قدرة صمودها عالية أمام قسوة الظروف الجوية ..ولكن..!!
ارتفاع الحرارة .. يصيبها بالجفاف والتشنجات والخمول وفقدان الوعي!!
غيابها يؤثر سلبًا ..على مكافحة الآفات وتلقيح النبات وتحليل المواد العضوية!
كسر صيف هذا العام القواعد المعتادة، فلم يظهر الكثير من الدبابير. ولاحظ الباحثون ذلك بوضوح؛ فالطلاب لم يستطيعوا العثور عليها لإجراء تجاربهم. هناك علامة أخرى تشير لاختفائها وهي غياب أخبارها عن وسائل الإعلام.
تكون الدبابير أكثر نشاطاً في الطقس الدافئ؛ فتنمو مستعمراتها بشكل أسرع وأكبر، وتتصدر عناوين الأخبار بسبب لدغاتها للبشر. في صيف العام الماضي -الذي شهد أيضاً ربيعاً دافئاً وصيفاً حاراً -كانت وسائل الإعلام تعج بقصص عن “اجتياح الدبابير”. الآن، المتخصصون في مكافحة الآفات يقولون أن هذا العام هادئ، مع تلقي عدد قليل جداً من الطلبات لإزالة أعشاش الدبابير.
هذه ملاحظات شخصية وليست بيانات علمية دقيقة؛ فمشروع “مسح الدبابير الكبير” (Big Wasp Survey) – وهو المسح الوطني الوحيد لرصد الدبابير -لم يجمع العينات لهذا الصيف. لكن المؤشرات غير جيدة.
في مقال لها بموقع كونفرسيشن، تقول سيريان سامنر، أستاذة علم البيئة السلوكية بجامعة كوليدج لندن (UCL)، إذا أكدت البيانات هذا الأمر، فإن اختفاء الدبابير يثير قلقًا بالغًا؛ لأنها -سواء أحببناها أم كرهناها -تلعب دوراً مهماً كعوامل لمكافحة الآفات، وملقحات للنباتات، وكائنات محللة للمواد العضوية.
شهد الربيع بداية جيدة للدبابير. مع الطقس الدافئ والجاف، خرجت أعداد كبيرة من الملكات المؤسِّسات -أي الملكات الجديدات- من سباتها الشتوي لإنجاز المهام بمفردها، كبناء العش ووضع البيض والبحث عن الغذاء وتربية الصغار. وفترة تأسيس العش محفوفة بالمخاطر؛ ولو بقيت الملكة الجديدة حية حتى تفقس دفعتها الأولى من الصغار التي تتحول إلى شغالات بالغات، فإنها تصبح غير مضطرة للبحث عن الغذاء ومواجهة المخاطر.
يعزز طقس الربيع الدافئ والجاف فرص بقاء العش، لكونه يضمن توفر إمدادات وفيرة من الرحيق لتطوير مبايض الملكة، ووفرة في الفرائس لتغذية الصغار. لكن الطقس شهد درجات حرارة غير مسبوقة، تخللتها أيام باردة ورطبة وأعقبتها ليالٍ باردة على غير المتوقع.
هذه التقلبات الجوية الحادة تسببت في هجر الملكات لأعشاشها أو موتها، مما قلص الأعداد الكبيرة للملكات التي ظهرت في بداية الربيع إلى أعداد أكثر تواضعاً.
جميع الحشرات تمتلك حداً أقصى للتحمل الحراري يُعرف بـ “الحد الأقصى الحرج لدرجة الحرارة” (CTmax). فإذا تجاوزت الحرارة هذا الحد، تصاب الحشرات بالجفاف وتشنجات عضلية، وتدخل في حالة من الخمول وفقدان الوعي.
بالنسبة لنحل العسل، يبلغ هذا الحد حوالي 49 درجة مئوية، وهو رقم قد يبدو مرتفعاً، لكن الحرارة تجاوزت 50 درجة مئوية خلال موجات الحر ببريطانيا هذا الصيف. ولا يشترط أن تصل الحرارة للحد الأقصى الحرج حتى تتأثر إنتاجية الكائن الحي وسلوكه؛ فمثلًا، تتأثر القدرات الإدراكية وكفاءة البحث عن الغذاء لدى النحل الطنان سلباً بوصول الحرارة الحرارة إلى 32 درجة مئوية.
وأعربت المؤسسات المعنية بالبيئة عن مخاوفها من أن عام 2026 قد يفاقم الاتجاه التنازلي في أعداد النحل الطنان، وذلك مع ذبول الأزهار وعجز النحل عن البحث عن الغذاء بفعالية.
لكن قدرة الدبابير على الصمود عالية أمام الظروف الجوية القاسية؛ فهي واحدة من أكثر الأنواع الدخيلة نجاحاً وانتشاراً في أنحاء العالم. وبوصفها حشرات اجتماعية، فإن سلوكياتها المتعلقة بتنظيم درجة الحرارة (مثل تحريك الأجنحة لتهوية اليرقات وتبريدها) وهندسة أعشاشها (التي تتميز بأغلفة عازلة) تساعد في تخفيف حدة أي تقلبات بيئية على الحضنة.
وتمتلك هذه الحشرات جزيئات شمعية تُعرف بـ “الهيدروكربونات الكيوتيكلية”، والتي تغطي هياكلها الخارجية لحمايتها من الجفاف. وتتغير بنية هذه الهيدروكربونات لدى الدبابير الاجتماعية استجابةً للحرارة، مما يوفر لها حماية أفضل في درجات الحرارة المرتفعة للغاية.
وتحميها أنظمتها الغذائية المتنوعة أيضاً من آثار أي اختلالات في أعداد الفرائس. ولكن، قد تكون درجة الحرارة القصوى التي تتحملها (CTmax) أقل مقارنةً بحشرات اجتماعية أخرى -حوالي 45 درجة مئوية -وهو ما جعلها عرضةً لدرجات حرارة الأرض المرتفعة خلال موجات الحر هذا العام.
لماذا تبدو الدبابير صغيرة الحجم؟
لوحظ أن الدبابير القليلة الموجودة كانت صغيرة الحجم نوعاً ما. يتحدد الحجم النهائي لحشرات عديدة أثناء مراحل نموها، وذلك بناءً على جودة وكمية تغذيتها وهي في طور اليرقة؛ ولا يزداد حجم الدبابير بعد تحولها إلى خادرة (شرنقة).
وذكر موقع ساينس ديلي أنه عادةً ما تكون أولى الشغالات التي تظهر في الربيع صغيرة الحجم، لأن قدرة الملكة على توفير الغذاء لهن بمفردها تكون محدودة. وبحلول أغسطس، تتزايد قدرة المستعمرة على جمع الغذاء بشكل هائل، فتتغذى اليرقات بشكل أفضل، وتكون الشغالات الجديدة أكبر حجماً بكثير.
إذن، لماذا ظهرت دبابير الصيف بحجم “دبابير الربيع”؟ قد يعود ذلك إلى محدودية تنوع الفرائس ووفرتها، مما يحد من جودة تغذيتها. وقد تكون المشكلة مرتبطة أكثر بدرجات الحرارة؛ فالحشرات التي تنمو يرقاتها في درجات حرارة أعلى تتطور بسرعة أكبر وتصل إلى مرحلة الخادرة وهي أصغر حجماً. يُعتقد أن الاحتباس الحراري يفسر ظاهرة تناقص أحجام الدبابير الاجتماعية على مدار المائة عام الماضية.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
