السبت , 17 أكتوبر 2026

د. عامر عيد يكتب.. توازن مصر يغضب الأشقاء والصهاينة .. الوجود العسكري الأمريكي لا يحقق استقرار الشرق الأوسط وهجمات الحوثيين تهدد أمن السعودية (3-4)

إن الدبلوماسية تعمل هي الأخرى كالفيروس، سواء بصورة مفيدة أو ضارة، كلما حققت نجاحًا أكبر، نلت احترامًا أكبر؛ وكلما ازداد الاحترام الذي تحظى به، حققت مزيدًا من النجاح؛ والعكس صحيح: كلما ازدادت إخفاقاتك، تراجعت ثقة حلفائك في الانضمام إليك، وبالتالي تزداد إخفاقاتك؛ خذوا هذا المثال، بين مارس وأكتوبر 1991، قام وزير الخارجية جيمس بيكر الثالث بثماني رحلات دبلوماسية إلى الشرق الأوسط من أجل عقد مؤتمر مدريد للسلام، أول مؤتمر يجمع إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية وعددًا من الدول العربية؛ فشل بيكر في الرحلات السبع الأولى؛ لكنه رفض الاستسلام؛ وفي الرحلة الثامنة، أنجز المهمة؛ أروني مبادرة دبلوماسية واحدة بنتها إدارة ترامب منذ وقف إطلاق النار في غزة، الذي تركه ترامب يذبل؛ يبدو الأمر كما لو أن كل ما كان يعنيه هو العنوان الصحفي الذي أعقب التوقيع، والذي أعلن بعده، على نحو مذهل، في 13 أكتوبر 2025: “معًا، حققنا ما قال الجميع إنه مستحيل؛ وأخيرًا، أصبح لدينا سلام في الشرق الأوسط”؛ الآن، هذا ما أسميه خدعة
حقيقية، لا توجد متابعة نشطة ومركزة، لأنه لا توجد خطوط واضحة للسلطة والمسؤولية.

الإنفلات الدبلوماسي وجهاز المناعة

لديكم توماس باراك، المبعوث الخاص إلى سوريا والعراق والسفير لدى تركيا، الذي يطلق تصريحات سياسية خاصة به؛ ولديكم مسعد فارس بولس، والد زوج تيفاني ابنة ترامب، الذي يعمل مستشارًا كبيرًا لرئيس الولايات المتحدة للشؤون العربية والشرق أوسطية؛ ولديكم موظفون بدوام جزئي: جاريد كوشنر وستيف ويتكوف؛ ولديكم عدد من مساعدي وزيري الخارجية والدفاع؛ ولديكم ترامب على حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي؛ سيأتي شخص ما يومًا ويحول كل هذا إلى مسرحية موسيقية؛ أما ما ليس لديكم أيها الأمريكيين، فهو وزير خارجية من طراز جيمس بيكر، يركز بلا هوادة، ويوظف قوة الولايات المتحدة ونفوذها، ويقوم برحلة تلو أخرى تلو أخرى إلى أن ينجز المهمة.

الشيء الوحيد الذي يتابعه ترامب بلا كلل هو مضايقة الصحافة؛ ففي السبت الماضي، وبعد أن أجبره قاضٍ على السماح لمراسلي CNN بالعودة إلى البيت الأبيض بعدما منعهم ترامب بصورة غير قانونية لأن تغطيتهم لم تكن متملقة بما يكفي، منع الرئيس مع ذلك CNN من مرافقته على متن الطائرة الرئاسية “إير فورس وان” في رحلته لحضور مباراة لكرة القدم في تينيسي؛ عندما يتعلق الأمر بالتنديد بالصحافة، يكون ترامب شديد التركيز؛ أما عندما يتعلق الأمر بمواجهة الفيروسات الرقمية والبيولوجية والدبلوماسية التي تضعف جهاز المناعة الوطني الأمريكي، فليس بالقدر نفسه؛ وهذا يعرض الولايات المتحدة لخطر بالغ.

مصر والتوازن السياسي الخارجي

ومرّ ما يقرب من ثلاث سنوات منذ أن أشعلت حماس حرب التحرير الإقليمية في 7 أكتوبر من العام 2023، ومنذ ذلك الحين، وفي دوامة الأخبار الشرق أوسطية التي لا تنتهي، حظيت غزة وإسرائيل وحماس ولبنان وحزب الله وسوريا وقطر وتركيا وإيران والسعودية والإمارات والحوثيون بتغطية إعلامية واسعة، بينما لم تحظَ مصر إلا بالقليل جداً من الاهتمام؛ ربما يظن البعض أن مصر تنكرت لدورها العربي والإقليمي بشكل طوعي، ومن بعض الوجوه، يبدو ذلك غريباً؛ فمصر هي أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتمتلك أكبر جيش في المنطقة، ويُفترض أنها الدولة الأكثر نفوذاً بين أعضاء جامعة الدول العربية؛ لكن من وجوه أخرى، يبدو الغياب العملي لمصر عن المشهد خلال السنوات القليلة الماضية مفهوماً؛ فمصر بعيدة جغرافياً عن معظم ساحات القتال في المنطقة، باستثناء قطاع غزة، كما أن التحول الجاري في موازين القوة الإقليمية نقل مركز النفوذ شرقاً، من القاهرة ودمشق وبغداد إلى الرياض وأبوظبي والدوحة؛ لكن ذلك لا يعني أن مصر استطاعت أن تنأى بنفسها تماماً عن هذه الحروب؛ ومع ذلك، ليس واضحاً على الإطلاق أن هذا ناجم عن سوء كفاءة.

فمصر تحاول المناورة بين مطالب متنافسة ومتناقضة؛ ويقدم نهج القاهرة تجاه غزة مثالاً جيداً على ذلك؛ فمنذ أن اتضح حجم إراقة الدماء في السابع من أكتوبر 2023، بدأ المصريون يلعبون على أكثر من زاوية؛ وبدا أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يضبط موقفه من غزة بطريقة تراعي التأييد الواسع الذي يحظى به الفلسطينيون بين المصريين، وفي الوقت نفسه تحافظ على الشراكات الأمنية القوية التي تربط مصر بكل من إسرائيل والولايات المتحدة؛ فقد حذرت وزارة الخارجية المصرية من التصعيد في أعقاب سلسلة من الاعتداءات على المدن الفلسطينية، بينما لم تشر إلى هجوم حماس إلا بصورة غير مباشرة، ودعت إلى حماية المدنيين الفلسطينيين والعودة إلى عملية السلام؛ وفي مايو 2024، انضمت مصر إلى الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية متهمة إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية؛ ومع استمرار الحرب في غزة، أمر السيسي بنشر قوات عسكرية مصرية كبيرة في شبه جزيرة سيناء، في خطوة يرى بعض الإسرائيليين أنها تشكل انتهاكاً لمعاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية لعام 1979.

وفي الوقت نفسه أبقى السيسي الحصار على غزة قائماً؛ وقد خدم ذلك غرضين: أظهر المصريين بمظهر من يتخذ موقفاً حازماً، وضمن ألا تُستخدم سيناء لإعادة توطين سكان غزة؛ ولا شك أن السيسي يدرك مدى التأييد الشعبي الكاسح للقضية الفلسطينية، ومدى العداء لإسرائيل داخل المجتمع المصري؛ كما لا بد أنه يتذكر أن النشاط السياسي الذي ساهم في إسقاط نظام حسني مبارك عام 2011 تعود جذوره جزئياً إلى جماعات التضامن مع فلسطين التي ظهرت في مصر خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية؛ وفي الوقت نفسه، يتمثل جانب مهم من دور مصر في العلاقة الثلاثية بين إسرائيل والولايات المتحدة ومصر في مراقبة حماس في غزة، والضغط عليها عند الضرورة؛ وقد أدى المصريون دورهم عندما حذروا إسرائيل قبل السابع من أكتوبر من أن حماس تخطط لهجوم؛ وهم يستحقون التقدير على ذلك؛ الأمر الذي الذى سنفرد له مقالا مستقلا أخر ان شاء الله.

وإلى لقاء قادم باذن الله


الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية

شاهد أيضاً

​نائب رئيس شباب الوفد يدين استهداف المدنيين في السعودية.. ويؤكد: جريمة حرب مكتملة الأركان

​كتب مجدى عيسى ​أدان سيد طه فايز نائب رئيس شباب حزب الوفد ومسؤول الإتصال السياسي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *