الخميس , 15 أكتوبر 2026

د. إيهاب زايد يكتب.. معركة الوعي والإعلام: كيف هزمت الحقيقة المصرية إمبراطورية الحرب النفسية؟



حين تُذكر معارك التحرير وتُستعاد صولات المجد في السادس من أكتوبر عام 1973، تتجه العقول تلقائياً نحو أزيز الطائرات على خطوط النار، وزئير المدافع التي دكّت حصون العدو. غير أن هناك معركة أخرى لا تقل شراسة ولا حسماً خاضتها مصر في الميدان غير المرئي؛ معركة لم تُستخدم فيها الصواريخ أو الدبابات، بل اُستخدمت فيها الكلمة الصادقة، والبيان الموزون، والوعي الصلب. إنها ملحمة الإعلام والحروب النفسية التي خاضتها العقول المصرية لهدم إمبراطورية الزيف والتضليل التي بناها الإعلام المعادي لعقود.
لقد خاضت مصر حرب أكتوبر 1973 وهي تحمل جراح نكسة يونيو 1967؛ تلك النكسة التي لم تكن هزيمة عسكرية على أرض سيناء فحسب، بل كانت صدمة نفسية عنيفة زلزلزت ثقة المواطن العربي في إعلامه الوطني، بعدما غرق الإعلام في الشعارات الفضفاضة، والبيانات الحماسية الجوفاء التي صنعت فجوة عميقة بين الشارع وبين حقيقة ما يجري على الأرض.
ومن هنا، كان القرار الاستراتيجي الأهم للقيادة المصرية قبل العبور: لا نصر في الميدان دون استرداد مصداقية الكلمة، ولا عبور للجيش دون عبور وعي الأمة من ظلمات الشك إلى نور اليقين.
الخطة “د”: التكتم الاستراتيجي وإحكام معركة الخداع
لم تكن انطلاقة الإعلام المصري في حرب أكتوبر مجرد تغطية إخبارية لحدث جاري، بل كانت جزءاً أصيلاً ومحورياً من خطة الخداع الاستراتيجي الشاملة التي أشرف عليها القادة والعقول المدبرة للنصر.
في الوقت الذي كانت فيه القوات المسلحة المصرية تسابق الزمن لإنهاء آخر لمسات التجهيز لساعة الصفر، كان الإعلام المصري يمارس دوره ببراعة فائقة تشبه السكون الذي يسبق العاصفة:

  1. إدارة الشائعات الموجهة: سُمح بنشر أنباء شائعة عن تسريح بعض دفعات المجندين، وفتح باب العمرة لقادة الجيش، وتسريب أخبار عن صيانة بعض المعدات والأسلحة، مما أعطى انطباعاً كاذباً لدى أجهزة الاستخبارات المعادية والاستطلاع الغربي بأن مصر في حالة استرخاء وتراجع كامل عن فكرة الخيار العسكري.
  2. التكتم الحديدي: على الرغم من التحركات المليونية للجنود ونقل المعدات نحو الضفة الغربية للقناة، حافظ الإعلام والمؤسسات الصحفية المصرية على نمط الحياة اليومي المعتاد، مما أربك حسابات أجهزة الرصد الصهيونية التي اعتادت على جعجعة الإعلام الشعاري قبل الحروب السابقة.
    لقد استطاع الإعلام المصري، بالتنسيق الدقيق مع هيئة عمليات القوات المسلحة، أن يحول حقيقة التهيؤ للحرب إلى سر استراتيجي مكتوم، ليصنع المفاجأة التي أذهلت العالم وأفقدت العدو توازنه في أولى لحظات العبور.
    بيان “الساعة الثانية وعشر دقائق”: الحقيقة سلاح النصر
    في تمام الساعة الثانية وعشر دقائق من ظهر السادس من أكتوبر 1973، انطلق الصوت المصري عبر أثير إذاعة “صوت العرب” وموجات الإذاعة والتليفزيون ليلقي البيان رقم (1).
    وهنا تجلت عبقرية المدرسة الإعلامية الجديدة التي أسسها الإعلام المصري أثناء الحرب. لم يلجأ الإعلام المصري إلى المبالغات الجوفاء، ولم يدَّعِ إسقاط مئات الطائرات المعادية في الدقائق الأولى، بل انتهج سياسة “الواقعية الصادقة والبيانات المقتضبة الدقيقة”:
    “قامت قواتنا الجوية بالطيران فوق قناة السويس واستهداف مواقع العدو…”
    كلمات معدودة، منتقاة بعناية فائقة، صيغت بأسلوب يجمع بين الهيبة العسكرية والمصداقية المطلقة. اعتمدت الهيئة العامة للإستعلامات والتليفزيون المصري استراتيجية “نشر ما حدث بالفعل فقط”:
    • إذا تم إسقاط طائرات للعدو، أُعلن الرقم الدقيق دون زيادة.
    • إذا حدثت خسائر أو ثغرة في جبهتنا، رُصدت بحجمها دون تهوين أو تهويل.
    هذه المصداقية الشديدة أحدثت تحولاً استراتيجياً هائلاً؛ حيث بدأ الشارع المصري والعربي يثق في كل كلمة تصدر عن القاهرة، بينما أصبحت مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام العالمية تبحث عن بيان القوات المسلحة المصرية للتأكد من حقيقة الأوضاع على جبهة القتال.
    انهيار أسطورة البروباجندا الصهيونية
    لعقود طويلة، اعتمد العدو على استراتيجية “الحرب النفسية” والترويج لأسطورة “الجيش الذي لا يُقهر” و”الساتر الترابي المنيع”. وكانت الإذاعات الموجهة والقنوات الغربية تسعى لغرس روح العجز في العقل العربي، وإقناعه بأن أي محاولة للتصدي للاحتلال هي نوع من الانتحار الجسدي والسياسي.
    ولكن، عندما التقت كاميرات التليفزيون المصري والوكالات العالمية بصور الأسرى من جنود العدو وهم يرفعون أيديهم استسلاماً في حصون خط بارليف، انهارت إمبراطورية الحرب النفسية الإسرائيلية كبيت من قش:
    • صدمة المجتمع الداخلي للعدو: عجز الإعلام الصهيوني عن مواجهة مجتمعه بالحقيقة، وظل يمارس التعتيم لعدة أيام، حتى اضطرت قياداته للخروج في مؤتمرات صحفية باردة تُقر بحجم الكارثة والخسائر الفادحة التي لحقت بجيشهم، مما أحدث شرخاً نفسياً وتاريخياً في الثقة بين المواطن الصهيوني وقيادته العسكرية لم يندمل حتى اليوم.
    • تفنيد المزاعم الغربية: استطاعت الدبلوماسية الإعلامية المصرية، عبر المؤتمرات الصحفية اليومية للناطق العسكري والمؤسسات الصحفية، توثيق مشاهد عبور خط بارليف، واستخدام خراطيم المياه، ورفع العلم المصري فوق سيناء بالصوت والصورة، مما قطع الطريق على كل محاولات التزييف والتكذيب التي حاولت بعض الدوائر الغربية ممارستها.
    ملحمة الكتّاب والمبدعين: الفن والإعلام في خدمة الوطن
    لم تكن معركة الوعي تدار فقط عبر بيانات القوات المسلحة، بل شُيّدت أرواحها على أيدي نخبة من أعظم كُتّاب ومفكري وفناني مصر. تحولت الصحف المصرية (الأهرام، الأخبار، الجمهورية) ومجلات الفكر إلى ساحات تعبئة فكرية وثقافية.
    كتب قامات الفكر والأدب — من أمثال توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وزكي نجيب محمود — مقالات خالدة تسجل لحظة العبور التاريخي، لا بوصفها حدثاً عسكرياً فحسب، بل باعتبارها استرداداً للشخصية المصرية وإعادة للثقة بالحضارة العربية.
    وفي الوقت ذاته، كانت الإذاعة المصرية تشهد ميلاد أغنيات وطنية شريفة وصادقة لم تُكتب في الغرف المغلقة، بل وُلدت من رحم اللحظة تحت لهيب المجد؛ أغنيات شقت القلوب ولهبت الحماس، واستقرت في ذاكرة الأجيال كوثائق صوتية تُجسد روح الكبرياء والفخر.
    سلاح الوعي: المعركة المستمرة لحماية مقدرات الأمة
    إن درس معركة الوعي في حرب أكتوبر ينبض بالحيوية والراهنية في حاضرنا ومستقبلنا: إن حروب السلاح قد تنتظر وتتوقف، أما حروب الوعي والتزييف فلا تتوقف أبداً.
    تتعرض مصر اليوم لأجيال جديدة من الحروب النفسية؛ حروب حروب الجيل الرابع والخامس، والشائعات الموجهة عبر الفضاء الرقمي، ومحاولات التشكيك في إنجازات الوطن والتقليل من قدرات مؤسساته. وهنا تتجلى أهمية استدعاء “روح أكتوبر الإعلامية”:
  3. المصداقية الشفافة: مواجهة الشائعة بالحقيقة الموثقة والمبنية على الأرقام والدلائل.
  4. الوعي الصلب: بناء عقول الشباب وتزويدهم بالثقافة التاريخية والاستراتيجية ليكونوا حائط الصد الأول ضد محاولات الاختراق الفكري.
  5. الاصطفاف الوطني: إدراك أن وحدة الجبهة الداخلية والاهتمام بالقضايا القومية هما الدرع الحقيقي الذي تتكسر عليه كل المخططات الخبيثة.
    كلمة أخيرة: الحقيقة تنتصر دائماً
    ستظل معركة الوعي والإعلام في حرب أكتوبر 1973 نموذجاً يُدرّس في أعتى الأكاديميات الإعلامية والعسكرية حول العالم؛ نموذجاً يثبت أن الإعلام الشريف الصادق، الذي يستند إلى إرادة أمة حرة وجيش بطل، قادرٌ على هدم إمبراطوريات التضليل والزيف.
    لقد برهنت مصر للعالم أجمع أنها لا تنتصر بالسيف والدم فقط، بل تنتصر بالكلمة الشجاعة، والعقل المتبصر، والوعي الراسخ الذي يحمي التراب، ويحفظ الذاكرة الوطنية ناصية خفاقة في سماء المجد إلى أبد الآبدين.

شاهد أيضاً

سامى حربى يكتب.. كلمتين وبس

فى مثل هذا اليوم 14 اكتوبر عام 1973 سطر التاريخ العسكرى ملحمة جوية وقتال جوى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *