الأربعاء , 14 أكتوبر 2026

سيِّد الرشيدي يكتب.. دور المرأة العظيم في إرساء المودة ودرء شبح الطلاق



في خضم هذا الصخب المعاصر، حيث تتسارع وتيرة الحياة وتتزاحم المهددات الاجتماعية، تقف الأسرة المسلمة اليوم على مفترق طرق حاسم.
وإذا كان التاريخ الإنساني قد علّمنا أن الأمم لا تسقط من خارجها إلا إذا تداعت أركانها من الداخل، فإن خلية المجتمع الأساسية –أعني “البيت والأسرة”– تبدو اليوم معرضة لهزات عنيفة تكاد تعصف بكيانها، متمثلة في هذا الارتفاع المفزع لمعدلات الطلاق والتفكك الأسري.
من خلال مسيرتي الأدبية والروائية، وفي ثنايا أعمالي القصصية والفكرية، والتاريخية ومن على منابر الندوات والمحاضرات الفكرية والتربوية التي شرّفت بلقاء الجماهير فيها، لطالما دققت ناقوس الخطر حول هذه الظاهرة. لقد وجدتها ماثلة في شخوص رواياتي ومعاناتهم، متمثلة في ذلك الجفاء العاطفي، والندية المقيتة، والتخلي عن بوصلة التودد التي تبحر بها سفينة الأسرة نحو بر الأمان.
-قراءة أدبية وتاريخية في جذور الأزمة:
حين نتأمل مآلات البيوت التي تهاوت أبوابها على رؤوس ساكنيها، نكتشف أن الطلاق النادر ما يقع فجأة؛ بل هو ثمرة مُرّة لشجرة خبيثة زرعها الجفاء العاطفي، وتغذت على “الكبرياء الجاف” والتعالي النفسي.
لقد روجت بعض الثقافات الوافدة -عبر الإعلام ووسائط التواصل- لمفهوم “الندية المطلقة”، وصوّرت لإناث الجيل أن التودد للزوج، وإظهار الحب، والحرص على إرضائه، وتلطيف الأجواء عند الغضب، هو “انتقاص للكرامة” و”إهانة للأنوثة”. هذا فهم منكوس ومجانٍ للهدي النبوي الشريف! فالتاريخ الإسلامي، بل والسير الإنسانية الراسخة، لم يعرفا امرأة عظيمة إلا وكانت واحة دفء وسكن لقرينها.

حين تفقد الزوجة بوصلتها العاطفية، وتظن أن قوامة البيت عبارة عن ساحة تنافس وصراع نفوذ، فإنها تقود السفينة بأيديها نحو صخرة الانهيار، متناسية أن القوة الحقيقية للمرأة تكمن في احتوائها، وفي قدرتها العجيبة على ترطيب جفاف الحياة بكلمة طيبة وابتسامة صادقة.
-لماذا المرأة هي قائدة السفينة الحقيقية؟
لستُ في مقام التحيز لجنس على حساب آخر، بل هي “قراءة واعية لطبيعة النفوس”. الرجل -مهما علا شأنه، وبلغ من العلم والمنصب والقوة– يظل بطبيعته البيولوجية والنفسية محتاجاً إلى “ركن شديد” يأوي إليه، وطفلاً كبيراً تبحث روحه عن الحنان والتقدير حين ينتهي صراع الكسب خارج البيت.
وهنا يبرز دور المرأة العظيم، الذي يتجاوز بأميال حدود الواجبات المادية أو التنظيمية البحتة؛ فهي مهندسة الشعور وقلب الأسرة النابض:
صانعة السكن العاطفي: إن الرجل قد يملك القوة والمال، لكنه يفتقر غالباً إلى مهارة ترميم روحه المتعبة من وعثاء الدنيا؛ وهنا تأتي “الزوجة الودود العؤود” لتكون الواحة التي تغسل تعب أيامه بنظرة حنان وابتسامة تسر الناظر.
صاحبة اليد الحانية عند الأزمات: الوصف النبوي العظيم للمرأة في الجنة بأنها “العؤود على زوجها، التي إذا غضبت أو أسيء إليها أو غضب زوجها قالت: هذه يدي في يدك، لا أكتحل بغمض حتى ترضى”، هو الدرس الأعمق في فن القيادة الأسرية. القيادة هنا ليست سيطرة واستعلاء، بل هي قيادة بالحنان والتنازل الجميل من أجل استمرار المودة. حين تتنازل الزوجة عن عنادها وكبريائها، فهي لا تهين نفسها، بل ترتفع ببيتها فوق عواصف الدمار.

-رؤية علاجية:
كيف ننقذ سفينة الأسرة من الغرق؟
من خلال معايشتي للواقع المجتمعي ورصدي الأدبي والاجتماعي لهذه المآس، أرى أن طوق النجاة يكمن في خطوات عملية واعية:
إحياء ثقافة “الفضل” لا “الحقوق الجافة”: يجب أن ندرك أن الحياة الزوجية لا تستقيم بميزان الندية المادي الدقيق (أنت فعلت كذا وكذا، إذن سأفعل كذا)، بل تُبنى على قول الحق سبحانه: {ولا تنسوا الفضل بينكم}.
إدراك المرأة لعظم رسالتها:
على المرأة الواعية أن تدرك أن استقرار بيتها وبناء أجيال سليمة نفسياً يبدأ من تيقنها بأن إشاعة الحب والتودد لزوجها هو باب من أبواب الجنة وعبادة متقبلة، وليس تنازلاً مهيناً.
علاج الخلافات بالكلمة الطيبة:
إن تدريب النفس على التغاضي عن الزلات، وإغلاق باب العناد الطويل، والمسارعة إلى الصلح (كما وصفها الهدي النبوي بالعَؤود)، هو الحصن الحقيقي المانع لوقوع الطلاق.
إنني أهيب بكل زوجة أبية، وبكل شريكة عمر واعية، أن تستمسك بزمام المودة، وأن تدرك أن قيادتها لسفينة الأسرة بالحكمة والحنان والدفء العاطفي هي التي تصنع مجتمعاً سوياً، وتحفظ الأبناء من ضياع التشتت. فالبيوت العامرة بالحب والرحمة هي حصوننا الأخيرة، وبقاؤها من بقاء الأمة وشموخها.

شاهد أيضاً

د. شيماء صبحي تكتب .. أخطر حاجة ممكن تحصل في البيوت

اخطر حاجة ممكن تحصل في بيت مش إن الفلوس تقل ولا إن المشاكل تكتر.. أخطر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *