطار الرياض عن تنامي قدرات الحوثيين العسكرية، مع توسع هجماتهم لتشمل منشآت النفط السعودية ومواقع ساحلية استراتيجية قرب مضيق باب المندب، ما يهدد أمن المملكة والملاحة الدولية؛ ويرى محللون أن الحوثيين تحولوا إلى قوة مسلحة بارزة بفضل سنوات من تطوير الأسلحة، بدعم إيراني وتصنيع محلي متزايد؛ وتشمل ترسانتهم صواريخ باليستية وكروز، ومسيّرات هجومية، وأسلحة مضادة للسفن والطائرات، وزوارق مسيّرة محملة بالمتفجرات؛ وبدأت قدرات الجماعة تتوسع بعد سيطرتها على صنعاء عام 2014 واستيلائها على أجزاء من ترسانة الجيش اليمني، قبل حصولها على تدريب وخبرات تقنية من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني؛ ورغم تصنيع بعض المسيّرات محليًا، لا تزال الصواريخ الأكثر تطورًا تعتمد بدرجة كبيرة على التكنولوجيا والمكونات الإيرانية.
وواصل الحوثيون تنفيذ هجمات متقدمة رغم الضربات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية، بينها إطلاق صاروخ سقط قرب مطار بن غوريون في مايو 2025؛ كما قد أُشير إلى احتمال استفادتهم من تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير أسلحتهم؛ ولا يرتبط تقدم الجماعة بتطور ترسانتها فقط، بل أيضًا بضعف القوات الحكومية اليمنية وانقساماتها ومشكلاتها التنظيمية، مقابل تماسك قيادة الحوثيين وقدرتهم على جمع المعلومات الاستخباراتية وتنسيق العمليات؛ وتمنح السيطرة على ميناء المخا وجزيرة بريم الحوثيين موقعًا استراتيجيًا قرب باب المندب، بما يعزز قدرتهم على تهديد السفن العابرة؛ وعن دعم استخباراتي روسي ومساهمة مكونات إلكترونية صينية متاحة تجاريًا في تصنيع الأسلحة؛ ورغم محدودية شعبية الجماعة في جنوب اليمن، فإن قدراتها الصاروخية والمسيّرة وسيطرتها على مواقع ساحلية استراتيجية تمنحها نفوذًا يهدد الملاحة الدولية وأمن الطاقة السعودي وأسواق النفط.
أمريكا العسكر واستقرار الشرق الأوسط
وبينما يرى بعض المحللين مثل “ليون هدار” الذي كتب في في جريدة “ناشونال إنترست”، وهى مجلة أمريكية نصف شهرية عن الشؤون الخارجية صادرة عن مركز نيكسون، أن استمرار الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط يستند إلى “استعارة الفراغ”، أي أن انسحاب واشنطن سيترك المنطقة للفوضى وإيران والجهاديين والصين وروسيا؛ بينما نري نحن الواقع، أن المنطقة تضم قوى إقليمية قادرة على إدارة تنافساتها بعيداً عن الهيمنة الأمريكية وأن التدخلات الأمريكية أخلّت بتوازنات المنطقة؛ فغزو العراق عام 2003 أضعف الدولة التي كانت توازن إيران، والتدخل في ليبيا عام 2011 خلّف دولة فاشلة، فيما لم تنجح حرب مكافحة الإرهاب الممتدة لعقدين في القضاء على التهديد الجهادي؛ وأن الحماية الأمريكية خلقت أيضاً “مخاطر أخلاقية” شجعت أطرافاً إقليمية على سياسات أكثر تهوراً، من الحرب السعودية والإماراتية في اليمن إلى اعتماد إسرائيل على الغطاء الدبلوماسي الأمريكي، بينما جعلت إيران من مواجهة واشنطن محوراً لسياساتها.
إن الانسحاب الأمريكي لن يؤدي إلى فراغ، بل إلى توازن إقليمي للقوى، فإن تقارب السعودية وإيران عام 2023 بعد إدراك الرياض أن واشنطن لن تخوض حرباً نيابة عنها؛ كما أن دول الخليج ستعزز قدراتها الدفاعية، وأن إسرائيل ستصبح أكثر اعتماداً على قوتها الذاتية، بينما لا تبدو الصين وروسيا راغبتين أو حتى قادرتين على وراثة الدور الأمريكي؛ وأن مبرر حماية إمدادات النفط تراجع مع تحول الولايات المتحدة إلى منتج ومصدر رئيسي للطاقة، فيما يمكن مواجهة “الإرهاب”، كما يحلو للغرب تسميته، عبر التعاون الاستخباراتي وأمن الحدود والعمليات المحددة، بدلاً من نشر عشرات الآلاف من الجنود؛ ونقترح في هذا الشأن سياسة تقوم على “الإهمال الحميد”، عبر انسحاب أمريكي تدريجي مع الإبقاء على العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية وتجارة السلاح، والتخلي عن دور الضامن الأمني للمنطقة، إلى أن الشرق الأوسط سيظل مضطرباً بعد الانسحاب الأمريكي، لكن مسؤولية إدارة هذا الاضطراب ستنتقل إلى دول المنطقة وتحالفاتها الحالية، التي ستكون لديها حوافز أكبر لاحتوائه؛ والسؤال الأهم، في رآينا، ليس ما سيحدث للشرق الأوسط إذا غادرت أمريكا، بل ما الذي سيحدث لأمريكا إذا لم تغادر أبداً؟.
وإلى لقاء قادم باذن الله
د. عامر عيد
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
