السبت , 17 أكتوبر 2026

جمال المتولى جمعة يكتب.. الدبلوماسية الهجومية للكيان الصهيونى



منذ سبعة عقود ويزيد والمنطقة العربية تدور فى فلك ملهاة مأساوية مكررة يجيد صياغتها عقل استعمار بغيض يقوم على ركيزتين لاتنفصمان ” الدبلوماسية الناعمة المخادعة ” فى العلن و”المجزرة الدموية الخاطفة” فى الخفاء ماتشهده جبهات غزة ولبنان اليوم من اندفاعة وحشية تتزامن مفارقاتها مع الحديث المتواتر عن “مفاوضات وقف إطلاق النار” ليس انحرافا عن السلوك الصهيونى بل هو تطبيق حرفى لـ “كتالوج” التأسيسى الذى وضعه الاباء الاوائل لكيان الاحتلال الصهيونى وعلى رأسهم بن جوريون .
إن قراءة تفاصيل المشهد الراهن عبر عدسة التاريخ تكشف لنا أن “استراتيجية التمويه” ليست مجرد مناوره تكتكية فرضتها ظروف الميدان بل هى ” عقيدة بنيوية ” تأسست عليها الدول العبرية ولعل العودة الى عام 1955 تقدم لنا الدليل الدامغ ففى السابع والعشرين من فبراير من ذلك العام وقف بن جوريون ليعلن صراحة عن رغبته فى التفاوض مع العرب ولم تكد تمر اربع وعشرون ساعة حتى كان جيشه يشن غارته الدموية الشهيرة على غزة التى زلزلت المنطقة وكانت شرارة لإندلاع العدوان الثلاثى لاحقا ولم تكن تلك الحادثة نشازا إذ أعاد الكرة فى نوفمبر وديسمبر من العام نفسه ممارسا اللعبة الثعبانية ذاتها يمد يدا مسمومة بالسلام فى المساء ويطلق ألة القتل والعدوان فى الصباح التالى مستهدفا العوجة وبحيرة طبرية
هذه المنهجية القائمة على الخداع والاستهبال السياسى تجد نسختها المحدثة اليوم فى غزة وبيروت ويساق الوسطاء الى طاولات التفاوض فى القاهرة والدوحة فى اجواء تفاءلية عن قرب اعداد صياغة للهدنة وفى ذات اللحظة التى يتنفس فيها العالم الصعداء تنهمر القنابل الذكية لتغتال قادة المقاومة أو تبيد مربعات سكنية بإكملها ان الهدف ليس من اجل صناعة سلام بل احداث حالة من الاسترخاء الامنى والدبلوماسى لدى الخصم ليكون الصيد أسهل والضربة الاستباقية أكثر ايلاما ,, فى العلوم السياسية يعرف هذ السلوك بـ ” الدبلوماسية الهجومية لفرض الأمر الواقع” , حيث يتحول التفاوض من اداء لإنهاء الحرب الى سلاح لإدارتها واستنزاف الطرف الآخر . الاحتلال الصهيونى لا يريد حلا سياسيا يمنح الفلسطينيين أو اللبنانيين حقوقهم بل يريد ” صك استسلام ” يشرعن الاستيلاء على الارض وابادة الهوية وعندما تقابل شروطة التعجزية بالرفض يرتدى ثوب الضحية المظلومة باحثا عن ذريعة لاتباع سياسة الارض المحروقة
ان الدرس الاكبر الذى يجب ان يستوعبه صانع القرار والمفاوض العربى اليوم هو أن الوعى بسيكولوجية هذ العدو الغادر يعد السلاح الأول فى معركة البقاء فالحديث مع كيان يتخذ الغدر عقيدة ومن المماطلة استراتيجية هو ضرب من الوهم لقد اثبتت احداث التاريخ من غارات 1955 وصولا الى حرب الابادة الحالية.أن الافعى الصهيونية لا تغير جلدها وان اليد التى تلوح بملفات التسوية هى ذاتها الاصبع التى تضغط على زناد الاغتيال والمجازر وما لم ندرك ان هذا الكيان لايفهم إلا لغة القوة والمقاومة الصامدة سنظل تدفع من دماء شعوبنا ثمن الوقوع فى فخ الخداع الاسرائيلى الذى لا ينتهى

المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا

شاهد أيضاً

السفير عبدالرحيم شلبي يكتب : اليمن واختبار الردع: لماذا لا تجدى أنصاف الحلول؟

كنت أنوى، بعد مقالى الأسبوعى الماضى عن غزة، أن أخصص عمود هذا الأسبوع لتطورات السودان. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *