الخميس , 15 أكتوبر 2026

نورا حنفي تكتب .. وجهان لحياة واحدة

لقد فقدت السيطرة على إحساسي في تلك الليلة!
لم أعرف ما هو التصرف السليم في أزمة لا تشبه غيرها..
أطير من السعادة، أم أستسلم للحزن بلا رجعة؟!
أسمح لزغروطة من القلب أن تنطلق، أم أسكب دموعي دفعة واحدة؟!
لغبطة.. كما لو أن مشاعري ضربها الواقع في خلاط الحقيقة، وأصبحت أنا كتلة إنسانية من الفرحة والألم في الوقت ذاته!
إنه أمر حاسم عشته بكل جوارحي قبل أيام وألهمني بالسر الذي لطالما فتشت عنه في سبيل إنسانيتي.. سر الحياة بأسرها.
كان ذلك حين زينت الأنوار شارعنا من أوله لآخره، وتسابقت الخطوات لتهنئة شاب بزفافه السعيد على حب حياته، وسط أجواء مفعمة بالجمال والحب ولذة الانتصار، فهو عريس قاوم الظروف لتجهيز عش الزوجية بكل قرش في جيبه، وهي عروسة تتلخص أحلامها الوردية في زفة وفستان أبيض فحسب ويبدو أن أحلامها انتصرت بالفعل.
وحينما كان الكل يبارك بحرارة لأهل العروسين، كنت أبارك أيضًا من بلكونة بيتي وأترقب المشهد مثلهم تمامًا.
“عقبال عندكم يا أم نورا..”
مرت الأيام في احتفالات ما بين طبل وزمر، حتى جاءت الليلة الموعودة، أو كما نقول “الليلة الكبيرة”.
موتوسيكلات تغزو المنطقة بحركاتها البهلوانية لتعلن قدوم العرسان أخيرًا، زحام عطل الحركة كلها، حتى إن الدوشة وقتها كادت تمزق طبلة أذني، ولكن لا بأس، المهم فرحة الإنسان بالإنسان في هذا العالم البائس.. وها قد حانت اللحظة المنتظرة.
منذ أن كنت صغيرة بضفائر الطفولة وأنا أتسلل على أطراف أصابعي لأخطف نظرة على زفة العرسان، فضول بريء من طفلة تحلم بيومها السعيد كذلك، أتأمل فستان العروسة وأتخيلني هي، فأشعر بما تشعر، بالكسوف أمام الجماهير العريضة ممن يتفحصونها من فوق لتحت وفي حالة ترصد لأي غلطة تافهة، وبرجفة يدها وهي تمسك بوكية الورد، وبعض التُقل على العريس حين يغازلها بعين الحب، وبصراحة، كانت جميلة بحق، خطفت أنظار الجميع واستحقت الغزل وذلك المهرجان في الشارع لأكثر من أسبوع قبل الفرح.
وفجأة.. اقتطع ذلك المشهد السينمائي صوت حاد ينبعث من مسجد على الجانب الآخر من شارعنا: “لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول.. انتقل إلى رحمة الله فلان الفلاني، وصلاة الجنازة بعد صلاة العشاء..”
تسمرت في مكاني من صدمة الخبر!
تبخرت الضحكة من على وجهي في الحال، وانقبض قلبي بعد أن كان يرقص على “اتفرج ع الحلاوة حلاوة”.
صرت أردد في أعماق نفسي “لا حول ولا قوة إلا بالله.. دلوقتي!”، بعدما كان لساني يتغنى بفرحة ليلة ولا ألف ليلة وليلة!
الآن اتضحت الرؤية أمامكم.. أحدهم يدخل دنيا، والآخر خرج منها وإلى الأبد.
وفي لحظة واحدة ترى الشيء ونقيضه، ويتحول اللون الأبيض لأكثر من لون وأكثر من إحساس، لون النعيم تارة، ولون الوداع تارة أخرى.. ليتخبط الإنسان بين الحياة والعدم!
بين قماش كفن سادة، وقماش فستان من اللؤلؤ والدانتيل، وبين أهل تزف العرسان لبيتهم في الدنيا، وأهل تزف لدار الآخرة.. هكذا سارت الأمور في غمضة عين!
انقسم الشارع حينها إلى نصفين، نصف تغمره الأضواء، ونصف يغرق في الظلام ينتظر جثمان بارد لإلقاء النظرة الأخيرة عليه، وأنا أقف متجمدة الشعور بين هذا وذاك.
حائرة!
لا أعرف لأي نصف أنتمي في تلك اللحظات المصيرية.. لإنسان يحتفل بالبداية، أم لإنسان ترك الأرض بما فيها!
أدركت وقتها معنى الدنيا أكثر..
فهمت أن الإنسان هو مجرد مراحل..
يفرح يوم، ويعصف به الوجع يوم، يقترب مرة، ويفارق مرات بعدها، وأن “دوام الحال من المحال” هي الحقيقة الثابتة لعالمنا هذا، أما الأصل في الدنيا هو التغيير ومن ثم الزوال.
نحن هنا لنمر بكل الأحوال في أي وقت وأي مكان، لنشعر بكل التقلبات الوجودية التي تصنعنا وتشكل إنسانيتنا بمرور الزمن والتجارب، فنختبر خلالها حقيقتنا ونصبح أكثر مرونة لأشكال الحياة مع كل صباح جديد.. إن كان صباح بنسمات الربيع الدافئ، أو صباح يرتعش من غياب الشمس.
فلم يُكتب علينا أن نسلك اتجاه واحد طوال الوقت، نحن نتخبط في الدنيا ما بين ولادة وموت، وعي وجهل، وبين بداية ونهاية، وربما البشرية بدون تلك التخبطات لن تنجح تجربتها الإنسانية أصلًا، لن نلمس حقيقة من نكون، ولن ندرك أوجه الخير والشر بداخلنا، فكيف هي الحياة إن كانت مسكرة على الدوام؟! ستجزع نفسك بعد فترة بلا شك، والعكس صحيح، فهل يُعقل أن تأكل مخلل كل يوم ولا تشتاق لحلاوة الشيكولاتة؟!
ربما الفكرة كلها في مواجهة اللحظة، الخبطة والصدمة الأولى.. والسؤال الآن هو: كيف نستقبل صفعة الألم ونحن في أقصى درجات النشوة؟!
لعل الحل أن نسبح مع التيار، ونتسلح بالإيمان الكافي لتقبل كل الدوامات في بحر الدنيا، أن يصبح مبدأنا الأهم هو “المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين”، فتهدأ سرعتنا مع المطبات، ونعود لننطلق من جديد حين يتسع الطريق، وحين نصطدم بالعتمة من بعد النور، نكررها بأنفاس واعية مطمئنة: “دنيا..”
“اللهم أبدله دارًا خيرًا من داره.. آمين..”
“ادخلي برجلك اليمين يا عروسة..”
هكذا هي الحياة.. وجهان لحقيقة واحدة.

شاهد أيضاً

د. سامي المسلم يكتب.. النسيان نعمة.. مقاربة فسيولوجية ونفسية وإيمانية

لطالما نُظر إلى النسيان على أنه خلل في وظيفة الذاكرة، أو عرض لمرض، أو بداية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *