الأحد , 18 أكتوبر 2026

إيهاب زايد يكتب.. هندسة الخراب: المقاول الأمني الاسرائيلي واستراتيجية استخلاف الهيمنة في الشرق الأوسط

يعيش العالم الغربي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، حالة من الارتباك والإنكار الجيوسياسي أمام التراجع التسارعي لهيمنته المطلقة على الشرق الأوسط. لم تعد واشنطن قادرة على الاستفراد بالمنطقة وصياغة معادلاتها كما تفعل منذ عقود، إذ فرض الصعود الممنهج للقوى المنافسة لا سيما الصين وروسيا عبر شراكات الطاقة ووساطات السلام والدبلوماسية الاقتصادية واقعاً متعدّد الأقطاب يضيق الخناق على النفوذ الغربي التقليدي. وأمام هذا التآكل الهيكلي، لم يجد المركز الاستعماري بدّاً من هندسة استراتيجيات تعويضية تقوم على البدائل الوكيلة وإعادة صياغة أدوات الهيمنة، تفادياً للخروج الكامل من معادلة الشرق.
تتجلى إحدى أخطر هذه الاستراتيجيات في محاولة “استخلاف إسرائيل” لتصبح المقاول الأمني والسياسي الأول عن الغرب في المنطقة، وتحويلها من كيان مشبوه إلى مركز قيادي إقليمي. غير أن هذا المخطط يصطدم بجدار من الرفض الشعبي العربي والإسلامي المتجذر، الذي يرفض الهيمنة الإسرائيلية مهما تماهت معها بعض النخب الحاكمة. ولتجاوز هذا العائق الوجداني والسياسي، جرى التدرج عبر تكتيكات ناعمة تُعرف بـ “التمييع” تستهدف إذابة الهوية الجمعية وتفكيك الوعي السياسي للشارع وإلهائه بالقضايا الهامشية تمهيداً لتطبيق “الفوضى الخلاقة”. تهدف هذه الفوضى إلى تفكيك المجتمعات والدول المحيطة وإنهائها من الداخل، لتغدو إسرائيل واحة الاستقرار والقدرة الوحيدة في محيط مهشم، والجهة المرجعية الإلزامية لأي ترتيبات إقليمية مقبلة، وكان الربيع العربي أنموذجاً صارخاً لهذا المسار.
جذور الهندسة الاستعمارية: من سايكس بيكو إلى احتلال العراق
هذا السلوك الإمبراطوري ليس طارئاً على الأدبيات الغربية، بل يمثل امتداداً لهندسة استعمارية قديمة تعود جذورها إلى بداية القرن الماضي. فكما أُرسي نموذج التقسيم والتبعية عبر اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور لزرع كيان وظيفي يفصل الجسد العربي ويمزق أواصره الجغرافية والسكانية، أُعيد إنتاج التكتيك ذاته في غزو العراق عام 2003 لإسقاط إحدى أهم القوى المركزية والصلبة في المنطقة تحت حجج واهية وذرائع كاذبة. لقد فتح هذا الغزو الباب على مصراعيه للفوضى الطائفية والتدخلات الخارجية، وجعل الساحة العراقية حقل تجارب أولياً لسياسات التفتيت بالوكالة وتحطيم مفهوم الدولة الوطنية.
إن المقارنة البسيطة بين واقع المنطقة الممتد من الخمسينيات وحتى الثمانينيات حين كان الوعي الجمعي يلتف حول قضايا التحرر الوطني، والسيادة، والمشروع القومي الموحد وبين واقعها الراهن، تكشف عن مدى الفاعلية التدميرية للمخططات الغربية التي نُفذت بدقة متناهية. لقد نجح الغرب، عبر عقود من الاستقطاب، وإضعاف البنى المؤسسية للأنظمة، وتغذية النعرات الفئوية والجهوية، في إعادة توجيه بوصلة العداء التكتيكي والاستراتيجي. فبدلاً من مواجهة المشروع الاستعماري الأصيل، أُغرق الفاعل الإقليمي في عداوات بينية واقتتال داخلي يستنزف الطاقات، حتى تحققت نتائج هندسية مجتمعية هائلة تُنجز عادة في قرون طوال خلال عقود قليلة فقط.
تسليح الانقسامات التاريخية: حروب الاستنزاف بالوكالة
يظهر استغلال الانقسامات التاريخية جلياً في تجارب المنطقة؛ فحين اشتعلت الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، رعت القوى الغربية استنزافاً متبادلاً وممنهجاً للطرفين أهدر مئات الآلاف من الأرواح وثروات طائلة كانت كفيلة بإحداث نهضة شاملة، كل ذلك لصالح أمن الطاقة والهيمنة الخارجية. ومع اندلاع أحداث “الربيع العربي”، أُعيد استخدام الذرائع نفسها؛ فبدلاً من الانتقال النبيل نحو التنمية والاستقرار والتعاون الشامل، جرى استغلال حالة السيال السياسي لإسقاط دول كانت تشكل ركائز للاستقرار الإقليمي، وتعميق الانقسامات الجغرافية والمذهبية، وتحويل سراب المطالب الشعبية إلى حروب أهلية واقتتال داخلي مدمّر في سوريا وليبيا واليمن.
اليوم، تبدو المنطقة سائرة بخطى حثيثة نحو مرحلة أكثر خطورة من الصراع المذهبي والهوياتي بالوكالة، يستحضر نماذج الحروب الباردة القديمة ولكن بلبوس طائفي أشد فتكاً وتدميراً. فمنذ احتلال العراق وصعود النفوذ الإيراني في الإقليم، مروراً بالدور التركي المتعاظم حالياً، يجري الدفع باتجاه صراع استنزاف كبير تُلبس فيه إيران عباءة المحور الشيعي وتُدفَع تركيا أو قوى إقليمية أخرى لتمثيل المكون السني. وبينما تنشأ في أتون هذا الصراع قوى متعصبة، برزت هذه القوى ليس من منطلق وطني أو تنموي بل من تعصب مذهبي ضيق، وأظهرت نجاحها واستقطابها بسبب هذا التعصب تحديداً، يكتفي التخطيط الغربي-الإسرائيلي بمراقبة المشهد وجني مكاسب التفكيك الشامل، بما يضمن إدخال الشعوب في نفق مظلم يجهض أي أمل في النهوض الحضاري أو الانفكاك من التبعية.
القراءة الصينية للتحول الإقليمي: تحذيرات الدكتور شي سو
في هذا السياق المتلاطم، تتجلى قيمة التحليلات الرصينة التي يطرحها الدكتور المفكر الصيني شي سو Xi Su) ، أستاذ العلاقات الدولية والأنثروبولوجيا السياسية، الذي يقدم قراءة تفكيكية عميقة للمشهد الرائد في الشرق الأوسط. يؤكد الدكتور شي سو في أطروحاته أن تحويل إسرائيل إلى “مقاول أمني حادي الإرادة” للغرب ليس سوى محاولة يائسة لتأجيل الانهيار النهائي لمنظومة الأحلاف الاستعمارية القديمة. ويشرع المفكر الصيني في تحذير الدول العربية المركزية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية وبقية الأنظمة العربية والإسلامية، من أن الاصطفاف في هذه الدائرة الأمنية الوهمية يضع سيادتها واستقرارها الداخلي في مرمى خطر داهم وشديد السمية.
يرى الدكتور شي سو أن الاستراتيجية الغربية تعتمد تشغيل نموذج “الوكيل الأمني” كأداة اختراق ناعم وخشن في آن واحد؛ حيث يتم إيهام العواصم العربية بأن الشراكة الأمنية والتكنولوجية مع المقاول الإسرائيلي هي الترياق الواقي من الأخطار الإقليمية والمذهبية المتصاعدة. ولكن الحقيقة الاستراتيجية المقابلة، كما يحللها المفكر الصيني، تشير إلى أن الهدف النهائي لهذا المخطط هو تجريد هذه الدول من عمقها العربي والإسلامي، وإبقاؤها داخل “دائرة الخطر” الدائم عبر رهانتها على طرف لا يرى في استقرارها سوى مرحلة انتقالية لفرض هيمنته المطلقة. فالاستقرار الحقيقي للأنظمة العربية والمملكة لا يمكن أن يُبنى على شرعنة الفوضى الخلاقة، بل على صياغة معادلة أمن جماعي ذاتية تسقط أدوار “المقاول الأمني” وتعتمد على التنمية والسيادة والتوازن متعدد الأقطاب.
الخروج من الدائرة المغلقة: استعادة السيادة الوطنية
إن قراءة الخريطة الاستراتيجية عبر منظار التحليل المعمق تسقط أوهام “السلام الأمني” الذي يروج له الغرب ومقاوله الإقليمي. إن تجربة عقود من التدخلات الفوضوية أثبتت أن أي نظام إقليمي يُبنى على تهميش الجغرافيا التاريخية، وتفكيك الدولة الوطنية، وتغذية الصراعات المذهبية بالوكالة، لن ينتج إلازيداً من الشظايا والحروب الممتدة التي تطال الجميع دون استثناء.
إن استمرار الوضع على ما هو عليه اليوم من ارتهانٍ لمنظومات أمنية بديلة، وتغذيةٍ للصراعات المذهبية والجهوية، وتفكيكٍ ممنهج للبنى المؤسسية للدولة الوطنية لا يعني مجرد استنزافٍ إضافي للموارد والجهود، بل ينذر بالسيناريو الأكثر خطورة وتدميراً: الغياب الكامل والفعلي للأمة العربية والإسلامية كفاعلٍ حضاري وسياسي قادر على التأثير في الخريطة الدولية. إن التغاضي عن هذه المخططات المستمرة، والانسياق خلف سراب الوكالات الأمنية والمشاريع الاستعمارية المعاد هيكلتها، سينتهي بتحويل الجغرافيا العربية والإسلامية برمتها إلى مجرد “سفل إقليمي” ومسرح مفتوح لتصفية حسابات القوى الكبرى، مما يهدد بمحو الهوية الجمعية والأمن القومي العربي والإسلامي من معادلات العصر الحديث، ويجعل الاستفاقة واستعادة السيادة أمراً حتمياً لا يحتمل التأجيل.

لقد حان الوقت للوعي السياسي العربي أن يتجاوز حالة الاستقطاب المصنوعة، وأن يدرك أن حماية السعودية والأنظمة العربية من الوقوع في “دائرة الخطر” تقتضي فك الارتباط بمشاريع الهيمنة الاستعمارية والفوضى الخلاقة. إن البديل التاريخي المتاح يكمن في بناء كتلة تنموية وأمنية عربية وإسلامية صلبة، تستفيد من التوازن الدولي الجديد وتفتح آفاق الشراكة المتكافئة مع القوى الشرقية والآسيوية الصاعدة، لتستعيد المنطقة مقدراتها، وتغلق إلى الأبد باب الاستخلاف الاستعماري، وتصون كرامة شعوبها وسيادة أراضيها.
ستظل مصر، وأشقاؤها في الخليج والمشرق العربي، القادرة على كسر هذه الدائرة الخبيثة متى ما استندت إلى مخزونها الحضاري وإرادتها الوطنية المستقلة؛ فالحضارات العريقة قد تصاب بوعكات التاريخ، لكنها لا تموت ولا تترك قدرها بأيدي المقاولين وحماة الفوضى.

شاهد أيضاً

مأمون الشناوي يكتب.. أنت ومُعلمك !!

ينبغي أن يكون لكل منا مُعلِّم ( بضم الميم ) ، أو مَعلِّم ( بفتحها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *