الخميس , 15 أكتوبر 2026

حسام بدراوي يكتب لـ«الحرية»: الدستور وتداول السلطة

فهمت إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي عدم تعديل الدستور المصري باعتباره ردًا واضحًا على من يروّجون لاحتمال تعديله لمنح الرئيس مدة رئاسية إضافية بعد عام ٢٠٣٠، بالمخالفة لمبدأ تداول السلطة الذي أقره الدستور، والذي أراه واحدًا من أهم المكاسب السياسية لثورة يناير ٢٠١١.

وأنا أقدّر هذا التصريح، وأتعامل معه باعتباره التزامًا سياسيًا ودستوريًا يستحق الاحترام والتأكيد. لكن تخوفي يأتي من تجارب سابقة، ومن تلك الخصوصية العبقرية للعامية المصرية التي تعبّر أحيانًا عن الشيء بعكس معناه؛ فنقول عن المريض الذي يعاني إنه «بعافية»!

أنا واثق أن الرئيس يعني ما يقول، لكنني أخشى أن يكون بين المحيطين بالسلطة من يفسرون التصريح بمنطق هذه العامية، فيتصورون أن نفي تعديل الدستور قد يكون مقدمة لتعديله. ولهذا فإن واجبنا ليس التشكيك في التصريح، بل تأكيد احترامه، والبناء عليه، وتحويل معناه إلى ممارسة سياسية ومؤسسية تزيل الشكوك وتفتح أبواب المستقبل.

فاحترام الدستور لا يقتصر على عدم تعديله، بل يشمل تطبيق ما ورد فيه ولم يجد طريقه الكامل إلى الواقع. ومن هنا أرى أن من واجب الإعلام والبرلمان والمؤسسات السياسية أن تفتح حوارًا جادًا حول الالتزامات الدستورية التي ما زالت تحتاج إلى استكمال، ومنها مدنية الدولة الحديثة، والفصل بين السلطات، واللامركزية والحكم المحلي، والانتخابات الحرة النزيهة، واستقلال القضاء، والوفاء بالاستحقاقات الدستورية المتعلقة بالإنفاق على الصحة والتعليم. فالدستور ليس نصًا نحتفل بوجوده، بل عقد بين الدولة والمواطن، وقيمته الحقيقية في تطبيقه.

الدولة لا تُدار بالانتظار

تعلمت في الطب أن الجراح الحكيم لا يدخل غرفة العمليات المعقدة دون مساعد يعرف تفاصيل الحالة ويستطيع أن يواصل العمل إذا طرأ طارئ. لا يعني ذلك شكًا في قدرة الجراح، بل احترامًا لحياة المريض. وكل مؤسسة جادة تضع خطة للتعاقب القيادي وهي في أوج استقرارها، لا حين تهتز. فكيف بدولة في حجم مصر وتاريخها وتحدياتها؟

أرى أن من الخطوات الإيجابية التي يمكن أن تترجم الثقة في المستقبل تعيين نائب لرئيس الجمهورية، بل ربما نائبين، وفقًا لما يتيحه الدستور. وأقول ذلك انطلاقًا من واقع سياسي لا ينبغي تجاهله:

نحن لم ننجح حتى الآن في بناء حياة حزبية مؤسسية قادرة على إفراز قيادات وطنية متعددة، معروفة للناس، ومختبرة في العمل العام، تستطيع التنافس على رئاسة الدولة في إطار ديمقراطي طبيعي. ولا أريد لهذا الغياب أن يصبح قدرًا دائمًا، ولا أن يتحول تعيين نائب للرئيس إلى بديل عن إصلاح الحياة السياسية، وإنما أراه خطوة تسير بالتوازي معه.

ماذا يقول الدستور؟

أضافت التعديلات الدستورية عام ٢٠١٩ المادة ١٥٠ مكررًا، التي تجيز لرئيس الجمهورية أن يعين نائبًا له أو أكثر، ويحدد اختصاصاتهم، ويفوضهم في بعض اختصاصاته، وأن يعفيهم من مناصبهم أو يقبل استقالاتهم.

وتنظم المادة ١٦٠ التعامل مع المانع المؤقت الذي يحول دون مباشرة الرئيس سلطاته، فيحل محله نائبه، أو رئيس مجلس الوزراء عند عدم وجود نائب أو تعذر حلوله محله.

أما إذا خلا منصب رئيس الجمهورية نهائيًا بسبب الوفاة أو الاستقالة أو العجز الدائم، فإن الدستور ينظم انتقالًا مؤقتًا للسلطة إلى رئيس مجلس النواب، أو رئيس المحكمة الدستورية العليا في الأحوال المحددة، تمهيدًا لانتخاب رئيس جديد خلال المدة الدستورية.

وهذا تمييز جوهري؛ لأن نائب الرئيس في النظام المصري ليس وريثًا تلقائيًا للرئاسة، وإنما شخصية يمكن إعدادها واختبارها، ثم يكون لها، شأن غيرها، حق التقدم للانتخابات وفقًا للدستور. لقد فتح الدستور الباب، وترك التوقيت لحكمة صاحب القرار. والنص الذي يُكتب ولا يُفعّل يبقى إمكانية معلقة.

التاريخ المصري.. ودروس الانتقال

حين رحل جمال عبد الناصر فجأة عام ١٩٧٠، كان أنور السادات نائبًا له، فانتقلت السلطة عبر ترتيبات دستورية واضحة، وتجنبت البلاد فراغًا في قمة الدولة. وحين اغتيل السادات عام ١٩٨١، كان حسني مبارك نائبًا له، فتكرر الانتقال المؤسسي في لحظة شديدة الخطورة. ولا يعني ذلك أن المرحلتين كانتا خاليتين من الصراعات، أو أن وجود النائب وحده هو الذي حفظ الاستقرار، لكنه كان عنصرًا مهمًا في وضوح مسار انتقال السلطة.

أما حين ظل منصب نائب الرئيس شاغرًا نحو ثلاثة عقود، ثم جرى تعيين اللواء عمر سليمان في التاسع والعشرين من يناير ٢٠١١، في ذروة الأزمة، فقد جاء القرار متأخرًا.

التجربة الأمريكية.. نائب الرئيس ليس رئيسًا مفروضًا

كنت قد طالبت بتعيين نائب للرئيس قبل ذلك بسنوات، وناقشت الأمر مع الرئيس مبارك نفسه بعد انتخابات عام ٢٠٠٥، حين كنت ضمن دائرة قريبة منه خلال تلك المرحلة.

قال لي إنه لا يحب أن يفرض اسمًا على المجتمع، ويفضل أن يترك الأمر لانتخابات حرة.

بدا هذا التبرير في ظاهره منطقيًا، لكنه أثار عندي سؤالًا لم يفارقني: هل تعيين نائب للرئيس يعني فعلًا فرض رئيس قادم على المجتمع؟ أم أنه يتيح للمجتمع فرصة التعرف إلى شخصية سياسية واختبار قدراتها، ثم يترك له حرية انتخابها أو رفضها؟

حين تأملت التجربة الأمريكية، وجدت أن التاريخ يقدم إجابة مختلفة. فقد وصل خمسة عشر نائبًا للرئيس الأمريكي إلى منصب الرئيس، بعضهم بالانتخاب وبعضهم بالخلافة الدستورية بعد وفاة الرئيس أو استقالته.

وفي التاريخ الحديث، انتُخب جورج بوش الأب، نائب رونالد ريجان، رئيسًا عام ١٩٨٨، كما انتُخب جو بايدن، نائب باراك أوباما، رئيسًا عام ٢٠٢٠، بعد أربع سنوات من مغادرته منصب نائب الرئيس. وقبلهما، انتُخب ريتشارد نيكسون، نائب أيزنهاور، رئيسًا عام ١٩٦٨، رغم خسارته الانتخابات عام ١٩٦٠. وبعد اغتيال جون كينيدي عام ١٩٦٣، تولى نائبه ليندون جونسون الرئاسة دستوريًا، ثم انتخبه الأمريكيون رئيسًا في انتخابات عام ١٩٦٤.

وفي المقابل، خاض نواب رؤساء آخرون الانتخابات وخسروا، مثل آل جور عام ٢٠٠٠، وكامالا هاريس عام ٢٠٢٤.

وهنا يكمن الدرس الذي أراه مهمًا لمصر: منصب نائب الرئيس يمنح صاحبه خبرة الحكم، ويتيح للمجتمع التعرف إليه واختبار قدراته، لكنه لا يمنحه حقًا مكتسبًا في رئاسة الدولة. وبالطبع، هناك فارق دستوري بين النظامين؛ فنائب الرئيس الأمريكي يُنتخب مع الرئيس ضمن بطاقة انتخابية واحدة، بينما يُعيَّن في النظام المصري. لكن فلسفة إعداد القيادات وإتاحة الفرصة أمامها تظل جديرة بالتأمل.

إن تعيين نائب للرئيس ليس فرضًا لرئيس قادم على المجتمع، بل إعداد لشخصية يمكن أن تترشح أمامه، فيختارها الشعب أو يختار غيرها. والديمقراطية لا تعني أن نمنع ظهور القيادات خوفًا من فرضها، بل أن نسمح بظهورها وتنافسها، ونترك للناس حق الاختيار.

لماذا أقترح نائبين لا نائبًا واحدًا؟

أقترح الاستفادة من النص الدستوري الذي يجيز تعيين نائب أو أكثر، بتعيين نائبين ذوي خلفيتين مختلفتين: أحدهما مدني سياسي، والآخر ذو خلفية عسكرية. ليس لأن الخلفية العسكرية تمنح صاحبها حقًا سياسيًا خاصًا، ولا لأن الخلفية المدنية وحدها تكفي للتأهيل، وإنما لأن مصر تحتاج إلى تنوع الخبرات داخل مؤسسة الرئاسة، وإلى قيادات تستطيع أن تفهم الدولة بأبعادها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

ويكون لكل نائب اختصاص واضح، ومهام محددة، ومسؤوليات معلنة، يمكن للرئيس والمجتمع والإعلام تقييم أدائه فيها. وبذلك لا يكون المنصب شرفيًا، ولا مجرد ترتيب لساعة الطوارئ، بل مساحة حقيقية للمسؤولية والتعلم والمحاسبة. وقد يصبح أحدهما أو كلاهما مرشحًا في الانتخابات المقبلة، وقد يختار الشعب غيرهما. فإعداد البدائل لا يعني فرضها، وإتاحة الفرصة لا تعني ضمان النتيجة.

الرئيس الذي لا يسعى إلى ولاية جديدة

إذا كان إعلان الرئيس عدم المساس بالدستور يعني الالتزام بعدم السعي إلى تعديل يسمح بولاية رئاسية إضافية، فإننا نكون أمام فرصة سياسية مهمة. فالرئيس الذي لا يسعى إلى فترة رئاسية جديدة يصبح أكثر قدرة على فتح المجال أمام التعددية السياسية، وإتاحة ظهور قيادات جديدة، دون أن يُفسَّر ذلك باعتباره تهديدًا شخصيًا لموقعه. بل يمكن أن يصبح ذلك جزءًا مهمًا من إرثه السياسي.

فالقوة الحقيقية للمؤسسات لا تظهر فقط في قدرتها على دعم الحاكم القائم، بل في قدرتها على الاستمرار بعده. والمؤسسات التي لا تعمل إلا بوجود شخص بعينه تظل مؤسسات ناقصة، مهما بلغت إنجازاتها.

الاستقرار لا يعني تجميد السياسة

أدرك حجم التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه مصر، وأدرك أن هناك من يخشون أن يؤدي الانفتاح السياسي غير المنظم إلى اضطرابات لا تحتملها البلاد. لكن علينا أيضًا أن نعترف بأن التحديات لن تنتهي يومًا، وأن انتظار اختفائها قبل فتح المجال السياسي قد يعني تأجيل الإصلاح إلى ما لا نهاية.

وقد يكون التأخير أحيانًا نابعًا من الخوف من الفوضى، وقد يكون أحيانًا أخرى نتيجة مصالح تستفيد من بقاء الأمور على حالها، أو نتيجة محدودية الخيال السياسي لدى بعض المحيطين بمراكز القرار. والدولة الحديثة لا تُبنى بالخوف الدائم من البدائل، بل ببناء المؤسسات التي تجعل البدائل جزءًا طبيعيًا من الحياة العامة.

والقوات المسلحة، بما لها من مكانة ودور دستوري في حماية البلاد وصون الدستور والديمقراطية ومدنية الدولة، وفق المادة ٢٠٠، تمثل أحد أعمدة حماية الدولة، لا بديلًا عن المؤسسات المدنية المنتخبة. إن مصر الأكثر ثباتًا هي مصر التي يحكمها النظام والقانون والمؤسسات، لا مصر التي يتوقف استقرارها على وجود شخص واحد، مهما كان دوره أو مكانته.

الانتظار ليس حيادًا

قد يظن البعض أن تأجيل تعيين نائب للرئيس، أو تأجيل فتح المجال السياسي، موقف محايد. لكن الانتظار نفسه قرار، وله ثمن. فالأزمات لا تستأذن قبل أن تأتي، والقرار الذي يُتخذ تحت ضغطها يُقرأ دائمًا باعتباره استجابة للضغط، مهما حسنت النوايا.

لقد عشت بعض هذه اللحظات من داخلها، ورأيت كيف يمكن لقرار تأخر سنوات أن يفقد كثيرًا من قيمته حين يأتي بعد فوات الوقت المناسب. ولست أكتب اليوم لكي أستعيد الماضي، بل لكي لا نضطر إلى استعادته.

لقد مررنا في تاريخنا الحديث بانتقال السلطة بعد وفاة مفاجئة، وبعد اغتيال، وبعد ثورة، وفي أعقاب تدخل المؤسسة العسكرية في لحظات اضطراب سياسي. ولا يجوز أن نعود في كل مرة إلى نقطة البداية، وكأننا لم نتعلم شيئًا.

إلى أين نذهب؟

عزوف المجتمع عن السياسة ليس قدرًا محتومًا، بل عرض لمرض أعمق: غياب الثقة، وتراكم الخيبات، وانقطاع الحوار. وعندما يعزف الناس عن السياسة، لا ينبغي أن نلومهم، بل أن نسأل أنفسنا: ما الذي جعل السياسة منفّرة؟

إن إعادة إحياء الروح السياسية لا تتحقق بمجرد فتح صناديق الاقتراع، بل بإحياء أحزاب حقيقية لا تُدار من خارجها، وتمكين الشباب والنساء من المشاركة الفاعلة، وإعادة الاعتبار للعمل السياسي في الشارع والمحليات والبرلمان، وفتح أبواب حرية التعبير والإعلام.

وأؤمن بأن الإصلاح يبدأ من القاعدة، لكنه يحتاج أيضًا إلى قرار شجاع من قمة الهرم السياسي يزيل العوائق ويفتح الأبواب.

وأرى في تصريح الرئيس بعدم المساس بالدستور فرصة لتجديد الثقة بين الدولة والمجتمع، إذا تبعته خطوات تؤكد أن المستقبل مفتوح، وأن تداول السلطة ليس مجرد نص دستوري، بل ثقافة وممارسة واستعداد مؤسسي.

إن مصر تستحق ألا تكرر التجارب نفسها، بالطريقة نفسها، ثم تنتظر نتائج مختلفة. وأنا ما زلت متفائلًا بالخروج من المأزق، وما زلت أملك الثقة في الحس التاريخي للشعب المصري، وفي قدرته على التمييز بين من يريد السلطة لنفسه ومن يريد بناء دولة تستمر بعد الجميع.

فمصر القوية داخليًا هي مصر المؤثرة خارجيًا. وأعظم ضمانة لاستقرار الوطن ليست بقاء الحاكم، بل قدرة الدولة على الانتقال من حاكم إلى آخر دون أن تفقد توازنها أو ثقتها في نفسها.

ومصر تستحق.

شاهد أيضاً

أحمد مدكور يكتب.. يا”يامين”إيه الروعة والجمال والعبقرية دي!٠٠هل تأخذ دروساً من”ميسي”؟!

نظراً لكوني مُحبّ للإجادة في كافة المجالات خاصةً ما يخص الوعي والثقافة والرياضة٠٠وكنت حريف كرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *