الأحد , 18 أكتوبر 2026

د. جيهان رفاعى تكتب سَراب الفهلوة.. حِين يُبَاع الخِداع باسمِ المهارة



عجباً لِزمان انعكست فِيه الحقائِق، وتَبدلت بين أَهلِه الخلائِق! فما لِي أَرى بعض من أبناء هذا العصر قد اسْتسهلوا المكر الدفين، واستحلوا الخِداع المهين، فسموا التدلِيس ذكاءً وفطنة، وأدعوا الفهلوة براعة وَحكمة! فيا لحزن نَفسي على زمنٍ كان الصدق فيه زِينة الرجال، والعمل شرط النجاحِ في كل مجال. أَما اليوم، فقد راجت سِلعة الغشاش الماهر، وَتوارى المخلص ذو القَلبِ الطاهر؛ فبات المرء يطلب الربح السرِيع بلا جهدٍ مبذول، ويبتغِي المقام الرفِيع بِحِيل لا يقبلها عقل أَو يرْتضِيها دين. وإِنها حقا قاصِمَة الظهرِ، ومصِيبَة هذا العصرِ؛ أَن يُصبِح الزيف سُلماً لِلارتِقاء، وَتُمَسى الأَمانة سبباً لِلشقاءِ.
فيا من حسِبت الخدِيعَة عقلاً وَذَكاءً، وَالالتوَاءَ ظُرفاً ودهاءً، وَالغِش حذقاً ومهارة، قِف قلِيلاً وتَدبر؛ فما هذِهِ بِشطارةٍ بل هي الخسارة البائرة، وما هذا بِغايةٍ بل هِي الغباوة الحائِرة؛ يشتري بِها المرء دنياه بِآخِرَتِه، ويبِيع سُمعتَهُ بثمنٍ بخسٍ لَا يَحفظ له كرامَة ولا جاهاً. إِن الذكَاءَ الأَصِيل أَنْ تَبْنِي مجداً راسِخ الأَركانِ لا ينهار، لا أَن تَسْرِقَ مالاً زائِلاً تُحرِقهُ النيران. وَإِن الحِكمَةَ أَن تَكون بين الناسِ مأْموناً مَوثوقاً، لا أَن تكون منبوذا بالمكرِ مَمقوتاً.
ولعل سائِلاً يسْأَل: فما هِي هذِه الفهلوة الممقوتة؟ وهل هِي عَين التقصِيرِ وَتركِ الإِتقَان؟ كلا واللهِ، إِنهَا لَأَشَد قبْحاً وَأَعظم ذَنْباً! فَتَرك الإِتقَان قَد يَكون وَلِيدَ جَهلٍ يُعْذَرُ صَاحِبُهُ وَبعده يتعلم، أَو كسلٍ يُنهَى عَنه و بعده يقَوم. أَما الفَهلَوَة فهِيَ تعَمد الغِش مع سبقِ الإِصرارِ والترصد، وأَن يَعرِف المرء طرِيق الحق الصحِيحِ فيمِيل عَنه إِلى سبلِ الضلالة الملتوِية، لا لِشَيْءٍ إِلا اسْتِعجالاً لِرِبح خبِيث، وبيعاً لِلوهمِ فِي سوقِ التزوير. وَلِأَجلِ هذا، نَطَقَ النَّبِيُّ الكَرِيمُ ﷺ بِالقَوْلِ الفَصْلِ الذِي لَا شَك فِيهِ وَلَا تَأْوِيلَ: “مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا”. وَمَا أَعظَمَهَا مِنْ كَلِمَةٍ تَخلَع قلوبَ المؤمِنِينَ! فَلَمْ يَقل: فهوَ عاصٍ وحسب، بَل أَبعدَه عَن نسِيجِ الأُمةِ وَأَخرجهُ مِن جماعةِ أَهلِ القَبولِ.
تَعَالوا معِي نَنظر فِى أَحوالِ أَسوَاقِنا، فَإِنمَا الأَسوَاق مَرَايَا لِأَخلاقِنا. فقد أَصبح النجار إِذَا ائتَمَنتَهُ عَلَى مَتَاعِكَ وَأَثاثِك، صنعَ لَك مِنْ خشبٍ رَخِيصٍ، مَا يُوهِمُ الناظِرَ أَنه مِنَ الزانِ النفِيسِ، يلَمعه بِالطلَاءِ وَالبرِيقِ، وَيَحشُوهُ بِالنشَارَةِ لِيَخدَعَ الصدِيق؛ فَمَا هُوَ إِلا أَن يَأْتِي الشتَاء بِبَرْدِهِ، حَتى يَتَفَككَ البِناء وَيَنكسِر، وَتَذْهَبَ نَفَقَاتكَ أَدْرَاجَ الرياحِ وَتنتهِيَ.
وَإِذا طَلبتَ مِنْه طِرَازاً عَصرِياً أَنِيقاً، أَرَاك لَه فِى الكتالوج رسماً وَبرِيقاً، ثُم سَلمَكَ صنعاً مُشَوهاً قَدِ اعوج مِيزَانه، وَتبَاعدت أَوصَاله ومفاصِله، فلا ترى فِيه إِلا قبْحاً وَخِذلاناً.
أَما المِيكَانِيكِي، فَإِذَا شَكَوْتَ إِليهِ صَوتاً فِي محركِك أَو همهمَة، أَوهمك أَن الخطب جسِيم، وأَن الأمر خَطِير، وأَن لَا سبِيل إِلى الإِصلاحِ إِلا بِتَبدِيلِ القِطَعِ الغالِية؛ وَمَا كَانَتِ العِلة إِلَّا سِلكاً انقَطَعَ فلم يَحتَاج إِلا لِرَبْطِهِ بِيَسِيرِ الجهد، وَلَكِنه أَرَادَ أَن يَبِيعَ لك الوَهمَ بِأُلوفٍ مِنَ الجنيهات.
وَلَا تَسْأَل عَنِ النَّقَّاشِ، فقدِ استَأْمَنتَه على جدرَانِ بَيْتِكَ التِي تَسْترك، فَاكتَفى بِطَبَقةٍ واحِدةٍ يخفى بِها العيوب، وخَففَ الطلاءَ بِالماءِ حتى صارَ كالسائل المسكوبِ؛ فما يَمضِي عَليهِ الشهر حتى تَرَاه قَد تشقق وَتَسَاقط كَأَورَاقِ الخَرِيفِ.
حَتَّى بَائِعُ الخضار والثمَارِ، تَجِده يَصُف الناضِرَ المِشرِقَ فِي أَعلى الصندوقِ، ويدفِن العَفِنَ الفَاسِدَ فِي أَسفلِ المَعروض، ثُم يَقِف حَالِفاً بِاللهِ كَاذِباً أَنه مَا بَخس وَلا غش! والجزار والسماك….
وَكُلُّ هَؤلَاءِ وغيرهم كثر يَحسَبون أَنهم كسبوا، وهم فِي مِيزَانِ الحَقِيقَةِ قَد خسِروا؛ خسِروا أَمرَ اللهِ تَعَالَى حِينَ يَقول: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾، وَخَسِرُوا البَرَكَةَ الَّتِي هِيَ روح النمَاءِ. وما البَرَكَة أَيها الناس؟ لَيسَتِ البَرَكَة كَثرةَ الأَموَالِ المَكنوزَةِ، بَل هِى الكِفَاية فِي القَلِيلِ، وَأَنْ يَنَامَ المَرء قَرِيرَ العينِ صَافِي الضمِيرِ، وَأَنْ يَعودَ إِلَيكَ صَاحِب الحاجةِ مُستَبشِراً يَسوق إِلَيكَ مَعَارِفه، لَا أَن يَفِر مِنكَ خَائِفاً وَيَلْعَنَكَ فِي المَلَأِ نادما.
وَهُنَا يَتَجَلى لَنَا حَدِيثُ الإِتْقَانِ الَّذِي هُوَ عِمَاد الرِّسَالَةِ وَروح المَقَالِ: “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ”. تَأَمل …لَمْ يَقُلْ نَبِينَا: أَنْ يُتِمَّهُ، بَلْ قَالَ: أَنْ يُتْقِنَهُ؛ فَالإِتْمَامُ عمل الجسدِ واليدين، وَالإِتْقَان عمل الرُّوحِ وَالدِّينِ. الفَهْلَوِيّ ينهِي العَمَلَ لِيَقبِضَ الثمَنَ، وَالمتقِن يَنفخ فى عملِهِ روحَ الحَيَاةِ. الفَهْلَوِيُّ يَطْلُبُ زَبُوناً جَدِيداً فِي كل صَبَاحٍ لِيَخدَعَهُ، وَالمُتْقِنُ يَبْنِي لِنَفْسِهِ سمعَة تَأْتِيهِ بِالناسِ طَائِعَة دُونَ عَنَاءٍ.
مثلا أَهل اليابانِ ما فاقونَا بِشَدةِ ذَكَاءٍ أَو عَبْقَرِيةٍ، وَلَكِنهم فَهِموا روحَ هَذَا الحَدِيثِ الشّرِيفِ وَإِن لَم يَسْمَعوه، فَعَلِموا أَن الإِتْقَانَ فِى الصنعَةِ عِبَادَةٌ فَتَرَى أَحَدَهم يَقضِي عُمُرَه لِيُحْكِمَ صِنَاعَةَ مِقَصٍّ وَاحِدٍ مثلا ، بَيْنَمَا نُرِيدُ نَحْنُ أَنْ نُشِيدَ مَصْنَعاً لِلْمِقَصَّاتِ فِي أُسبوعٍ وَاحِدٍ! فَلَا نَحْنُ أَجَدْنَا الصنَاعَةَ الفَرْدِيّةَ، وَلَا نَحْنُ أَقَمْنَا المَصَانِعَ الكَبيرَة.
يَا اخوانى, إِنَّ الفَهلَوَةَ لَا تَهدِم سَقفاً واحِداً أَو جِداراً، بَل تَهدِمُ أَوطاناً وَتذرهَا دماراً! فَبِنَاءٌ يَنهَار عَلَى رُؤوسِ الناسِ، سَبَبُهُ مُهَنْدِس فَهْلَوِي عدِيمَ الضمِيرَ، وَدَوَاء لَا يَشفِي مَرَيضَ وقد يقتله، سَبَبهُ طبيب فَهْلَوِي ضَيعَ الأَمَانَةَ، وَجِيلٌ يَخْرُجُ إِلَى الدُّنْيَا جَاهِلاً، سَبَبُهُ مُعَلم فَهْلَوِي اتخَذَ التعْلِيمَ لَعِباً وَتَسلِيَة.
فَمَا الحِيلَة إِذَنْ وَمَا المَخْرَجُ مِنْ هَذِهِ الأَزمَةِ؟
المَخرَجُ أَنْ نَعُودَ إِلَى رُشدِنَا، وَنَرجِع إِلى الفِطْرَةِ النقِيةِ، وَمِنَ الخِدَاعِ إِلَى الأَمَانَةِ المَرْضِيّةِ؛ وَأَنْ نَغْرِسَ فِي نُفُوسِ الأَبنَاءِ أَن الفَخرَ كُل الفَخرِ فِي قولِ المَرءِ: “صَنَعْتُهَا بِإِتْقَانٍ وَإِحْسَانٍ”، لَا فِي تَبَجحِهِ قَائِلًا: “أَنهَيتهَا بِالفَهلوةِ وَالذكَاءِ “. فَلْنَرْفَعْ جَمِيعًا شِعَارَ الصدقِ البَاقِى: كُنْ مُتْقِناً لِتَنَالَ مَحَبَّةَ اللهِ وَرِضَا النَّاسِ، وَلَا تَكُن فَهلَوِيّاً خَائِناً لِتَخْسَرَ نَفْسَكَ وَتُسَاهِمَ فِي هَدْمِ وَطَنِكَ.
وَالخلاصة، الفَهْلَوَةَ لَيْسَتْ إِلَّا مَكْراً خَسِيساً، وَالغِش لَا يَكونُ يَوماً لِلْمجدِ تَأْسِيساً. فَلْيَعلَم أَبْنَاءُ الوطن أَن المَبَانِيَ الَّتِي تُقَامُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ، لَا تَعصِم أَهلَهَا مِن سُوءِ العَاقِبَةِ وَالدمَارِ، وَأَنَّ النجَاحَ الزائِفَ كَالسرَابِ فِي القِيعَةِ، يَحْسَبُهُ الظمْآنُ مَاءً حَتى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ إِلا خَدِيعَةً. فَيَا مَنْ غَرَّتْهُ الحِيَل وَاسْتَهوَاهُ الخِدَاع، ارْجِع إِلَى رِحَابِ الحَق وَشَرَفِ الأَعْمَالِ؛ فَإِنَّ عِز الأَمَانَةِ يَبْقَى وَيَدُومُ، وَخِزْيَ الخِيَانَةِ يَضَعُ صَاحِبَهُ فِي مقَامِ المَذْمُومِ. وَمَا كَانَ الصِّدْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَمَا فَقَدَتْ أُمَّة رُوحَهَا إِلَّا يَوْمَ أَنْ ضَيَّعَتْ أَمَانَتَهَا وَصَانَتْ خِيَانَتَهَا.

شاهد أيضاً

اتحاد الإعلاميين الأفريقي الآسيوي وأمريكا اللاتينية يحتفي بانتصارات أكتوبر ويكرم الدكتور أحمد يوسف أحمد

بمشاركة بطلي الحرب ممدوح سرور ومحروس رزق.. ومحمد الشافعي يدير حوارًا يستعيد بطولات المعركة ودروسها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *